أخبار سريعة
الإثنين 11 ديسمبر 2017

مقالات » منهج أهل السنة والجماعة في نبذ الخلاف والحرص على وحدة الصف

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

منهج أهل السنة والجماعة في نبذ الخلاف والحرص على وحدة الصف

 الحمد لله الذي أبدل الصدر الأول بعد الاختلاف وفاقًا، وبعد الافتراق اجتماعًا واتفاقًا، {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (الأنفال: 63)، وصلى الله وسلم على محمد نبي الهدى، الذي أنقذ الله به الأمة من هُوَّة الردى، وعلى آله وصحبه ومن تلا واقتدى، أما بعد:

فيتفق العقلاء من الناس على أن الاجتماع والائتلاف مطلب ضروري لا غنى عنه لأي أمة أو جماعة تريد الفلاح، وقد جاء الشرع بالتأكيد على هذا الأصل ورعايته، والحث عليه لأهميته، ولكن المواقف والأحداث تعصف بالناس أحيانًا، وتحوج إلى التذكير والتأكيد على هذه المعاني والوصية بها.

 فقد أفرزت الأحداث الأخيرة في الكويت اختلافاً في الآراء والمواقف، وهذا أمر لا بد أن يقع بين البشر، ولا يمكن بحال من الأحوال تجنبه، فالصحابة -رضوان الله عليهم- وقع بينهم الخلاف في مسائل كثيرة، ولكن لم يكنْ أحدُهم إذا اتَّخذ رأيًا جمع عليه جماعةً، وحزَّب حزبًا، وفرَّق أهل السُّنة، ووالى وعادى أتباعه عليه وعلى قوله، وتبرأ ممن يخالفه في القول، وأبغضه، وأخذ يتكلم فيه وفي منهجه وغير ذلك!!

     لذلك كان من الضروري فهم كيفية التعامل مع الخلاف، والعمل على وجود منهجية نتقبل فيها الخلاف، بحيث تكون فيها الوحدة على أصول شرعية صحيحة، وليست على آراء أو اجتهادات خاصة لفرد أو فئة أو طائفة من الناس.

الجهل بأدب الخلاف سبب الاختلاف بين العاملين في حقل الدعوة

     سئل سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- عن الخلاف الذي ينشأ بين العاملين في حقل الدعوة إلى الله الذي يسبب الفشل وذهاب الريح، فقال: الذي أوصي به جميع إخواني من أهل العلم والدعوة إلى الله عز وجل هو تحري الأسلوب الحسن والرفق في الدعوة وفي مسائل الخلاف عند المناظرة والمذاكرة في ذلك، وألا تحمله الغيرة والحدة على أن يقول ما لا ينبغي أن يقول مما يسبب الفرقة والاختلاف والتباغض والتباعد، بل على الداعي إلى الله والمعلم والمرشد أن يتحرى الأساليب النافعة والرفق في كلمته حتى تقبل كلمته وحتى لا تتباعد القلوب عنه، كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وقال سبحانه لموسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، والله يقول سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ويقول سبحانه: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ..} الآية، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله».

     فعلى الداعي إلى الله أن يتحرى الأساليب المفيدة النافعة وأن يحذر الشدة والعنف؛ لأن ذلك قد يفضي إلى رد الحق وإلى شدة الخلاف والفرقة بين الإخوان، والمقصود هو بيان الحق والحرص على قبوله والاستفادة من الدعوة، وليس المقصود إظهار علمك أو إظهار أنك تدعو إلى الله، أو أنك تغار على دين الله، فالله يعلم السر وأخفى، وإنما المقصود أن تبلغ دعوة الله، وأن ينتفع الناس بكلمتك. فعليك بأسباب قبولها، وعليك الحذر من أسباب ردها وعدم قبولها.

علينا أن نكون في دين الله إخوة متآلفين

     وهذه وصية صادقة من سماحة الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- حيث يقول: يجب علينا في هذه الدعوة المباركة أن نكون في دين الله إخوة متآلفين متوادّين؛ لأن الله –عز وجل– يقول: {إنما المؤمنون إخوة} والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكونوا عباد الله إخوانا»، ومقتضى هذه الأخوة ألا يعتدي بعضنا على بعض، وألا يبغي بعضنا على بعض، وأن نكون أمـّة واحدة غير متفرقة في دين الله في أهوائها وآرائها».

     وبناءً على هذا يجب أن ننظر فيما يحدث بين الشباب، أو بالأصح بين بعض الشباب من نزاعات، هي في الحقيقة يتسع لها دين الإسلام، نزاعات في مسائل اجتهادية يسوغ فيها الاجتهاد، والنصوص تسعها وتحتملها، ولكن بعض الناس ُيريد أن يلزم عباد الله بما يرى هو أنّه الحق، وإن كان غيره مخالفًا له بمقتضى أن ما خالفه فيه هو الحق.

     أقول: يوجد في بعض الشباب الذين مـنّ الله عليهم بالهداية، وحرصوا كل الحرص على تطبيق الشريعة، يوجد فيهم شيء من التنافر على خلاف يسعهم الاختلاف فيه؛ لأنه محل اجتهاد، والنصوص تحتمل هذا وهذا، ولكن بعض الشباب ُيريد أن يكون جميع الناس تبعًا لرأيه، فإن لم يتـّبعوا رأيه فإنه يعتبرهم على خطأ وضلال، وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم من الأئمة.

وأقول: كل إنسان يرى أنه يجب على الناس أن يتبعـوه فإنه قد اتخذ لنفسه مقام الرسالـة.

ثم نقول: هل من الإنصاف أن تجـعل فهمك حـجّة على غيرك، ولا تجـعـل فهم غيرك حـجّة عليك؟!

     كم من إنسان حاقد على الإسلام، عدو للإسلام، يفرح غاية الفرح أن يجد هذا التفرق في الشباب!! يفرح ويتمنى من كل قلبه أن يجد هذا الشباب الذي اتجه هذا الاتجاه الحي النابض متفرقًا.

     والله عز وجل يقول: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، ويقول عز وجل: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}.

     إنني أدعوكم -أيها الشباب- إلى الألفة وإلى الوحدة على دين الله عز وجل وإلى التأني في الأمور، وإلى الحكمة في الدعوة، وبهذا سُيكتب لكم النصر إن شاء الله تعالى؛ لأنكم تكونون على بـّينة من أمركم، وعلى بصيرة في دين الله. (كتاب الصحوة الإسلامية.. ضوابط وتوجيهات للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص47-49).

كيف يكون  القضاء على الخلاف؟

     وهذا شيخنا الألباني -عليه رحمة الله- يبين طريقة القضاء على الخلاف فيقول: «الخلاف حقيقة واقعة - مع الأسف - أصولاً وفروعًا فلا يجوز تجاهلها أو الرضا بها، وإنما يجب على أهل العلم أن يحاولوا في كل قطر ومصر تقليله قدر الاستطاعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بشيء واحد وهو تحكيم الكتاب والسنة في كل خلاف كما هو صريح قوله تعالى:   {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}.

     يجب على المشايخ والدعاة أن يقوموا بتربية الناس رجالا ونساءً ولن يستطيعوا ذلك إلا إذا تعرفوا على السنة والسيرة النبوية الصحيحة التي تشمل: قوله صلى الله عليه وسلم، وفعله وتقريره وما كان عليه سلفنا الصالح مما صح عنهم؛ فإن فقه العالم لا يستقيم إلا بهذا كله مستعينًا على ذلك بأقوال الأئمة المجتهدين والعلماء المحققين وإلا حاد عن الحق وسبيل المؤمنين».

ضرورة البعد عن الخلافات المسببة للشحناء

     كما يؤكد الشيخ ابن جبرين – رحمه الله- على ضرورة البعد عن الخلافات التي تسبب هذه الشحناء والعداوة، وينبغي الإتيان بالأسباب التي تجلب الألفة والأخوة، وإذا وجدت هذه الخلافات، يعلم أنها خلافات في أمور فرعية لا تسبب التقاطع، ولا تسبب الشحناء ولا البغضاء، وإذا وقعت فعلينا أن نحرص على الجمع بينهم، فنأمر هذا بأن يتغاضى عن بعض ما يقوله، وهذا يتغاضى عن بعض ما يقوله، ونحرص على الجمع بين القولين، أو بين ما هو الأرجح بينهما، وبذلك تأتلف القلوب إن شاء الله، والله أعلم.

الاعتصام بالـجماعة من أهم أركان المنهج السلفي

     وفي هذا السياق أكد فضيلة الشيخ محمد الحمود النجدي رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث على أن اعتصام أهل السُنة والجماعة بالكتاب والسنة والمحافظة على الجماعة والائتلاف، من أهم أركان منهجهم المبارك، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عِمران: 103)، قال ابن جرير الطبري: «يُريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدينِ اللهَ الذي أمركم به، وعَهْدِهِ الذي عَهِدَهُ إليكم في كتابه إليكم، مِن الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله»، وروى ابن جرير الطبري بأسانيده: إلى ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال في تفسير «حبل الله» إنه: «الجماعة».

     وذكر ابن جرير أقوالاً أخرى عن السلف في تفسير معنى حبل الله، منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام. (تفسير الطبري 4 /30، 31)، وقال الشوكاني في الآية: «أمر الله أن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين». 

ضوابط اجتماع أهل السنة

     ثم بين الشيخ -حفظه الله- أن أهل السُنَّة حين يجتمعون ويدعون إلى الاجتماع، يضبطون ذلك بضابطين مهمين هما:

- أولاً: أن يكون الاجتماع على كلمة الحق، وهو ما جاءت به نصوص القرآن والسنة بفهم سلف الأمة.

- ثانيًا: مراعاة ضوابط الخِلاف.

     فأما الاجتماع على كلمة الحق، فإنه بدون هذا القيد والضابط لا يكون اجتماع أصلاً، وذلك أن الباطل وأهله في اختلاف عظيم، لا يقرون على قرار، فسبب الاجتماع إذاً هو: جمعُ الدين كله عِلمًا وعَملاً، ونتيجته الاتفاق والوحدة والقوة.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن سبب الاجتماع والألفة جمعُ الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطناً وظاهرا،ً ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه». (مجموع الفتاوى 17/1).

     وقال: «فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله بفعل لم يأمر الله به، من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سبباً لرحمته»، وقال أيضا: «فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تَفَرَّقَ القوم فَسَدوا وهَلَكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب». (مجموع الفتاوى 3/421).

     فأهل السُنَّة مستمسكون بالكتاب والسنة وفهم السلف لهما، وبالجماعة المؤمنة، ملتزمون بأصول الكتاب والسُنَّة والإجماع، بعيدون عن الاحتجاج بالمتشابهات، التي تُفَرِّق الجَمْع وتُشَتِّت الشمل؛ لأن الجماعة عندهم هي مناط النجاة في الدنيا والآخرة.

     وقال شيخ الإسلام: «والبدعة مقرونة بالفُرقة، كما أن السُنَّة مقرونة بالجماعة، فيُقال: أهل السُنَّة والجماعة، كما يُقال: أهل البدعة والفُرقة». (الاستقامة 1/42).

- أما الأمر الثاني، فهو مراعاة ضوابط الخلاف:

     وكما أمر الله تعالى بالاجتماع والاعتصام، فقد حذر ونهى عن الافتراق والابتداع، فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (الشورى:13)، 
     وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153).

     وإذا وقع خلاف بين أهل السُنَّة، فإنه يقع منضبطاً بضوابطه الشرعية، التي من أهمها: الاحتكام إلى الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، ثم الحرص على الوحدة والائتلاف، وصلاح ذات البَيْن، وجمع الكلمة.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله في قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} ( النساء: 59)، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العِلمية والعَملية، مع بقاء الألفة والعِصمة وأخوة الدين». (مجموع الفتاوى:  24/132).

     وهذا الأمر مُشاهَد ملموس فيما وقع الخلاف فيه  بين أهل السُنَّة، فقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب، ومن الأمثلة على ذلك:

     أنهم اختلفوا في موت الرسول صلى الله عليه وسلم، وانحسم النزاع بموقف أبي بكر وقوله: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» وتلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (آل عمران: 144)، وبعد هذا النزاع سلم الجميع لقضاء الله سبحانه وتعالى.

     ثم حدثت قصة السقيفة، وتنازع الصحابة فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في إمامة المسلمين، وانتهى النزاع واجتمعت الكلمة على أبي بكر رضي الله عنه ، ثم اختلفوا في جيش أسامة هل يسيّرونه أم لا؟ وانتهى النزاع بعزم أبي بكر أمير المؤمنين -رضي الله عنه- على إنفاذه، ثم تنازعوا في مانعي الزكاة من أهل الردة، وحسم النزاع بعزم أبي بكر -رضي الله عنه- على قتالهم ورجوع بقية الصحابة الذين كانوا خالفوا إلى قوله وموافقتهم له.

     ومِن ذلك: اختلافهم في الفروع والأحكام الفقهية العملية وهو كثير مشهور، ومع ذلك فإن الصحابة لم يحدث منهم افتراق ولا بدع، ولم يحدث من أحد منهم أن قال ببدعة أو فارق الجماعة، ولم يكن أحد منهم من أهل البدع المشهورة، كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، فضلاً عن الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، بل قد حدثوا من بعدهم.

الصحابة كانوا يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه

     كما أن الصحابة لم يكفر أحد منهم الآخر، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه، ولما حدثت الفتنة وانحاز بعض الصحابة إلى علي، وآخرون إلى معاوية - رضي الله عنهم - لم يوجب ذلك عداوة بينهم ولم يكفر بعضهم بعضًا، ولم يكفر أحد منهم مخالفيه لا من الصحابة ولا من غيرهم.

     قال ابن القيم: «وقد تنازل الصحابة -رضي الله عنهم- في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الناس إيماناً، ولكن -بحمد الله- لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال».

     وأخيراً فإن أهل السنة كانوا أحرص الناس على جمع الكلمة ووحدة الصف، وإصلاح ذات البَيْن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جِماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البَيْن؛ فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (سورة الأنفال: 1)». (مجموع الفتاوى 28  /50)، نسأل الله تعالى أن يصلح أقوالنا وأعمالنا، ويؤلف ذات بيننا، إنه خير مسؤول، والله تعالى أعلم.

وحدة الصف واتفاق الكلمة مقصد شرعي

     ومن جانبه أكد الدكتور وليد الربيع أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الكويت، على أن وحدة الصف واتفاق الكلمة مقصد شرعي، قائلاً: إنه من المعلوم أن اجتماع المسلمين ووحدة صفهم واتفاق كلمتهم مقصد شرعي لا يمكن إهماله أو التغافل عنه، وألزم ما يكون ذلك إذا كانوا دعاة وطلبة علم يجمعهم منهج واحد، وهو منهج السلف الذي يؤكد على أهمية الاجتماع على الحق، ونبذ التفرق والاختلاف، وهو ما دلت عليه نصوص كثيرة منها قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، قال: ابن  مسعود  رضي الله عنه: «حبل الله الجماعة»، وقال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.

     فاختلاف الآراء أمر واقع لا شك فيه، وهو أمر مقبول في حدود الشرع، لكن الأمر الخطير هو التفرق والتباغض تبعًا لاختلاف الآراء، وهو أمر مذموم نهى عنه الشرع كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}، قال الشيخ ابن سعدي: «أي أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين، أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدوا في إقامته على غيركم، وتتعاونوا على البر والتقوى، ولا تتعاونوا على الإثم والعدوان، {ولا تتفرقوا فيه}، أي ليحصل منكم اتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على ألا تفرقكم المسائل، وتحزبكم أحزابًا وشيعًا، يعادي بعضكم بعضًا، مع اتفاقكم على أصل دينكم» اهـ.

التفرق أمر مذموم

     ونهى سبحانه عن اتباع سبيل المتفرقين الذين تركوا سبب اجتماعهم وهو الدين والبينات واتبعوا أهواءهم فضلوا وتفرقوا واستحقوا العذاب فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وأولئك لهم عذاب عظيم}، وقال عز وجل: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.

     والتفرق أمر مذموم ليس من هدي المسلمين بل هو من شأن الضالين، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» رواه ابن ماجه، وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا وحدة المسلمين وأهمية اجتماعهم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

     والاجتماع على الحق مما يحبه الله تعالى ويرضاه فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا؛ فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ؛ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» رواه مسلم، قال النووي: «أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام».

الجماعة سبيل الجنة

      وقد بيَّن النبي- صلى الله عليه وسلم-  أن الجماعة سبيل الجنة فقال: «مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فليلزم الجماعة» رواه الترمذي، وبحبوحتها، أي: وسطها وأفضلها، والجماعة سبب لنيل تأييد الله ورعايته الله كما قال صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة» رواه الترمذي، والمعنى: أن الله يؤيد بعونه الجماعةَ التي تعتصم بحبله، وعَنِ النعمان بن بشير رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ»، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن التفرق غاية الشيطان ووسيلته فقال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» رواه مسلم، قال النووي: «التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها».

     فالاجتماع على الحق، ونبذ الفرقة والاختلاف من مقاصد الدين العظيمة، ومن مقتضيات الأخوة الإيمانية التي أمر الله بها ومدح المؤمنين بها في قوله: {إنما المؤمنون إخوة} وقال صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا»، ولا تتحقق الأخوة مع التباغض والتباعد، فأنصح إخواني بمراجعة أنفسهم، والتعالي على الأمور الدنيوية الزائلة، والنظر إلى الثوابت الأخروية الباقية، قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، جعلنا وإياكم من المتقين ومن الإخوة المتحابين، وبالله التوفيق.

الاختلاف ذمه الله عز وجل

     أما الشيخ حاي الحاي -حفظه الله- فأكد على أن الله عز وجل قد ذم الاختلاف حيث قال سبحانه: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}، وقال سبحانه: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، وقال صلى الله عليه وسلم: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» أخرجه أحمد، وصح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال عندما أتم الصلاة الرباعية خلف أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى بدلا من ركعتين - قال لما سئل: الخلاف شر.

الاختلاف من لوازم غير المعصومين

     كما أشار الشيخ ناظم المسباح -حفظه الله- إلى أن الاختلاف بين الناس قائم ما دامت تتفاوت عقولهم ومداركم وطبائعهم وأجناسهم، وهو من لوازم غير المعصومين، فالمعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دون ذلك  واقع في الخطأ لا محالة.

     والاختلاف إما أن يكون عن هوى وشهوة، قال تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}، وهذا أقبح أنواع الاختلاف وأعسره علاجاً وأشده فتكا بالأمة، وإما أن يكون مبنيا على علم وإنصاف ومعرفة وإرادة بيان الحق من خلاله فهذا الخلاف سائغ لا غبار عليه، وهو  على وجه العموم واجب عقلا، سائغ شرعاً، وإنما قلنا سائغ شرعا لأن الأصل هو الاتفاق وعدم الخلاف، قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم...} وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا».

ضوابط الـخلاف في الشرع

     وعن ضوابط الخلاف قال المسباح حفظه الله: إن الخلاف لا بد أن ينضبط بضوابط الشرع الحنيف، فقد أمر الله تعالى بإنصاف المخالف والعدل في حقه فقال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}، ومن المتقرر في الشريعة قاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات وأن زلة الإنسان تغمر في حسناته إن كثرت ولا سيما إذا كان من أهل العلم والاجتهاد والفضل.

وقد قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

                         جاءت محاسنه بألف شفيع

     ولقد أمر الله عز وجل بالتثبت في تلقي الأخبار؛ حتى لا ينشأ الخلاف بين اثنين بناء على خبر كاذب فتصدر الأحكام المسبقة وتنطلق الردود وتوغر الصدور، وعندئذ لا مجال للحوار، قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْما ًبِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}.

     ومن كريم الآداب عند الخلاف: الخضوع للحق حتى ولو كان على لسان المخالف، ولا يخضع للحق إلا من كان قاصدا للحق عند مبدأ الخلاف، أما من بني خلافه على شهوة وهوى فلا يكفيه بيان الحق،  وكما قيل: صاحب الحق يكفيه دليل، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل، ومن جميل ما يؤثر عن الإمام الشافعي أنه قال: ما ناظرت أحداً إلا قلت: اللهم أجْرِ الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته.

ضرورة تدخل أهل الفضل

     ثم ختم الشيخ المسباح حديثه بضرورة تدخل أهل الفضل والعلم للإصلاح بين المختلفين والمتخاصمين وتقريب وجهات النظر وتأليف القلوب؛ فما ماتت أمة يحيا فيه المصلحون الناصحون، فإن هم  سكتوا ماتوا وماتت الأمة، قال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}، وعند الترمذي من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»؛ أسال الله تعالى أن يجمع شمل الأمة على كلمة سواء، وأن يصرف عنها الفتن ما ظهر ومنها وما بطن، إنه ولي ذلك فنعم المولى ونعم النصير.

نداء للتضامن والتآلف

     ونختم بهذه الوصية المخلصة من الشيخ السديس - حفظه الله - ونداء لقيادات العمل الإسلامي لضرورة جمع الصف وتوحيد الكلمة ورأب الصدع حيث قال فيها: «يا قادة المسلمين! ويأهل الرأي والفكر! ويا رجال العلم والدعوة والإصلاح! اتقوا الله في أنفسكم وأمتكم، احملوا رايات التضامن والتآلف، واحرصوا على رأب الصدع وجمع الكلمة ووحدة الصف وتضييق مجاري الخلاف، والقضاء على أسباب النـزاع والخصومات.

     يا عباد الله! أعداؤكم يقيمون أحلافًا واتحادات وتكتلات للقضاء على الإسلام واحتلال دياره والكيد لأبنائه، والمسلمون أولى أن يقوموا بذلك، وإن لم يجمعهم الحق، فرقتهم الأهواء بالباطل، فوصيتي إلى المسلمين جميعًا والعاملين لهذا الدين خصوصًا، من منبع الوحدة والإخاء أن يصلحوا ذات بينهم، ويبتعدوا عن التحريش والخصومات، وأن يحرصوا على سلامة الصدور وطهارة القلوب من الأحقاد، وسل الضغائن من النفوس؛ ليكونوا يداً واحدةً على أعدائهم، وإن بوادر التآلف وبذور الاجتماع والوحدة لتبشر بالخير في الأمة الإسلامية، فالأمة بخير، وما زالت بخير بحمد الله، ونسأل الله أن يزيدها من الخير والتوفيق لتعود إلى سالف مجدها وغابر عزها وقوتها، وما ذلك على الله بعزيز».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة