أخبار سريعة
الإثنين 06 ابريل 2020

مقالات » نهاية بابا الفضائح واللوائح

للكاتب: شريف عبد العزيز الزهيري

نسخة للطباعة

نهاية بابا الفضائح واللوائح

 

حدث استثنائي لم يقع مثله منذ أكثر من ستة قرون، ومع ذلك تعاملت معه وسائل الإعلام العالمية والإقليمية والمحلية بفتور مريب، وتجاهل يدعو للتساؤل والتعجب، كأنه ثمة تواطؤ على الإعراض عنه صفحًا، لعل الناس عامة والنصارى خاصة لا يلتفتون إليه ويبحثون عن أسبابه وعلله.

     بنديكتوس السادس عشر بابا الفاتيكان الذي تولى كرسي البابوية الأشهر سنة 2005، يقرر فجأة ودون أسباب مقنعة أن يتنحى عن منصب البابوية، بعد ثماني سنوات من الجلوس على كرسي لم تثبت قوائمه بسبب كثرة الفضائح الجنسية والمالية للرهبان والقساوسة في شتى بقاع العالم، ومن يرصد إعلان  بنديكتوس السادس عشر لقرار تنحيه، يجد أنه أعلن القرار في جدية واقتضاب، وقال: إن القرار لم يأت فجأة، بل نتيجة لفحص ضمير فقال: «لقد فحصت ضميري أمام الله مرارًا وتكرارًا، وتوصلت إلى اليقين بأن قواي، بسبب تقدمي في السن، لم تعد مناسبةً للقيام بشكل مناسب بالخدمة البطرسية»، وإذا ما تمت مقارنة عمر بنديكتوس، بوضع يوحنا بولس الثاني، نجد تشابهًا، فقد كان يوحنا مريضًا، مرهقًا، لكنه كان مقتنعًا بأنه لا يجوز النزول عن الصليب، مهما كانت الأعذار والضغوط؛ ذلك لأن التنازل عنه سوف يؤدي لنتائج وخيمة على البابوية والكاثوليكية كلها، والتجربة والتاريخ يشهدان على ذلك، فكلمة البابا كلمة مستمدة من اليونانية وتعني الأب، وهو بالمفهوم الكنسي معصوم عن الخطأ، وهو أيضًا نائب المسيح وخليفة القديس بطرس، ورئيس الفاتيكان، وخادم سدنة الرب وبطريرك الغرب، وأسقف روما، ومنصبه مقرر من المسيح سلفًا، والاستقالة منه لمثل الأسباب التي ذكرها بنديكتوس نسف لكل هذه العقائد الموروثة.

     مسوّغات استقالة بنديكتوس السادس عشر لم تلق قبولاً واعتبارًا عند كثير من المراقبين والمحللين، فقد قال أستاذ التاريخ في جامعة الدراسات العليا في مدينة بيزا الإيطالية د.مينوتسي: «مشكلات كثيرة هي التي قد تكون تسببت في استقالة البابا، فهناك فضائح فساد واعتداءات جنسية وصراع على السلطة والخلافات حول عقيدة الإيمان، وكل هذه المشكلات ألقت بثقلها على البابا بحيث لم يعد قادرًا على إدارة الحكم  بالنهج نفسه السياسي الذي اتبعه حتى الآن»، في حين ذهب الكثيرون إلى أن الفضائح الجنسية والمالية المتتالية ليست وحدها التي قد قصمت ظهر بنديكتوس السادس عشر، ولكن تزايد حالات إسلام القساوسة حتى داخل الفاتيكان، والإحصائيات السنوية المفزعة لكرسي البابوية عن معدلات انتشار الإسلام في العالم الغربي، والتي أشارت إلى أن الإسلام سيصير الديانة السائدة في العالم في غضون الأربعين سنة القادمة.

     كل هذه الأسباب معتبرة ولها أثرها وقوتها، ولكن من وجهة نظري أنها ليست بالأسباب الكافية لدفع شخصية عنيدة شديدة التسلط والديكتاتورية مثل بنديكتوس للاستقالة في نادرة من نوادر الكنيسة الكاثوليكية، وهو يعلم أثر مثل الإجراءات الاستثنائية على مركز الكاثوليكية بوصفها زعيمة للعالم النصراني كله، فأخبار الفضائح الجنسية معروفة للجميع منذ عهد سلفه يوحنا بولس الثاني، بل إن معظم الجرائم التي تم الكشف عنها وقعت في عهد سلفه، وليست في عهده هو، وكذلك بالنسبة للجرائم المالية، أما معدلات انتشار الإسلام فهي ربما اليوم أقل من نظيرتها في أوائل الألفية الثالثة، حيث كان معدل انتشار الإسلام في أعلى درجاته، خاصة بعد أحداث سبتمبر وما تلتها من حرب عالمية على العالم الإسلامي، فما السبب الحقيقي إذًا وراء استقالة بنديكتوس السادس عشر؟

     من وجهة نظري أن نهج بنديكتوس السادس عشر المتشدد وأسلوبه الاستبدادي الديكتاتوري في إدارة شؤون الكنيسة الكاثوليكية هو الذي انتهى به لهذا المصير الفريد، فإدارة بنديكتوس للكنيسة وشؤون الكاثوليكية كانت إدارة سياسية من الطراز القمعي بامتياز، فبنديكتوس كان يشغل قبل توليه كرسي البابوية منصب مسؤول إدارة التحقيق والتفتيش، وهي الإدارة الأشد أهمية وخطورة في الكنيسة؛ إذ كان هو المسؤول عن تحقيق وإثبات قضايا الإيمان، وهي الإدارة التي تشبه لحدٍّ كبير محاكم التفتيش الإسبانية في أعقاب سقوط الأندلس، وكان بنديكتوس مشهورًا بتزمته وتشدده في قضايا الحداثة، صلبًا في مواجهة الأفكار الجديدة والاختراعات الحديثة، حتى إنه وللعجب كان من أشد أعداء وخصوم ما يعرف بالكندوم أو الواقي الذكري بين الزوجين، حتى تندر عليه الأوروبيون ولقبوه ببابا الكندوم، كما كان مشهورًا بإصدار اللوائح المشددة على القساوسة في المراسيم والإجراءات والصلوات الكنسية، ومنذ أن تسلم البابا منصبه عام 2005 أصبحت الكنيسة على يديه أكثر تزمتًا، ولاسيما فيما يتعلق بفرضية الحقيقة الحصرية الصالحة لكل زمان ومكان كمعيار عالمي، وأصرَّ بنديكتوس على أن المبادئ والقيم الكاثوليكية غير قابلة للنقاش وتنطبق على كافة المجتمعات والسياسات بالتساوي، وهذا يدل على انغلاق الكنيسة تجاه العالم الآخر والحوار مع الديانات الأخرى؛ لذلك فقد استهل عهده بصدام مباشر مع العالم الإسلامي بالمحاضرة الشهيرة التي أساء فيها للإسلام ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وواصل هجومه على الإسلام والمسلمين حتى قام الأزهر الشريف بقطع العلاقات مع الفاتيكان وأوقف حوار الأديان بسبب هذا النهج المتزمت من جانب بنديكتوس السادس عشر، كما أدت تصريحاته إلى توتر العلاقات مع الطوائف «المسيحية»، فقد اعتبر أن الطوائف «المسيحية» خارج الكاثوليكية ليست كنائس مكتملة الأركان تابعة للمسيح، وهو ما أثار استياء «المسيحيين» حول العالم. وانتقد شنودة الثالث رئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بنديكتوس بسبب وثيقة تؤكد أولية العقيدة الكاثوليكية على عقيدة الطوائف «المسيحية» الأخرى، ولم يرض عن سياساته سوى اليهود الذين احتفظ معهم، كما فعله سلفه، بعلاقات وثيقة ومتينة.

     بالجملة كان بنديكتوس شخصًا مكروهًا من الجميع؛ مما أثَّر سلبًا على حركة ونشاط الكنيسة الكاثوليكية في مواجهة مد إسلامي جارف، وكشفت آخر الإحصائيات التي كانت إحدى أهم أسباب استقالة بنديكتوس أن الكاثوليكية تتراجع على نحو خطير في أوروبا الغربية التي تمثل مسقط رأس الكاثوليكية في العالم، وأن أوروبا ستكون قارة مسلمة سنة 2040؛ بسبب معاداة الكنيسة الكاثوليكية للعلم والحداثة، وإصرارها على التعنت الكنسي الموروث منذ القدم؛ لذلك كان الحل في بابا أكثر تفتحًا ومواكبة للمتغيرات العالمية، وأكثر شبابًا في وقت يحتاج فيه رأس الكاثوليكية لمواجهة التحديات التي تطيح بمذهبه شيئًا فشيئًا من قيادة العالم.

 

 

 

السبب الحقيقي لاستقالة بنديكتوس السادس عشر

     وتشير بعض التقارير إلى أن السبب الحقيقي الثاني وراء استقالة البابا، مايذكره لنا عصام مدير المتخصص في التصدي للتنصير وأحد التلاميذ الذين كانوا مقربين من الداعية (أحمد ديدات) رحمه الله، ورئيس مركز متخصص في إدارة الحوار مع الغرب، حيث يقول: إن السبب هو إسلام أكثر من 30 شخصا من كبار الأساقفة والقساوسة بالفاتيكان، وتجرى حاليا محاكمات واسعة لمعاقبتهم وطردهم من الكنيسة، على ما أفادت الهيئة الإسلامية العالمية للإعلام، وقد تحدى عصام مدير منذ ذلك الوقت الفاتيكان أن يكذب الخبر، إلا إن الفاتيكان التزم الصمت حيال ذلك.

     والسر الأخطر الذي كشفه مدير، والذي يعزو استقالة البابا إليه، هو أن هناك ثلاثة ممن يكتمون إسلامهم داخل الفاتيكان، وظل بابا روما يحاول معرفتهم دون جدوى، وأحد هؤلاء الثلاثة هو المسؤول عن تسريب وثائق تدين الفاتيكان والبابا في فضائح الاعتداءات الجنسية المتتالية على الأطفال داخل الكنائس، وبسبب تلك الفضائح هناك قضايا مرفوعة اليوم ضد البابا في بريطانيا بتهمة التستر على اعتداءات القساوسة على الأطفال.

     وتعد الوثيقة الأخطر التي تم تسريبها ولم تنشر بعد، هي وثيقة فاتيكانية عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، تحتوي على نسخة قديمة من الأناجيل فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأشار مدير إلى أن مخابرات الفاتيكان تفتش عن تلك الوثيقة التي لا يعلم أحد إلى الآن في يد من وقعت، لكن المؤكد أن بابا روما فقدها فقرر أن يفقد منصبه معها.

وكل هذه المعلومات التي يؤكدها عصام مدير تعود لعام 2006، ذلك العام الذي أطلق فيه البابا تصريحات مسيئة للإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما يعتقد أنها محاولة للتغطية على إسلام القساوسة، والوثيقة الفاتيكانية المهمة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة