أخبار سريعة
الإثنين 20 نوفمبر 2017

مقالات » فـقه الدعوة (14)مراعاة مقاصد الشـريعة الكليــة والجزئية

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

فـقه الدعوة (14)مراعاة مقاصد الشـريعة الكليــة والجزئية

 


تحدثنا  في الحلقة السابقة عن قاعدة لا واجب بلا اقتدار ولا محرم مع الاضطرار، وقلنا: إن هذه القاعدة تتعلق بجميع التكاليف الدينية ومن جملتها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها من أجل التكاليف الشرعية وأفضل القربات الدينية.

 

القاعدة الرابعة - مراعاة مقاصد الشريعة الكلية والجزئية:

     هذه القاعدة من القواعد الكلية التي يحتاج إليها المجتهد وطالب العلم لضبط مناهج الاستدلال والبعد عن مواطن الزلل في الاجتهاد والنظر, كذلك لا يستغني عنها الدعاة إلى الله عز وجل لضبط سبل الدعوة وفق المقاصد الشرعية وحفظها من الشطط والغلو أو التفريط والتقصير.

وقد ذكر الفقهاء المعاصرون تعريفات كثيرة للمقاصد الشرعية, منها:

     تعريف الطاهر بن عاشور للمقاصد العامة: «المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها, بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة, فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها, ويدخل في هذا أيضا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة «.

     وأما تعريف المقاصد الخاصة عنده فهي: «الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة, ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس, مثل قصد التوثق في عقد الرهن وإقامة المنزل والعائلة في عقد النكاح».

      وعرفها د. نور الدين الخادمي بأنها: «المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني حكما جزئيا أو مصالح كلية أو سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين».

     وعرفها د. يوسف البدوي بأنها: «الحكم التي أرادها الله من أوامره ونواهيه لتحقيق عبوديته وإصلاح العباد في المعاش والمعاد».

     فعلم المقاصد الشرعية يتناول حكم الأحكام وأسرار التشريع وغايات الدين ومقاصد الشرع ومقصود المكلف ونيته.

     وقد أولى العلماء المقاصد الشرعية عناية كبيرة؛ لما لها من شأن عظيم في حسن الفهم عن الله عز وجل ورسوله [ ومن ثم حسن الامتثال للتكاليف الشرعية، وإيقاعها على الوجه المطلوب شرعا, فينال العبد ما أمله من الأجر والثواب والقبول عند الله تعالى, ويسلم من مغبة التقصير والتفريط والانحراف في تحقيق العبودية, ويأمن من المخالفات المحظورة والبدع المذمومة.

      يقول ابن تيمية: «جماع الخير أن يستعين بالله عز وجل في تلقي العلم المأثور عن النبي [ فإنه هو المستحق أن يسمى علما...، ولتكن همته فهم مقاصد الرسول [ في أمره ونهيه وسائر كلامه, فإذا اطمأن أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك».

ويقول أيضا: «العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم, وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد..».

     ويقول ابن القيم: «وينبغي أن يفهم عن الرسول [ مراده من غير غلو ولا تقصير, فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله, ولا يقصر به مراده وما قصده من الهدى والبيان, وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام, بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع, ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد من التابع فيا محنة الدين وأهله, والله المستعان».

ويقول الشاطبي:» إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها, والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها».

     وقال: «فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه مقصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها, فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي[ في التعليم والفتيا والحكم بما أنزل الله».

     ويقول: «وأكثر ما تكون - أي زلة العالم - عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه».

وتنقسم المقاصد الشرعية إلى أقسام عديدة وذلك بحسب اعتبارات مختلفة منها:

التقسيم الأول - باعتبار محل صدورها:

     القسم الأول - مقاصد الشارع: وهي المقاصد التي قصدها الشارع من أمره ونهيه, وهي الغايات الحميدة والحكم الجليلة التي أرادها الله عز وجل وهي جلب المصالح ودرء المفاسد في الدارين.

وقد قسمها الشاطبي إلى أربعة أنواع وهي:

     النوع الأول: قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء, النوع الثاني: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام, النوع الثالث: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها, النوع الرابع: قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.

     القسم الثاني - مقاصد المكلف: وهي الأهداف التي يقصدها المكلف من تصرفاته, وهي التي تميز القصد الصحيح من الفاسد, والعبادة من العادة.

التقسيم الثاني - باعتبار وقتها:

     المقاصد الأخروية: وهي ما يرجع إلى تحصيل مصالح أخروية من دخول الجنة والنجاة من النار ولا يمنع ذلك أن تؤدي إلى مصالح دنيوية كالتعارف في الحج, والانتهاء عن الفحشاء والمنكر في الصلاة والتكافل في الزكاة ونحو ذلك

المقاصد الدنيوية: وهي التي ترجع إلى تحصيل مصالح دنيوية أو دفع مفاسد كذلك.

التقسيم الثالث - باعتبار تعلقها بعموم التشريع وخصوصه:

المقاصد العامة: وهي التي تراعيها الشريعة في كل الأحكام أو أغلبها.

المقاصد الخاصة: وهي التي تهدف الشريعة إلى تحقيقها في باب معين أو أبواب متقاربة مثل مقاصد أحكام الأسرة ومقاصد التصرفات المالية ونحوها.

المقاصد الجزئية: وهي الحكم التي راعاها الشارع عند كل حكم من أحكامه المتعلقة بالجزئيات.

التقسيم الرابع - باعتبار القطع والظن:

المقاصد القطعية: وهي التي قامت الأدلة على إثباتها كالتيسير وإقامة العدل والضروريات الخمس.

المقاصد الظنية: وهي التي تختلف الأنظار فيها, مثل توريث مطلقة مريض مرض الموت, وضرب المتهم للإقرار ونحو ذلك.

المقاصد الموهومة: وهي التي يتوهم أن فيها مصلحة أو دفع مفسدة والواقع بخلافه.

التقسيم الخامس - باعتبار تعلقها بعموم الأمة وأفرادها:

مقاصد كلية: وهي ما يتعلق بالخلق كافة وعموم الأمة، مثل إقامة العدل.

مقاصد أغلبية: وهي التي تتعلق بأغلب الخلق وتدفع الفساد عن معظمهم كالتطبيب.

مقاصد فردية: وهي العائدة على فرد معين وربما في حالات نادرة, مثل مصلحة فسخ نكاح زوجة المفقود, وتوريث المطلقة ثلاثا في مرض الموت.

التقسيم السادس - باعتبار أصليتها وتبعيتها:

مقاصد أصلية: وهي التي يراد تحقيقها ورعايتها أصالة وابتداء.

مقاصد تابعة: وهي التي تكون تابعة للمقاصد الأصلية ووسيلة إليها

التقسيم السابع - باعتبار مدى الحاجة إليها وقوتها وتأثيرها:

القسم الأول - الضروريات: وهي التي لابد منها في قيام مصالح الدارين, وهي الكليات الخمس: «الدين والنفس والعقل والنسل والمال».

القسم الثاني- الحاجيات: وهي التي يحتاج إليها للتوسعة ورفع الضيق والحرج, كالترخص وتناول الطيبات والتوسع في المعاملات المشروعة.

القسم الثالث - التحسينيات: وهي التي تتعلق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق, والتي لا يؤدي تركها غالبا إلى الضيق والمشقة.

     ومن خلال هذا العرض الموجز للمقاصد الشرعية يظهر مدى سعة هذا الباب ودقة مباحثه وكثرة مسائله؛ لذا أفرد كثير من الفقهاء المعاصرين هذا النوع من العلم بمصنفات مفيدة وكتب قيمة, فحري بالدعاة إلى الله التفقه في هذا الباب للوقوف على المقاصد الشرعية العامة والخاصة فلا يهملوها أو يتجاوزوها, ومعرفة أقسامها ومراتبها للترجيح بينها عند التعارض وتقديم أولاها وأرجحها؛ فلا يقدم الداعي ما حقه التأخير ولا يؤخر ما حقه التقديم, كما أنه يحرص على أن يكون مقصده من دعوته موافقا للمقاصد العامة والخاصة, فكل مقصد يخالف المقصد الشرعي باطل غير مقبول, يقول الشاطبي في (الموافقات): «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع...فالمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه, يجري أحكامه ومقاصده مجاريها» اهـ, ثم قال: «كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل; فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل».

     فبعض المناهج الدعوية انحرفت وزاغت بسبب جهلها أو إهمالها للمقاصد الشرعية، فأتت بأعمال تهدم أصول الشريعة ومبادئها وتجعلها متناقضة متعارضة أمام غير المسلمين بسبب إهمال هذه القاعدة المهمة; مما يجعل دراستها وتطبيقها من أولى المهمات, والله المستعان.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة