أخبار سريعة
الإثنين 17 يونيو 2019

مقالات » وقفات حول مؤتمر جنيف 2

للكاتب: مالك فيصل الدندشي

نسخة للطباعة

 

 

انتهى مؤتمر جنيف2- بعد أن استمر عشرة أيام- ولم يتوصل المجتمعون إلى اتفاق ينهي الصراع القائم في سورية الذي أكل الأخضر واليابس. انتهى كما بدأ، مسرحية لها كل مقومات العمل المسرحي التي يعرفها كل من درس علم المسرح.

إن أول وقفة في هذا المؤتمر استوقفتني هي: عقده بعد شهور من الاجتماع الذي تم – أيضا – في جنيف1، وهذا الزمن الذي صار تاريخا بين اجتماعين خلف وراءه قتلا، ودمارا، وجوعا ومرضا و.. و..و..و..و..و..، ولو وقع جزء يسير لا يساوي شجرة أراك ولا أقول عودا على بلد سكانه ليسوا مسلمين! – لقامت دول الكفر وما قعدت حتى تخبت النار، وتعاقب الفاجر، ولكن الفاجعة حلت في ديار الشام، فالخطب هين عند هؤلاء!!.

فلو مات ابن آوى في فرنسا

                                                                               لقعقعت الصوارم في حماها

- الوقفة الثانية: يسجل للائتلاف موقف واحد – في نظري هذا إذا لم يكونوا قد أجبروا عليه!!- هو إحراج النظام في التوقيع على بنود مؤتمر جنيف رقم1، ثم إصرارهم على الاستمرار في المفاوضات، وهم يعلمون أن الآخرين ليسوا جادين فيها؛ إذ البراميل ما زال النظام يمطر بها المدن، وسياسة الأرض المحروقة ما تزال هي لغة النظام المفضلة، والصمت المطبق من العالم – إلا من رحم وقليل ماهم – على ما يجري في بلاد الشام وغيرها من بلاد المسلمين!

- الوقفة الثالثة: هي اشتداد لغة الظن والقذف والتخوين والاتهام، والتحارب، وعرض العضلات من الطرف الآخر، وهم المقاتلون السوريون ومن شايعهم، وأحسب أن الكثير منهم يملك الإخلاص والصدق، وإرادة التخلص من الظلم، وعودة الحق الذي قامت عليه الأرض والسماء لكن لا آمن عليهم من الأيادي الخفية، والمؤامرات الاستخباراتية، وتجار الحروب والمبادئ، وصيادي الذمم، وشراة الضمائر والعقائد، ومن الممثلين الذي يتقنون كل فن حيث – وهم تلاميذ بني صهيون والصليبية والباطنية – يحسنون فن التلون كالحرباء، ففي فن الرقص والغناء هم معلمون، وفي الدين هم منظرون، وفي الاقتصاد والإنفاق أسرع من الريح المرسلة! وكما يقول المصريون: هم (بتوع) كل شيء، أو كل جيل بطلعة مشينا، كما يقول السوريون.

- الوقفة الرابعة من هذا المؤتمر: هو نحن وقبل كتابة مقالي هذا، وكلما تصفحت وسائل التواصل الاجتماعي، والتقيت مع الناس، وشاهدت ما يعرض في القنوات، أو ما أسمعه من فلان وعلان ازداد يقينا أن المشكلة الأساسية هي نحن! ما زال بيننا وبين النصر بون شاسع، ولاشك أن بوارق أمل تلوح، ولكن لا بد لهذه البوارق من أن تتبلور وتكبر، وتتمثل في كيان وجسم يتحرك ليواصل الطريق على هدي من الله تعالى، وهدي رسوله[، ويكون المرجع في هذا التحرك أربعة: القرآن، والسنة، والعودة إلى سيرة السلف الصالح في القرون المفضلة الثلاثة، والتطبيق الجاد للإسلام، والأخذ بما ينفع في هذا العصر من علوم وسلاح، وفهم الواقع، ومعرفة العدو من الصديق.

- الوقفة الخامسة: الحذر كل الحذر من الأخذ عن أئمة الضلال، ومسوقي الفتاوى من غير دليل، أو من أحاديي الرأي في المسائل المختلف فيها، وحدثاء الأسنان، وخفاف الأحلام الذي يتكلمون باسم الدين بلا علم سوى ما حفظوه من الكتب دون الرجوع  إلى أهل العلم والحق والصلاح، والكثير منهم لا تعرفهم لا من وجوههم! ولا كتبهم، ولا علمائهم، وسيرتهم، يظهرون فجأة يحملون ألقابا وأسماء كبيرة، ثم يُنَظِّرْوَن للناس في قضايا أكبر منهم ومن غيرهم، وهم متعالمون مستكبرون، وفي تعصبهم لآرائهم متشددون، ولا تدري من يحركهم من الوراء، وقد يملكون إخلاصا منقوصا يحتاج إلى فهم وعلم وقدوة حسنة، ولربما هم أسنان صحاح في مسنن أخذ يتآكل، وله محور يُدِيْرُ ما صح وما مرض، ولا يعرفون أين يتجه بهم محورهم!.

- الوقفة السادسة هي: عندما تتصفح تعليقات المشتركين في وسائل التواصل تُحِسُّ أنك أمام جيل بينه وبين الدين حبال قوية، لكنك تفاجأ بأن التصريحات ليس وراءها عمل، ولذلك أقرر – من خلال هذه الوقفة - : أن نصرنا وتوفيق الله لنا لن يتحقق إلا إذا انخلعنا انخلاعا من كل لباس لا يصطبغ بصبغة الإسلام {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (البقرة:138).  وتلقينا منهج ربنا تلقيا جديا، وآية هذه الجدية هي أن يعيش الإسلام فينا، ويجري في عروقنا جريان الدم، وأن نستشعر بأنه الماء الذي يعيد لنا الحياة، والغذاء الذي يُمِدُّنا بالطاقة التي تحرك الدافعية النظيفة نحو الخير المشروع في مشاعرنا وأفكارنا، ووسائلنا وأهدافنا، واهتماماتنا، وأسلوب حياتنا ومعاشنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال:24).

     إن من يمعن النظر في حياتنا ليشعر أن محاربة العدو لنا هي كوننا من أهل السنة والجماعة ولكن – وللأسف الشديد – نحن في واد وتعاليم ربنا في واد آخر إلا من رحم الله، ولو أحسنا الظن بربنا، لأحسنا العمل. فهل نطلب النصر ممن يملكه دون أن نكون لدينه حافظين، ولأوامره منفذين، ولما نهى عنه تاركين.

     تنقصنا الجدية في التطبيق، وحمل النفس على ما يرضي خالقنا، ومحاربة الشهوة الخفية والجلية في تصرفاتنا، وينقصنا الوعي والإخلاص، والتربية الإيمانية والوحدة التي تجمع ولا تفرق، والتي تحرسها يقظة تامة تحول بيننا وبين حظوظ أنفسنا، واتخاذنا الأسباب المرضية التي بها نحقق النصر المبين.

- الوقفة الأخيرة: الوقفة العمرية، كان عمر رضي الله عنه يوصي الجيش المتوجه للقتال بتقوى الله، وأخذ الحذر من الولوج في المعاصي، فكان خوفه من المعصية أشد من خوفه من قوة العدو، وكان يقول: إذا استوينا مع عدونا بالمعاصي، فالغلبة لمن يملك العَدَد والعُدَدـ وإن ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ومشكلتنا في شبابنا وشاباتنا؛ حيث إنهم ليسوا على مستوى هموم الأمة وطموحها، فهم ما يزالون مروجا يرتع فيها أعداء الملة والدين، والكثير منهم ليس له من هم سوى إرضاء هواه!.

فكيف نُرجِّي النصرَ من غَـيْرِ أُهْبَةٍ

                                               تُطِيْـحُ  برأس الماكـِر  المتلاعب

وقبل استلالِ السيـف نحـو عدونا

                                               يكون استلالُ السيفِ صوبَ النوائب

فكيف ُنَرَجِّي النصرَ صِفْرا من الحِجَا

                                               وسُـمُّ الخطايا كالسيوفِ القواضب

وإن تنصروا الله الكريـمَ يُعِزَّكُمْ

                                               ويكفيكمو العِدا وســـــــوءَ العواقب

     فاللهَ اللهَ يا شباب الأمة وبناتها، فأنتم تقربون النصر بطاعتكم لربكم، وتؤخرونه بمعصيتكم له، وإن على علماء الأمة المخلصين – وإن كانوا قلة – دورا مهما في حث الناس على فعل الخير وبيان الزيغ من الحق، وتربية الناس على دين الله الحق، وحينئذ ليأتين جيل يزيح الجبال بإيمانه، كما قال ملك الصين في صدر القرن الأول. لا أمل إلا بالله، ولا رجاء إلا به، ولا مخرج من ورطتنا إلا بمعونته قَبِلَ من قبل ورفض من رفض، وإن خيل الله آتية، وشمس الإسلام ساطعة وإن غدا لناظره قريب. المستقبل لرسالة الله التي حَمَّلها ربنا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وصبروا، وصابروا ورابطوا، واتقوا الله ليفلحوا.

     أنا أعلم أن دعاة التفرنج، والحرية الطليقة من القيود، والعلمنة لا يروقهم مثل هذا الكلام، يريدون  منا أن نكون مطية لمذاهبهم، نصف قرن آخر حتى نستيقن أن خلاصنا مما نحن فيه في صدق التوجه والتلقي عن الله تعالى، ثم التنفيذ، وإن مؤتمر جنيف الأول والثاني ليشير بوضوح إلى أن المستهدف من هذه الهجمة هم أهل السنة والجماعة لا غير. 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة