أخبار سريعة
الأحد 19 نوفمبر 2017

مقالات » شبه القبوريين والرد عليها (5 - 5)

للكاتب: فيصل بن قزار الجاسم

نسخة للطباعة

شبه القبوريين والرد عليها (5 - 5)

 


ذكرنا في الحلقة السابقة بعض شبه القبوريين التي يبنون عليها القصص والحكايات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، واستدلالهم ببعض الآيات والأحاديث الصحيحة بطريقة غير صحيحة استناداً إلى أهوائهم ، وقد تم الرد على بعض شبههم في الحلقه السابقة وسنستعرض بعضاً منها والرد عليها في هذه الحلقة.

الشبهة الحادية عشرة

     استدلالهم على حياة النبي [ بما رواه البخاري في (صحيحه) أن النبي [ قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة». وأنه يمكن أن يُرى، ويروون بعض الحكايات المكذوبة عن أناس رأوه.

والجواب عن هذه الشبهة وبيان زيفها من وجوه:

الأول: أن هذا الحديث على سبيل التشبيه والتمثيل، أي: من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة، أي: بصورتي الحقيقية؛ لأن الشيطان لا يتمثل به [.

وقد رواه مسلم وغيره بلفظ: «فسيراني في اليقظة، أو فكأنما رآني في اليقظة» على الشك. وأما رواية الجزم «فسيراني في اليقظة»، فهي شاذة غير محفوظة.

      ودليل ذلك أن حديث رؤية النبي [ في المنام قد رواه عنه أربعة عشر صحابيا: أبو قتادة، وابن مسعود، وأبو جحيفة، وأنس، وأبو سعيد، وأبو بكرة، وجابر، وابن عباس، وحذيفة، وطارق بن أشيم، وأبو هريرة، والبراء بن عازب، وعبدالله بن عمرو، ومالك بن عبدالله الغثمي، رضي الله عنهم.

      واتفقوا كلهم على لفظ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي»، أو قريبا منه، مثل «فقد رأى الحق».

     واختلف على أبي هريرة ]، فرواه عنه خمسة من أصحابه: أربعة منهم رووه عنه بلفظ الجماعة: «فقد رآني»، وهم: محمد بن سيرين، وكليب الجرمي، وعبدالرحمن مولى الحرقة، وأبو صالح.

     واختلف على أبي سلمة عنه، فرواه عنه محمد بن عمرو، بلفظ: «فقد رأى الحق»، موافقا للجماعة.

      ورواه عنه الزهري، واختلف عليه، فرواه عنه أربعة من أصحابه: يونس، وعقيل، والزبيدي، وابن أخي الزهري:

     اتفقت رواية عقيل، والزبيدي، وابن أخي الزهري، عنه بلفظ: «فسيراني في اليقظة، أو فكأنما رآني في اليقظة».

     واختلف على يونس، فرواه عنه ابن وهب، بلفظ الجماعة عن الزهري: «فسيراني في اليقظة، أو فكأنما رآني في اليقظة».

ورواه أنس بن عياض، عنه عن الزهري بلفظ: «فقد رأى الحق».

       وخالفهما ابن المبارك، فرواه عنه بلفظ الجزم: «فسيراني في اليقظة»، وهذا هو الطريق الوحيد من بين كل الروايات والأحاديث السابقة التي جاءت بلفظ الجزم.

      فتبيَّن بما لا يدع مجالا للشك أن لفظ: «فسيراني في اليقظة» غير محفوظ؛ لأنه من رواية ابن المبارك عن يونس عن الزهري، مخالفا لأصحاب يونس عن الزهري، ومخالفا لأصحاب الزهري عن أبي سلمة، ومخالفا لأصحاب أبي سلمة عن أبي هريرة، ومخالفا لأصحاب أبي هريرة ] عن النبي [ ، ومخالفا لأصحاب النبي [ عنهم.

الثاني: أن العلماء مختلفون في تفسيره على أقوال:

منها: أنه على سبيل التمثيل والتشبيه.

ومنها: أن معناه: سيرى في اليقظة تأويلها.

ومنها: أنه خاص بأهل عصره.

ومنها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية.

ومنها: أنه يراه في المرآة، وهو أبعدها.

الثالث: أنه لو كان معناه الرؤية الحقيقية في الدنيا ومخاطبته، لاستلزم بقاء الصحبة له بعد موته، وهذا من أبطل الباطل.

الرابع: أنه لو كان معناه ما ذكروا، لكان أولى الناس به وأكثرهم رؤية له: الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام، ولم يثبت عن أحد منهم قط أنه رآه في اليقظة، ولا أخبر بذلك، ولا فهمه من الحديث منهم أحد؛ مما يدل على بطلان ما استدلوا به.

الشبهة الثانية عشرة

     استدلالهم على جواز دعاء الأموات والغائبين بما رواه أبو يعلى والطبراني وابن السني، عن ابن مسعود ]: أن النبي [ قال: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يا عباد الله احبسوا؛ فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم».

والجواب عنها من وجوه:

أولها - أن الحديث لا يصح؛ لأن مداره على معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، كما قال ابن عدي.

وله شاهد ضعيف من حديث عتبة بن غزوان ]، وفيه ثلاث علل:

الأولى والثانية: فيه راويان ضعيفان، هما عبدالرحمن بن شريك، قال عنه أبو حاتم: «واهي الحديث»، ووالده شريك القاضي، قال عنه ابن حجر في (التقريب): «صدوق يخطئ كثيرا».

والعلة الثالثة: الانقطاع. فالحديث لا يقوى بهذا الشاهد، مع كونه في أصله منكرا بتفرد الضعيف، فلا يصلح أن يطلب له شاهد يقويه.

الثاني - أنه ليس فيه دلالة على ما ذكروا؛ لأنه نداء حاضر، إما مسلمو الجن وأما الملائكة الموكلون، ولذلك قال: «فإن لله في الأرض حاضرا»، مما يدل على أنه نداء حاضر موجود يسمع النداء، لا نداء ميت ولا غائب.

الثالث - أن الحديث ليس فيه تسمية المنادى بل هو عام، فمن استدل به على نداء شخص معين باسمه، فقد كذب على رسول الله [.

الرابع - أنه خاص بانفلات الدابة في الفلاة، لا في كل وقت وحين ولكل من شاء؛ ولذلك لم يقل أحد - من الصحابة ولا التابعين ولا أحد من الأئمة قط - إنه يجوز الاستغاثة بالأموات والغائبين استدلالا بهذا الحديث لو صح، وهذا يستلزم بطلان ما استدلوا به عليه.

الشبهة الثالثة عشرة

استدلالهم بما روي: «أن أهل المدينة شكوا إلى عائشة رضي الله عنها القحط، فأمرتهم أن يعملوا من قبره كوة إلى السقف حتى لا يكون بينه وبين السماء حائل، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، وتفتقت شحما، وسُمي عام الفتيق».

والجواب عنها من وجوه:

أولها - أنه حديث ضعيف، ففيه علتان:

أولاهما: سعيد بن زيد، وقد ضعفه الحفاظ، فقال فيه يحيى بن سعيد: «ضعيف»، وقال النسائي: «ليس بالقوي»، واختصر ابن حجر حاله فقال - كما في (التقريب) -: «صدوق له أوهام»، وهذا فيما إذا لم ينفرد، فإن تفرد من هذا حاله فلا يقبل كما هو الحال في هذه القصة.

والثانية: أبو النعمان الملقب بعارم، وهو ثقة قد اختلط في آخر عمره، والحكم في المختلطين أنه لا يقبل حديثهم إلا ممن روى عنهم قبل الاختلاط، والراوي عنه في هذا الحديث هو الحافظ الدارمي، وهو ممن لا يعلم: هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده، وعلى هذا فيتوقف في تصحيح روايته عنه.

الثاني - أن الثابت عن الصحابة رضي الله عنهم، أنهم كانوا إذا قحطوا واستسقوا، دعوا الله إما في المسجد وأما في الصحراء.

الثالث: أن سقف عائشة رضي الله عنها منه ما كان مكشوفا غير مسقوف، كما في الحديث المتفق عليه، عنها: «أن النبي [ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد»، وهذا يدل على أن بعض سقف بيتها كان مكشوفا تدخل منه الشمس، وكان كذلك مدة حياة عائشة، فكيف يحتاج إلى كوة إلى السماء؛ وهذا يدل على بطلان القصة.

الرابع - أن هذا الفعل ليس حجة في محل النزاع، سواء كان مشروعا أم لم يكن؛ فإن هذا استنزال الغيث على قبره، والله تعالى ينزل رحمته على قبور أنبيائه وعباده الصالحين، وليس في هذا سؤالهم بعد موتهم ولا طلب ولا استغاثة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة