أخبار سريعة
الخميس 24 اكتوبر 2019

مقالات » الكرم والجود خلق من أخلاق الإسلام

للكاتب: صلاح عبد الموجود

نسخة للطباعة

الكرم والجود خلق من أخلاق الإسلام

 

 

 

 

 

في زحمة من المتغيرات الواقعة في بعض المجتمعات الإسلامية بدأت بعض الأخلاق والآداب الشرعية تندثر وتذوب، حتى صارت هذه القيم مما يتندر به في هذا الزمان, ومن هذه الأخلاق والآداب: «الكرم والجود» الذي كان يتندر به العرب قبل الإسلام, فجاء الإسلامُ وأصّله وعظّمه.

فالكرم والجود خلق عظيم، وهو من أَجَلّ ما يتصف به العبد، وقد حثت نصوص الكتاب والسنة على الاتصاف به:

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}، وقال تَعَالَى:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}، وقال تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ}.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لا حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا». ومعناه: يَنْبَغي ألاَ يُغبَطَ أحَدٌ إِلاَّ عَلَى إحْدَى هَاتَيْنِ الخَصْلَتَيْن.

     وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:  «أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: «فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ » . وعن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ ]:أنَّ  رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». وعن جابرٍ رضي الله عنه، قَالَ: «مَا سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شَيْئاً قَطُّ، فقالَ: لا».

    وعن أَبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزلانِ، فَيَقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً». وعنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى: «أنفِق يَابْنَ آدَمَ يُنْفَقْ عَلَيْكَ». وعن عبد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أنَّ رَجُلاً سَألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» .

وعنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرْبَعُونَ خَصْلَةً: أعْلاهَا مَنِيحةُ العَنْزِ, مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ ثَوَابهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلاَّ أدْخَلَهُ الله تَعَالَى بِهَا الجَنَّةَ».

وعن أَبي أُمَامَة صُدّيِّ بن عَجْلانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَابْنَ آدَمَ، إنَّكَ أن تَبْذُلَ الفَضلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأن تُمْسِكَه شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى». وهناك قصص من سير السلف تبيّن فضل الجود والكرم، وأن هذا يعظم حسن الذكر والقبول عند الناس،  ومنها:

- كتب الواقدي إلى المأمون رقعة بين فيها غلبة الدين عليه، فوقع في ظهرها: أنت رجل فيك خلتان: السخاء، والحياء، فأما السخاء: فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء: فقد بلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنا لم نصب إرادتك فجنايتك على نفسك، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير: «يا زبير! إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر، كثر له، ومن قلل، قلل عليه» .

قال الواقدي:  وكنت أُنسيت هذا الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إليَّ من صلته.

- ومن أخبار حاتم الطائي: أغار قوم على طيىء، فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى عشيرته، ولقي القوم فهزمهم وتبعهم، فقال رئيسهم: يا حاتم هب لي رمحك، فرمى به إليه، فاستمر الرجل ولم ينعطف، فقيل لحاتم: عرضت قومك للاستئصال، لو عطف عليك وأنت الرأس! فقال: قد علمت أنه التلف، ولكن ما جواب من يقول: هب لي؟

- وكان ابن المبارك يقول: سخاء النفس عما في أيدي الناس أعظم من سخاء النفس بالبذل.

- قال جعفر الصادق: إن لله وجوهًا من خلقه، خلقهم لقضاء حوائج عباده، يرون الجود مجدًا، والإفضال مغنمًا، والله يحب مكارم الأخلاق.

وعنه: ما أنعم الله على عبد نعمة فلم يحتمل مؤونة الناس إلا عرض تلك النعمة للزوال.

وكان الزهري -رحمه الله- من أسخى الناس، كان يعطي ما عنده حتى لا يبقى له شيء، فيستلف من أصحابه حتى ينزفهم، ويستلف من عبيده ويقول لأحدهم: يا فلان أسلفني وأضعف لك ذلك، وإن جاءه سائل وما عنده شيء تغير وجهه وقال: يا فلان أبشر فسوف يأتي الله بخير.

وعن وهب بن منبه: اتخذوا اليد عند المساكين؛ فإن لهم يوم القيامة دولة.

     ومر محمد بن واسع بأسود عند حائط يحفظه، وبين يديه كلب يأكل لقمة ويطعمه لقمة، فقال له: إنك تضر بنفسك، فقال: يا شيخ، عينه بحذاء عيني أستحي أن آكل ولا أطعمه، فاستحسن منه ذلك، فاشتراه واشترى الحائط، وأعتقه ووهب له الحائط. فقال: إن كان لي فهو سبيل الله، فاستعظم ذلك منه، فقال:  يجود هو وأبخل أنا؟ لا كان هذا أبداً.

ولما غسل علي بن الحسين بن علي رأوا على ظهره مجولاً فلم يدروا ما هو، فقال مولى له: كان يحمل على ظهره إلى أهل البيوتات المستورين الطعام، فأقول له: دعني أكفك، فيقول: لا أحب أن يتولى ذلك غيري.

ومن النوادر في الجود والسخاء: كان هرم ابن سنان آلى على نفسه ألا يسلّم عليه زهير إلا أعطاه، فقلّ مال هرم فأبقى عليه زهير، فكان يمر بالنادي، وفيه هرم، فيقول: أنعموا صباحاً ما خلا هرماً وخير القوم تركت.

     وأتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال له الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك أن يُعطى ألفاً وألفين، فقال: يا حسن، إن لكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله لإنسان على يدك خيراً فلا تعترض فيه.

وكان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري أجود قريش في زمانه، فقالت له امرأته: ما رأيت قوماً ألْأَم من إخوانك، قال لها: لِمَ؟ قالت: أراهم إذا أيسرت أتوك، وإن أعسرت تركوك، قال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوة عليهم، ويتركوننا في حال العجز عنهم.

     ولما قُتل جعفر بن يحيى قال أبو نواس: مضى والله الكرم والجود والأدب والعقل، فقيل له: ويحك! تهجوه في حياته وتمدحه في مماته؟ فقال: ذاك والله لجهلي، وشقاء جدي, وركوبي هواي، أيكون في الدنيا أكرم من جعفر؟! وحَدث أن رجلاً شيخاً أتى سعيد بن سلم وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع زج عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوّه لذلك، وما نهاه، فلما فارقه قيل له: كيف صبرت منه على هذا؟ قال: خفت أن يعلم جنايته فينقطع عن ذكر حاجته. ومرَّ عبد العزيز بن مروان بـ((مصر)) فسمع امرأةً تصيح بابنها يا عبد العزيز، فوقف فقال: من المسمى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار، قال: فما ولد في أيامه مولود بمصر إلا سمي عبد العزيز.

ومرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ عواده، فقال لمولى له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدَّين عليهم، قال: بادر فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم عليه.

وكان عبد الله بن جدعان حين كبر أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يُعطي شيئاً من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه قال له: ادن مني. فإذا دنا منه لطمه، ثم قال: اذهب فاطلب بلطمتك أو تُرضى, فترضيه بنو تيم من ماله، وفيه يقول الشاعر:

والذي إن أشار نحوك لطما

تبع اللطم نائل وعطاء 

وأخيرًا قالوا: حد السّخي أن يُعطي ما يحتاج إليه في الوقت الذي يحتاج إليه.

فهذه بعض القطرات من فيض الكرم والجود وهو باب واسع عظيم نسأل الله أن يمن علينا بولوجه وأن يجعلنا من أهله.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة