أخبار سريعة
الخميس 23 نوفمبر 2017

مقالات » مُثُــــل علـيـا في السلـوك الإداري

للكاتب: الخضري عبد المنعم علي السيد

نسخة للطباعة

مُثُــــل علـيـا في السلـوك الإداري

كان العرب في عهدالفاروق أمة مطواعة، إذا أمرت ائتمرت وإذا نهيت انتهت؛ لما تعلمته من الآداب الإسلامية والأخلاق النبوية

لا يحل لوال أن يتجر في سلطانه « أي في نطاق اختصاصه الوظيفي، ثم انظر رأس مالك ورزقك أي راتبك فخذه واجعل ماعدا ذلك في بيت المال

 

عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم، فأرفق به»(رواه مسلم).

كان للسلوك الإداري في العهد الأول للحكم الإسلامي أثر عظيم في إقامة الدولة على أساس متين يشد بعضه بعضا، وأهم ما كان يتميز به السهر على مصالح الأمة، ورعاية العدل بين أبنائها، والقضاء على أسباب الفساد، لا فرق بين شريف ووضيع، وسرعة البت في الأمور حتى لا يستعصي علاجها بتواليها من غير حسم، والتحرر من الأثرة وحب الذات.

كان ذلك تطبيقا أمنيا لقوله تعالي: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل:90).

وقوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} (المائدة:8)، وقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 3)، إلى غير ذلك من النصوص التي توجب العدل والإحسان، والمساواة بين أصحاب الحقوق في القضاء والعطاء والقصاص وصدق الكلمة والوفاء بالمعهد.

الرسول صلى الله عليه وسلم  يوزع المسؤوليات على ذويها

     الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوزع المسؤوليات على ذويها، ويحذرهم من التفريط فيها، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، وتراه يسوي بين الحاكم والمحكوم والشريف والوضيع في تنفيذ حدود الله.

     عن عائشة - رضي الله عنها - أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أتشفع في حد من حدود الله؟!» ثم قام فاختطب، ثم قال: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»(متفق عليه).

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - يصوِِّر مسؤولية الحاكم:

     قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - مصوراً مسؤولية الحاكم في أمته: «إنما مثل العرب كمثل جمل أنف أتبع قائده، فلينظر قائده أين يقود؟ أما أنا فورب الكعبة لأحملكنم على الطريق والجمل، والأنف هو الذي اشتكى من الحلقة التي أدخلت فيه لإخضاعه في القيادة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  مشبهاً المؤمن به: «المؤمن كالجمل الأنف كلما قيد انقاد»، وذلك للوجع الذي به، فهو ذلول منقاد.

     وهكذا كان العرب في عهده أمة مطواعة، إذا أمرت ائتمرت وإذا نهيت انتهت؛ لما تعلمته من الآداب الإسلامية والأخلاق النبوية، وبما تركته فيهم عملية الزجر والردع من أبي بكر -رضي الله عنه - للمرتدين ومانعي الزكاة بعد الهزة الكبرى التي أصابت المسلمين لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمقصود من كلام الفارق - رضي الله عنه -، أن قائد الأمة المطيعة مسؤول أعظم مسؤولية عن سلامة أمته ورخائها وطمأنينتها على مستقبلها، فعليه أن يسوسها برفق، وأن يقودها إلى سبيل الأمن والعزة والكرامة، والطمأنينة على مصالحها، بما يعد لها من أسباب القوة والمنعة التي ترهب العدو وتردعه، وتضمن لها السلامة من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، ومسؤول عمن يختارهم لها من الحكام القادرين الصابرين المستيقظين الحريصين على مصالحها، الباطشين بمن يعبث بها، ولم يكتف أمير المؤمنين بذلك، بل أقسم على أن يحمل الأمة العربية على الطريق الأقوى الذي لا عوج فيه، ولا عثرات يصعب التغلب عليها، وقد بر بقسمة -رضي الله عنه - فقد قاد الأمة فأطاعته وأخلصت له، وتوسعت جيوشها في عهده في الفتوحات شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حتى اتسعت رقعة البلاد المستظلة بظل الإسلام، الناعمة بأمنه وسلامه، الناطقة بوجدانية الرحمن الرحيم، المؤمنة بشرعية القرآن السالكة منهاجه المستقيم، كذلك يفعل القائد لأمته العظيمة.

إسناد الوظائف الإدارية:

     وهو ما يعبر عنه بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب: «وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لا يسند الوظائف الإدارية، على اختلاف مستوياتها وتخصصاتها إلا لمن تثبت قدراتهم الإدارية، وملكاتهم الذهنية وخبراتهم المكتسبة، وصفاتهم الأخلاقية حتى يتسنى لهم النهوض بما يناط بهم من الأعمال. وكان ينهى عن إسناد هذه المناصب إلى من يشك في قدرتهم من الرجال، ويروى أن رجلا سأله، متى تقوم الساعة فقال له: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر لغير أهله، فانتظر الساعة».

     كما نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ العواطف والروابط الشخصية، معياراً للاستحقاق في شغل المناصب فقال: عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من استعمل رجلا من عصابة (أي اختار رجلا لعمل عام أو شارك في اختياره) وفيهم من هو أرضي لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» (الجامع الصغير: ج 2 ص 278).

     وطلب أبو ذر الغفاري من الرسول صلى الله عليه وسلم يوما أن يعينه واليا على إحدى الولايات، فوجده الرسول -صلى الله عليه وسلم - غير مستوف للشروط الخاصة بهذه الولاية أو أن هناك من هو أحق منه بها فأبى عليه ذلك. وقال له: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» (رواه مسلم).

ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه  - في معيار الاختيار لشعل المناصب، أو للترقي إلى المناصب الأعلى: «الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه»؛ كما يقول الإمام علي -رضي الله عنه -: «قيمة كل امرئ ما يحسن».

ويرى الماوردي في كتاب (أدب الوزير) أن نجاح العمل الإداري لا يتوقف على كثرة من يعهد إليهم بأدائه، بل يتوقف على صلاحية من يختار لهذا الأداء فيقول: «إن رجاء أي نجاح- الأعمال ليس بكثرة الأعوان، ولكن بصالحي الإخوان».

     ثم يقول: «الوجه الذي يستقيم تدبير الوزير في أمرهم- بقصد عماله- من قد عرف أن له من الرأي والقوة، ما يحتاج إليه، إلى أن يقول: «اقتصر من الأعوان بحسب حاجتك إليهم، ولا تستكثر منهم لتكثر بهم، فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل، أو ارتفاق يتشاكل به العمل، وليكن أعوانك وفق عملك؛ فإنه أنظم للشمل، وأجمع للعمل، وأبعث على النصح» ويطابق ذلك القول مبدأ من المبادئ في الإدارة، ويقصد به تقدير احتياجات الأجهزة الإدارية من العاملين على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم الوظيفية في ضوء القياس العملي لحجم العمل في الجهاز، ومعدلات الأداء.

ضغط الإنفاق وعدم الإسراف

     حرص الخلفاء وغيرهم من الحكام المسلمين على تجنب الإسراف في الإنفاق من مال الدولة، حتى إن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، كان يحث على الكتابة بأقلام دقيقة، لتصغير المساحات التي تشغلها الكتابة، للاقتصاد فيما يستهلك من صحائف الكتابة ومن المداد، فقد كتب إلى عماله بقوله: «إذا كتبتم فأرقوا الأقلام، وأقلوا الكلام، واقتصروا على المعاني، وقاربوا بين الحروف، واكتفوا من القراطيس أي صحائف الكتابة- بالقليل».

وحدث أن قيل له: «ما بال هذه الطوامير وهو نوع فسيح من صحائف الكتابة- التي تكتب بالقلم الجليل ويمد فيها وهي من بيت المال المسلمين»؟! فكتب إلى العمال: «لا تكتبوا في طومار، ولا يمد فيه». وكان جعفر بن يحيي - رضي الله عنه - يقول لكتابه: «إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا».

     وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يأخذ من بيت المال إلا قوته وقوت عياله، وكسوته وكسوتهم للشتاء والصيف، ودابتين لجهاده وحوائجه وصلاته وحجه، هذا بالنسبة لنفسه، أما عماله، فكان يرى أن الراتب حق لكل منهم، يأخذه لو كان غنيا، ثم يتصدق به إذا شاء، وكان يرزق العامل منهم بحسب حاجته، والبلد الذي يعيش فيه، وقد شرح الماوردي تقدير العطاء للجند بقوله: «إن تقدير العطاء يُعد بالكفاية، أي بما يكفي الشخص جميع طلباته... وأن الكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: أحدها عدد من يعول من الذراري والمماليك، والثاني عدد ما يرتبطه من الخيل والدواب، والثالث الموضع الذي يحله من حيث الغلا والرخص».

المحاسبة على الكسب غير المشروع

     كان النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على عماله، ويحاسبهم على ما جمعوه من زكاة وغيرها، وما أنفقوه، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم - بعث واليا على صدقات الأزد، فلما جاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أمسك بعض ما معه وقال: هذا لكم وهذا لي هدية، فقال صلى الله عليه وسلم : «إلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا، ثم قال: «ما لي أستعمل الرجل منكم» فيقول: «هذا لكم وهذا لي هدية؟ ألا جلس في بيت أمه ليهدى له؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حق إلا أتى الله يحمله، فلا يأتين أحدكم ببعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر (تصيح) ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت» هذا منهاج من مناهج الحق والعدل التي سارت عليها الدولة الإسلامية في فجر نشأتها، فعز بها شأنها، وانتظم كل شيء فيها، وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يقبل من بعض عماله، دعواهم أنهم ربحوا من التجارة، وقال لهم: «إنا بعثناكم ولاة، ولم نبعثكم تجاراً».

     وعلم أن عمرو بن العاص -رضي الله عنه - عامله على مصر كثرت أمواله ومتاعه وعبيده وخيله، ولم تكن له تلك الثروة حين ولاه مصر، فسأل عن ذلك فذكر أن ثروته من التجارة بمصر، فلم يقتنع عمر -رضي الله عنه  -، وأودع ما زاد من ماله في بيت المال، ومر ببناء يبنى بحجارة وجص في المدينة فسأل: لمن هذا؟ فذكروا له أبا هريرة -رضي الله عنه - عامله على البحرين، فلما ناقشه في مصدر ثروته، قال: إن خيله تناسلت، وسهامه تلاحقت، وأنه اتجر، فقال له: لا يحل لوال أن يتجر في سلطانه « أي في نطاق اختصاصه الوظيفي، ثم قال له: «انظر رأس مالك ورزقك أي راتبك فخذه واجعل ماعدا ذلك في بيت المال» وكذلك فعل مع عماله في ولايات أخرى.

فمتى نعود إلي ينابيع ديننا الحنيف لنرتوي منها ونقوى بها على أعدائنا؟

المراجع

1- الأحكام السلطانية للماوردي.

2- مجلة منار الإسلام الإماراتية العدد 76.

أضف تعليقك

التعليقات

ا د الفضيل بن عربية

الحمد لله على نعمة الاسلام الدى جاء بمنهج كامل شامل جشكر الله لكم ايها الكاتب المحترم


أ.د :-محمود عبد الفضيل

جزواكم الله خيرا على هذا المقال الرائع جعله الله ف ميزان حسناتكم


ا د محمود الفصل مصطفى

جزاكم اللة خيرا ما اعظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ا د محمد متولى مصطفى

اسال اللة ان يجزيكم خيرا على هدا المقال الرائع الدى يبين عظم السلوك الادارى فى الاسلام


ابراهيم عبد السلام ابراهيم

حمى الله الاسلام ومصر وجعلها فى ميزان حسناتكم


ابراهيم عبد السلام ابراهيم

حمى الله الاسلام ومصر وجعلها فى ميزان حسناتكم


ابراهيم عبد السلام ابراهيم

حمى الله الاسلام ومصر وجعلها فى ميزان حسناتكم


©2015 جميع الحقوق محفوظة