أخبار سريعة
الإثنين 23 ابريل 2018

مقالات » مفهوم البطولة في الإسلام (1)

للكاتب: د. أحمد بن عبدالعزيز الحصين

نسخة للطباعة

مفهوم البطولة في الإسلام (1)

 

إن تاريخ الإسلام زاخر بأحداث البطولة التي امتدت عبر مراحله المتصلة دون توقف، وهي في صورها القريبة لا تنفصل في مفهومها عن صورتها الأولى، وكلها تستمد وجودها من مفهوم أساسي واضح، هو القيام بدور يدفع الأمة الإسلامية نحو تحقيق أهداف الإسلام الكبرى.

وتتسم البطولة في الإسلام بطابع عملي إيجابي، ومن هنا كان البطل في الإسلام دائماً خادماً لمجتمعه وفكرته وأمته، يؤمن حق الإيمان بأن عمله مقدور في ميزان العمل الصالح عند الله تعالى، ثم عند المؤمنين على تعاقب الأجيال، ومن هنا فهو لا يتطلع إلى الجزاء المادي أو المغنم أو الشهرة.

     فتحقيق العبودية الصادقة جعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانونا خالداً ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية؛ فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة المجاهدين حتى يروا ما أعد الله تعالى للشهداء في سبيله، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض.

     وجاءت غزوة أحد، فكانت إصابات المسلمين في أنفسهم وفي جراحات النبي صلى الله عليه وسلم أعظم درس تربوي ممحص للمسلمين ليعرفوا وخيم عاقبة مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة أمره عموماً، ولاسيما إذا علموا أنهم مختارون ليكونوا حملة الإسلام إلى الناس في أقطار الأرض؛ لذلك بين لهم خطورة الاختلاف وحب الدنيا وإرادتها، وأن ذلك هو السبب فيما حل ويحل بالمسلمين، والله تعالى يقول: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} (آل عمران: 152).

     نعم، لقد نصرهم الله تبارك وتعالى على عدوهم إلى أن كان منهم الفشل والتنازع وعصيان بعضهم لأمر القائد صلى الله عليه وسلم ، عند ذلك تبدل النصر إلى هزيمة؛ لأن الله تعالى إنما وعد المؤمنين النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة، وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله عز وجل في أخلاق البشر وأعمالهم على المستوى الفردي أو الجماعي، وهي أن المصائب التي تعرض للمسلمين في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة، إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله تعالى قد يعفو عن بعض الأعمال التي لا أثر لها في النفس، وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة، وهي التي عناها سبحانه وتعالى بقوله: {ويعفو عن كثير} (المائدة: 15).

     فينبغي أن نأخذ من أحداث غزوة أحد وابتلاءاتها عبرا تنفعنا إلى آخر الدهر، ولاسيما إذا استعرضنا التجربة التي مر بها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورأيناهم يخرجون من محنة أحد بإيمان قوي، وعقيدة راسخة وشجاعة فذة، وعزيمة حازمة، وثقة بالله لا يوازيها شيء، وكانت سراجاً أضاء الطريق أمامهم في سيرهم برسالتهم، وجعلتهم يضربون المثل الطيب والأسوة الحسنة في مواقفهم الكثيرة، وحرصهم على طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم والتزامهم أمره صلى الله عليه وسلم حتى آخر رمق في حياتهم البتغاء مرضاة الله تعالى والشوق إلى جنته.

     وقد خلد لنا الإسلام سلاسل مضيئة من أعلام رجالنا الكرام، كان لهم النصيب الأوفى من البطولة والفداء والصدق والوفاء، ونزداد إعجاباً بأولئك السابقين من أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ، حيث نجد أحدهم يذوب خشية وعبادة لربه سبحانه في محرابه كأنه لا شغل له سوى التعبد والتهجد، فإذا نادى المنادي: حي على الجهاد، نقل محرابه إلى الميدان وجاهد في سبيل ربه خير جهاد، ثم بذل جهوده هنا وهنا في مسالك الحياة وشعابها صالحاً مصلحاً، راغباً في أن يكون عند الله من المقبولين، قال تعالى: {والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم} (الواقعة: 10 - 12).

     وقد عرف تاريخ الإسلام أبطالاً قاموا بأدوار على قدر عظيم من الأهمية دون أن يكشفوا عن شخصياتهم، أو يبوحوا بأسمائهم، وقد سجل التاريخ هذه المواقف تحت أسماء مجهولة، ومن هؤلاء صاحب النقب، هذا البطل الذي استطاع أن يفتح ثغرة في سور دمشق بعد أن حاصرها المسلمون طويلاً وحاولوا مرات، غير أن هذا البطل الذي لم يعرف التاريخ اسمه، ولم يكشف هو عن شخصيته، اندفع على رأس فرسه وسهام العدو تنوشه من كل مكان دون أن يتوقف أو يرتد، حتى بلغ الجدار فأحدث فيه نقباً، ثم اخترقه إلى داخل السور وكبر، فكبر المسلمون وعبروا إليه، فلما انتهت الموقعة ظن قائد الجيش محمد بن مسلمة أن صاحب النقب سوف يتقدم إليه دون جدوى، هنالك نادى في الجيش أن يتقدم، فلم يتقدم أحد، ووعد ثم هدد، وبينما هو جالس في خيمته تقدم إليه رجل فقال له: أيها القائد، هل تريد أن تعرف صاحب النقب؟ قال: نعم، قال: أنا أدلك عليه إذا أعطيتني العهد على ألا تسألني عن اسمي، فقال القائد محمد بن مسلمة: لك عهد الله علي ألا أسألك عن اسمك، قال: أنا هو، وانطلق خارجاً من خيمة القائد ينتظر حسن الثواب من الله تعالى يوم يقوم الحساب، ولم يتطلع إلى الحظ العاجل وإذاعة أخباره واسمه، وهذا الصنف الكريم يجلي لنا العبر، ويعطينا الموعظة الحسنة، لنعتبر بأن الله تعالى وحده هو الذي يجزي على العمل، وقد وضح لنا هذا المعنى عندما أقبل وباء المرتدين المجرمين بقيادة مسيلمة الكذاب، وخرج جيش الإسلام ليرد ذلك الطوفان، وكان فيه البراء بن مالك الأنصاري رضي الله عنه ولم تكن المعركة يومها سهلة ولا ميسرة، واشتد القتال بين المؤمنين والباغين، وهناك رفع البراء بن مالك صوته ينادي في المجاهدين: «يا أهل المدينة، لا مدينة لكم بعد اليوم، إنما هو الله والجنة»، أي لا تذكروا في هذا الموطن أنفسكم ولا أهليكم ولا بلدكم، بل اجعلوا كل همكم أن تنصروا الله ربكم جل جلاله، وأن تأخذوا الطريق إلى جنته عن طريق الجهاد في سبيل دينه ودعوته.

فالبطولة الإسلامية لم تكن الإعلان والشهرة، وإنما هي التماس رضا الله عز وجل، وتحرير العمل لوجه الله تعالى وإخلاصه للحق وحده.

     يذكر لنا التاريخ هذه البطولة التي صنعها الإسلام إخلاصاً لله عز وجل وهي: أن رومانوس إمبراطور الدولة البيزنطية، أقبل بجيش يضم مائتي ألف مقاتل، وقيل ستمائة ألف مقاتل، يقوده بنفسه، ومعه البطارقة، يريد أن يقضي على المسلمين -بزعمه- ويزيل ملكهم وينفي جمعهم ويدوس رايتهم، وسرعان ما علم «ألب أرسلان» قائد المسلمين آنذاك بالخطر الزاحف على المسلمين، وأدرك أنه لا مفر من الجهاد، فجمع أهل مشورته وقال لهم: تعلمون من أنباء زحف رومانوس وجيشه اللجب، ولقد حاولت أن أثنيه عن عزمه بكل المغريات من مال وممتلكات، أحب أن أضعها بين يدي رومانوس على ألا يظفر بنا فيهلك جمعنا على القتال، وسأخرج لتوي بكفني وحنوطي، فمن رغب عن الجهاد فدونه المسالك فليسلك أيها أقرب إلى نجاته، ومن رغب في لقاء الله عز وجل، فليتحنط وليلبس كفنه وليلحق بي لملاقاة رومانوس(1).

     وما هي إلا ساعة حتى كان ألب أرسلان يمتطي جواده ووراءه خمسة عشر ألف جندي، قد تكفنوا جميعاً بقماش أبيض، وقد فاحت منهم رائحة الحنوط، ينتظرون وصول جيش رومانوس أرض المعركة(2)، وتمر سويعات ثقيلة متباطئة لم يلبث أن يتطاير عن بعد غبار ينبئ بوصول رومانوس، فتتعالى أصوات المسلمين: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، صدق وعده ونصره عبده وهزم الأحزاب وحده، ويفاجأ رومانوس وقادة جيشه بالذي رأوه وسمعوه، ويلقي الله الرعب في قلوبهم؛ إذ لا يرون أمامهم إلا كتلة واحدة بيضاء، يتعالى تكبيرها إلى عنان السماء.

     وتحتدم المعركة بين الجيش المكفن المؤمن، وبين الجيش البيزنطي اللجب الجرار، ويتدافع المسلمون بأكفانهم يطرقون أبواب الجنة بجماجم الكافرين من جنود بيزنطة، وسالت الدماء أنهاراً، وتطايرت الرؤوس بلا حساب، وشرعت أبواب الجنة تستقبل المؤمنين، وشرعت أبواب جهنم تستقبل الكافرين، وتطلب المزيد... وما كاد النهار أن يستكمل دورته حتى هدأ ضجيج المعركة، وارتفع في الأجواء صوت المنادي ينادي: أبشروا يا جند الإسلام لقد أسر رومانوس.

     فتعالت إذ ذاك أصوات المسلمين: الله أكبر الله أكبر، وإذ فرغ ألب أرسلان وجنده من أداء ركعات شكر لله عز وجل، على نصره وتأييده، التفت إلى بعض جنده، وقال لهم: إلي برومانوس، وجيء برومانوس مشدود الوثاق مكبلاً بالأصفاد، فقال له ألب أرسلان: يا رومانوس، ألم أعرض عليك المال والأرض والممتلكات لتكف عن أذى الإسلام وحرمات المسلمين... ؟

قال رومانوس: بلى.

قال القائد المؤمن: فلم لم تقبل؟

قال رومانوس: ظننت أني سأقضي على جيشك، وأسحق دولتك.

قال القائد المؤمن: أما وقد أخزاك الله يا رومانوس، ما تظن أني فاعل بك... ؟

قال رومانوس: إن شئت فاقتلني، وإن شئت جرني بالسلاسل، وإن شئت تقبل فديتي وتعفو عني.

وأطرق القائد المسلم قليلاً ثم قال: يا رومانوس، أتعاهدني إن عفوت عنك ألا تقاتل بعد اليوم مسلماً أبداً؟

قال رومانوس وقد دمعت عيناه بعد أن أدرك أنه نجا من موت محقق: لك عهدي يا قائد المسلمين.

     وقام ألب أرسلان ففك قيود أسيره بيديه، وقال له: ستوصلك جنودي إلى مأمنك يا رومانوس، ولقد أمرت لك بخمسة عشر ألف دينار تستعين بها على وصولك، وحقق الله عز شأنه للمجاهدين المخلصين ما وعدهم بقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (النور: 55).

وهكذا نرى البطولة والانتصار يخدمان قضية الإسلام وهدف الدعوة إليه.

      ولا يقل عمل المصلحين الذين يصححون المفاهيم المنحرفة عن المجاهدين الذين يردون كيد الأعداء، ويحمون بيضة الدين، ويتساوى في الإسلام مداد العلماء ودم الشهداء، ولقد كان تاريخ الإسلام قائماً دائماً على القدرة المتجددة في أن يبعث البطل الذي يقود المعركة، ويواجه الأزمة، وكلما تجمعت التحديات في وجه المسلمين برز القائد العالم المجاهد الذي يحمل اللواء، ويقود الجماعة في معركة مقاومة، سلاحها المصحف والسيف، وكانت الأحداث والأزمات دائماً قادرة على أن تدفع المسلمين إلى الوحدة والتجمع تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» حتى يحقق الله عز شأنه لهم النصر.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة