أخبار سريعة
الأحد 18 اغسطس 2019

مقالات » المشهد السوري بين المؤتمرات ودهاليز السياسة

للكاتب: مالك فيصل الدندشي

نسخة للطباعة

المشهد السوري بين المؤتمرات ودهاليز السياسة


مالك فيصل الدندشي (*)

منذ أواخر شهر حزيران، ومطلع شهر تموز من عام 2012م، الموافق الأسبوع الأول من شهر شعبان (من أسبوعه الأول وحتى منتصفه) شاهد العالم كله ثلاثة مؤتمرات: بدءًا من جنيف ومرورًا بالقاهرة، وأخيرًا في باريس، ثم تابع هذا العالم حركات نشيطة لكل من كوفي عنان، والأخضر الإبراهيمي، وعبدالباسط سيدا (رئيس المجلس الوطني السوري)، ثم حركة دبلوماسية لكل من كلينتون ولافروف ووزير خارجية كل من فرنسا والمملكة المتحدة والصين،  ثم تبع ذلك عمليات الاسترضاء لكل من إيران كي توافق على الخطة الأممية!!! هي وحلفاؤها من حسن نصر الله والمالكي، وحتى المجلس الملي للطائفة العلوية (النصيرية)، ولا ندري ما وراء الكواليس، وربما الرئيس الفنزويللي، وكوبا ووو...

مؤامرة عالمية بدأت من الثمانينيات

     هذا المشهد الجديد من مسرحية الأزمة السورية يعطي المشاهد انطباعات عدة قد تصل إلى حد القناعات، أهمها أن ما يحدث في سوريا السنية (نقولها بصراحة وبدون لف ودوران، فالقضية لم تعد تحتمل السكوت) هو مؤامرة عالمية بدأت خيوطها منذ أوائل الثمانينيات في القرن الماضي، ثم هي مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ولا نعلم متى تنتهي ما دامت خيوط اللعبة بيد المجتمع الدولي (الآكلون الكبار للقصعة الشهية سوريا)، يعاونهم في هذا المخطط كل من يرفض أن يكون الإسلام دستور هذه الأمة سواء عن جهل أم عن خبث أم عن حسن نية! هذا المشهد يتآمر فيه الكثيرون على أهل السنة في بلاد الشام كي يقضى عليهم؛ فلقد ثبت للمتآمرين أن هذا البلد المبارك وأهله الطيبين ما زالوا يحملون نفسًا إسلاميًا سنيا طاهرًا، على الرغم مما شابه في السنوات الماضية من معكرات نتيجة للحملة الممنهجة التي قادها حكام سوريا منذ أربعة عقود ونيف، فإبعاد الناس عن الإسلام لم يأت إلا من خلال رفع الشعارات الوطنية والعلمانية والليبرالية التي تسوّق لها أحزاب علمانية! أشخاص لا هم لهم سوى بطونهم وجيوبهم، وأين حدث هذا؟! في بلد نسبة المسلمين السنة فيه – مع الإخوة الأكراد السنيين المظلومين – تصل إلى قرابة 85% من شعب سوريا الذي في عمومه لا يكره الدين، ولا يرغب في إبعاده عن شؤون الحياة، وربما ظهر فريق منهم – بفعل الحكام وجهودهم في إبعاد الناس عن الإسلام –  من ينادي بفصل الدين عن الحياة، وهذا ناتج عن جهل على الغالب، وليس عن كره وبغض.

دلالات الشعارات المرفوعة

     انظر إلى الشارع  السوري ما الشعارات التي ترفع؟ (الله أكبر – ليس لنا غيرك يا الله – طلب الشهادة  - الموت للصفويين – لا إله إلا الله...إلخ ) ثم انظر إلى صور الشهداء ماذا تلاحظ على وجوههم؟ ثم انظر: من أين يخرجون؟ هل من الحسينيات؟ هل من الكنائس؟ هل من الخلوات؟ هل هل هل... وليس معنى هذا أنه لا يوجد من الطوائف الأخرى من يكره الظلم، ولا يقبل وصاية شرق ولا غرب ولا مجوس... معاذ الله! ولكن نسبتهم قليلة قياسا إلى ما قام به سنة سوريا وما قدموا من تضحيات. وهناك فريق ممن ينتسب إلى أهل السنة هم مع النظام في وحشيته وظلمه وجهالته، ولكنهم قلة إذا ما قيست شعاراتهم العلمانية والليبرالية بما يرفع من شعارات إسلامية لا تنتمي إلى أي تيار سياسي إسلامي، والتيارات السياسية الإسلامية دخلت في المجلس الوطني بذريعة إنكار المنكر، وفقه المصالح والمفاسد، وفقه التدرج، فوقعت في أخطاء شرعية – من وجهة نظري – أسال الله تعالى أن يغفر لهم إذا سلكوا هذا من باب الاجتهاد وحسن النية، ولكن الساحة السنية في سوريا تفتقر إلى قيادات واعية مخلصة تضع مصلحة الدين فوق أي اعتبار.

ترتيبات المجتمع الدولي

     ومن الواضح أن المجتمع الدولي وصل إلى نتيجة ما, وهي أنهم لا يريدون أن يتغلب المجاهدون, كما أنهم لا يريدون أن تبقى الحكومة السورية على المدى البعيد؛ لذلك يرون ضرورة تمديد أمد الحرب حتى يطمئنوا إلى أن المركب لن يقوده إلا أعوانهم، وحلفاؤهم الذين لا هم له إلا تنحية الإسلام عن الحياة على أيدي أناس هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وهذا المجتمع الدولي المتمثل في: أمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وإيران وحلفائهم في الداخل والخارج، يعمل ليل نهار على ترتيب البيت السوري على الطريقة الصليبية، واليهودية، والشيوعية، والباطنية الصفوية، وما تأخير سقوط النظام إلا دلالة واضحة على أن طبختهم لم تنته ولم تكتمل، وهم لا يبالون بالمجازر والهدم والتدمير والتجويع والتشريد ولو لحق كل شعب سوريا كله ما داموا لم يتفقوا على تقسيم القصعة، وعلى من سيتسلمها فارغة أو فيها بقايا طعام.

     كما أنهم يريدون بإطالة أمد هذه الحرب أن يصل الدمار إلى كل شيء في سوريا، وتدمير جميع مقدرات الدولة؛ حتى لا تؤول هذه المقدرات إلى المسلمين في حال سقوط النظام النصيري، وتدمير البنية التحتية للشعب السوري ولسوريا, وتدمير الجيش والممتلكات فيه ضمان أن يبقى اليهود في مأمن على أنفسهم بعد انتهاء الحرب؛ إذ لن تشكل أي جهة تتولى الحكم في سوريا خطراً على اليهود بعد تدمير مقوماتها؛ حيث ستنشغل لسنوات طوال قد تصل إلى خمسين سنة أو أكثر بإعادة الإعمار مرة أخرى.

ليست دعوة لليأس

     لا أريد من مقالي هذا أن نيأس، ولكن أقول: إن الحرب مستمرة، وإن النصر مع الصبر، وإن الفوز مع التقوى، وإن طلب رضا الرحمن من شعب سوريا السني ومن سار في ركابهم من محبي العدل، والحرية، والمساواة - هو من أكبر العوامل التي ستفشل خطط المجرمين ممن سمى نفسه بالمجتمع الدولي الذي اتضح لعبه ومكره وتسويفه المقصود لحل الأزمة، وعلينا أن نحشد كل قوانا الإيمانية والمادية لخوض هذه المعركة التي ربما تبدأ بعد زوال النظام بشراسة أكبر مما قبلها، لن تخدعنا كثرة مؤتمراتهم، وتنقلاتهم، ولن تهتز قناعتنا بما هم عليه من خداع، وإن تزيا بعضهم بلباس الإنسانية، وذرف الدموع التمساحية على خده، فلن ننخدع بهم، {والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وإنا لمنتظرون}.

(*) باحث سوري مقيم بالمملكة العربية السعودية

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة