أخبار سريعة
الخميس 24 اكتوبر 2019

مقالات » التحزب آفة في طريق العبودية

للكاتب: صلاح عبد الموجود

نسخة للطباعة

التحزب آفة في طريق العبودية


 صلاح عبد الموجود (*)

كثرت الجماعات, واتسعت دائرة الخلاف بين المسلمين؛ بسبب قلة العلم, وشهوة التصدر, وغلبة الهوى, والتحزب على أفراد و جماعات فتَّتَ كيان الأمة, حتى عظمت الفرقة بين المسلمين, وأصبح الغالب لا يدعو إلى الدين الخالص, وعظمت المنافسة في تكثير الأتباع, حتى أصبح بعضهم يرمي بعضًا ربما بالمروق من الإسلام - وإلى الله المشتكي- وتمثّـل ذلك في استنادهم واستدلالهم لصحّةِ مذهبهم زعموا على الكتاب والسنّة، والاستدلال بالطرق الكلاميّةِ, والحجج العقليّة، والقصص غير الواقعية, حتى إن السامع ليغترّ بحلاوة كلامهم, وقوّةِ حججهم، ويظنُّ أن الحقّ معهم, حتى نرى الأمة كل يوم في انشطار, فكلما وقع خلاف بين فريق انشطر إلى فرقٍ وجماعات.

     لذا فلا يتعجّـب إنسانٌ من كــثرةِ سوادهم, وتهافت أتباعهم؛ فإنّ العبرة ليست بالكثرة وتكثير السواد، بل ولا يصح لنا أن نجعلها ميزاناً للحق؛ كيف وقد قال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}، وقال أيضاً: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقــال أيضاً: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الجماعة, ما وافق الحق, ولو كنت وحدك(1).

     وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ـ: عليك بطريق الهدى وإن قلّ السّالكون, واجتنب طريق الرّدى وإن كثر الهالكون(2).

     ولهذا نجد أنّ الحقّ عند كثير من الناس غير مألوف، وقَدْ فَهِم هذا الأمر الإمامُ الأوزاعي رحمه الله حين قال: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس, وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول؛ فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم(3). وذلك لمّا علم بأن الحقّ في غُربة، وهو مستنكرٌ لدى الكثير من الناس.

     وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة(4): وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة, فالمراد به لزوم الحق واتباعه, وإن كان المتمسك به قليلا, والمخالف له كثيرا؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم, ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم، قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبت معاذا باليمن, فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام, ثم صحبت بعده أفقه الناس, عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, فسمعته يقول: عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله على الجماعة, ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها, فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة, وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثوننا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة, وتحضني عليها, ثم تقول: صل الصلاة وحدك وهي الفريضة, وصل مع الجماعة وهي نافلة؟! قال: يا عمرو بن ميمون, قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية, تدري ما الجماعة؟ قلت: لا, قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق, وإن كنت وحدك، وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي, وقال: ويحك إن جمهور الناس فارقوا الجماعة, وإن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل.

     قال نعيم بن حماد: يعني, إذا فسدت الجماعة, فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد, وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. ذكره البيهقي وغيره.

     وقال ابن شامة: عن مبارك, عن الحسن البصري, قال: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي, فاصبروا عليها رحمكم الله؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى, وهم أقل الناس فيما بقي, الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف(5) في إترافهم, ولا مع أهل البدع في بدعهم, وصبروا على سنتهم, حتى لقوا ربهم, فكذلك إن شاء الله, فكونوا.

     والأصل في المسلم أنه لا يعرفُ بلقبٍ, أو رمزٍ يميّزه عن غيره, سوى الإسلام، قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ المسْلِمِين}، وقال صلى الله عليه وسلم: «وَلَكِنْ تَسَمَّوْا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ»،
     قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أقرّ باسم من هذه الأسماء المحدثة؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه(7).

     وجاء رجلٌ إلى مالك، فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألةٍ أجعلك حجّة فيما بيني وبين الله عزَّ وجل، قال مالك: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، سل، قال: مَنْ أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقبٌ يُعرفون به، لا جهمي، ولا قدري, ولا رافضي (8).

وقال ميمون بن مهران: إيّاكم وكل اسم يسمّى بغير الإسلام(9).

وقال مالك بن مغول: إذا تسمّى الرجل بغير الإسلام والسنة, فألحقه بأيّ دين شئت(10).

     وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:... والواجب على المسلم إذا سئل عن ذلك, أن يقول: لا أنا شكيلي, ولا قرفندي؛ بل أنا مسلم متبع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. - إلى أن قال: فلا نعدل عن الأسماء التي سمّانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان(11).

     ولكن ما أن ظهرت البدع في الأمة الإسلاميّة، وتكاثرت الفرق المنتسبة إلى الإسلام بشكلٍ عظيمٍ؛ حيث الشعارات الزائفة, والدعوات المشبوهة، واجتهد في الدين من ليس من أهله، وأُدخل فيه ما ليس منه، وظهرت نبوءة النبيّ صلى الله عليه وسلم بافتراق الأمة، حتى كان لزاماً على أهل الحقّ، والمنهج الصحيح, وأصحاب العقيدة الصحيحة أن تكون لهم سمةٌ يُعرفون بها, في إطار عام لا في قوالب ضيقة كالحزبيات والجماعات التي حكرت الحق عليهم, وعقدوا عليها الحب والبغض, وهذا منا, وهذا ليس منا.

     قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله(12): لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها، أهل الإسلام ليس لهم سمة سوى الإسلام, والسلام.

     فيا طالب العلم! بارك الله فيك وفي علمك؛ اطلب العلم، واطلب العمل، وادع إلى الله تعالى على طريقة السلف.

     ولا تكن خراجاً ولاجاً في الجماعات، فتخرج من السعة إلى القوالب الضيقة، فالإسلام كله لك جادة ومنهجاً، والمسلمون جميعهم هم الجماعة، وإن يد الله مع الجماعة، فلا طائفية ولا حزبية في الإسلام.

     وأعيذك بالله أن تتصدع، فتكون نهباً بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها.

     فكن طالب علم على الجادة؛ تقفو الأثر، وتتبع السنن، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفاً لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم.

     وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف من أعظم العوائق عن العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي.

     فاحذر رحمك الله أحزاباً, وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب؛ تجمع الماء كدراً، وتفرقه هدراً؛ إلا من رحمه ربك فصار على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

     وأخيرًا أخي الحبيب: إن سُعار الحزبية محرق, وسمها قاتل؛ كم مكر أخٌ بأخيه حتى أرداه في لجج الفتن, وكم عُطل من أمر بمعروف أو نهي عن المنكر؛ فما شتت القلوب, وفرق بين الجموع إلا الحزبية,  واحذر أن تكون ممن يعلن الحرب والهجر على أخيه, دون سابق بيان أو حجة أو برهان, وانبذ التقليد, واحذر أن تعود بالدعوة إلى حقبة التعصب المذهبي, الذي ضرب بجرانه في كل أطراف أمة الإسلام, حتى بين العلماء والمتبوعين.

وهذا كما قيل في بعض أتباع الإمام مالك, ومن ضربت إليه أكباد الإبل:

عَذِيْرِيَ مِنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ كُلَّمَا

                         طَلَبْتُ دَلِيلاً هَكَذَا قَالَ مَالِكُ

فَإِنْ عُدْتُ قَالُوا هَكَذا قَالَ أَشْعَبٌ

                         وَقَدْ كَانَ لا تَخْفَى عَلَيْهِ الْمَسَالِكُ

فَإِنْ عُدْتُ قَالُوا قَالَ سُحْنُونُ مِثْلَهُ

                         وَمَنْ لَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ فَهُوَ آفِكُ

فَإِنْ قُلْتُ قَالَ الله ضَجُّوا وأَعْوَلُوا

                         وَصَاحُوا وَقَالُوا أَنْتَ قَرْنٌ مُمَاحِكُ

وَإِنْ قُلْتُ قَدْ قَالَ الرَّسُولُ فَقَوْلُهُم

                         أَتَتْ مَالِكٌ فِي تَرْكِ ذَاكَ الْمَسَالِكُ

الهوامش:

(1) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة (1/122) رقم(160).

(2) ذكره الشاطبي في الاعتصام (1/83)، والنووي في المجموع (8/275).

(3) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص26 والآجرّي في الشريعة ص58.

(4) كتاب «الحوادث والبدع» ص(26).

(5) أي رؤساء الشر.

(6) صحيح: وهو جزء من حديث سيأتي رواه أحمد في المسند (5/344) وابن منده «الإيمان» (1/375) صححه الألباني في «صحيح الجامع» (1724).

(7) الإبانة الصغرى لابن بطة ص137.

(8) الانتقاء لابن عبدالبرّ ص72.

(9) الإبانة الصغرى لابن بطة ص137 ، والكبرى (1/342،345).

(10) المصدر السابق.

(11) مجموع الفتاوى (3/415).

(12) حلية طالب العلم (61).

   (*) من علماء الدعوة السلفية في مصر   

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة