أخبار سريعة
الخميس 23 نوفمبر 2017

مقالات » صفات جيل النصر المنشود (5) صور من صدق الصحابة ونصرتهم لدينهم

للكاتب: ياسر برهامي

نسخة للطباعة

صفات جيل النصر المنشود (5) صور من صدق الصحابة ونصرتهم لدينهم


بينت لنا سورة الحشر صفات جيل النصر المنشود، التي هي صفات الصحابة -رضوان الله عليهم- من المهاجرين والأنصار، السابقين إلى الله ورسوله، الذين قام الإسلام على أكتافهم، ونقلوا إلينا القرآن والسنة غضين طريين كما أنزلا؛ فهم مصابيح الدجى وأعلام الهدى؛ لذلك كان لابد أن نعرف صفات هذا الجيل وواجبنا نحوهم، لعلنا نقتدي بهم وبآثارهم، واليوم نتكلم عن أنواع من صدق نصرة الصحابة لدينهم.

     قال -تعالى-: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، أي: الصادقون مع الله -عز وجل- في القول والعمل، قال -عز وجل-: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(الأحزاب:23). يقول أنس رضي الله عنه : غاب عمي أنس بن النضر عن غزوة بدر فقال: غبت عن أول مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم  مع المشركين، لئن أشهدني الله مشهداً غيره ليرين الله ما أصنع -أبى أن يقول غيرها، أبى أن يقول: سوف أقاتل أشد القتال.

وقعة أحد

     فعندما كانت وقعة أحد، وانكشف المسلمون، وفر منهم من فر، قال صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني: المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، أي: المسلمون، لما وقع منهم من الفرار والمعصية التي تاب الله -عزوجل- عليهم منها بعدها، إلا أنه يعتذر عنهم حباً لهم، وشفقة عليهم، ويبرأ من المشركين، ثم انطلق رضي الله عنه فوجد سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي اهتز لموته عرش الرحمن، سيد الأنصار رضي الله عنه .

واهًا لريح الجنة

     فيقول سعد حاكياً للرسول صلى الله عليه وسلم : إن أنساً قال: يا سعد ! واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد رضي الله عنه ، رزقه الله أن شم بالفعل رائحة الجنة، - وواهاً: كلمة استحسان للرائحة، أي: ما أعظم هذه الرائحة- وانطلق ليقترب منها، قال سعد: فو الله يا رسول! ما استطعت ما صنع، أي: لم يستطع سعد أن يصنع ما صنع أنس رضي الله عنه ، مع أن سعدًا الذي عندما مات بكى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الحرير قال: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه».

والله ما استطعت ما صنع

      سعد بن معاذ يقول: والله ما استطعت ما صنع، ثم وجد به -أي: بأنس- بضعاً وسبعين جرحاً، ما بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح صلى الله عليه وسلم ؛ فما عرفته أخته إلا ببنانه، يعني: جرح رضي الله عنه قبل الجرح القاتل بضعاً وسبعين جرحاً، وإنما أوقفه الجرح الأخير، وظل -رغم بضع وسبعين جرحاً- مستمراً في القتال رضي الله عنه .

جعفر بن أبي طالب

     وكذا جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة وجد به ما بين بضعٍ وثلاثين جرحاً، ما فيها شيء في ظهره أبداً  رضي الله عنه، وقد قطعت يداه رضي الله عنه ، حتى لا تسقط راية المسلمين، ثم أبدله الله جناحين في الجنة يطير بهما، صدق مع الله -عز وجل- فما تردد ولا تأخر أبدًا -رضي الله تعالى عنهم-؛ فقد كان عندهم صدق مع الله -عز وجل.

الزبير رضي الله عنه 

     وانظر إلى الزبير رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم  في سرية وحده إلى بني قريظة في غزوة الخندق، لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف خبر بني قريظة من الغدر ونقض العهد وخطرهم؛ فانتدبه رضي الله عنه ؛ فيخرج الزبير في سرية وحده، ويذهب ويرجع رضي الله عنه .

     قالوا له في غزوة اليرموك: اشدد على العدو فنشد معك؛ فقال: لا تستطيعون، قالوا: اشدد فنشد معك، فشد رضي الله عنه ، فخرق جيش الروم إلى أن خرج من الناحية الأخرى، ولم يجد أحدًا يرجع معه، ولم يستمر المسلمون معه رضي الله عنه ؛ فجيش الروم كان أكثر من مائة ألف في غزوة اليرموك، وخرق الجيش كله، ثم رجع فخرق الجيش كله مرة أخرى إلى أن وصل إلى المسلمين، حتى يقول عروة وكان صغيرًا: كنت أدخل أصبعي في جراح الزبير رضي الله عنه  ألعب فيها، منها ما كان يوم أحد، ومنها ما كان يوم اليرموك. قال الله -تعالى-: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، أي: صدقوا مع الله -عز وجل- في القول والعمل، والإنسان كلما صدق في القول يسَّر، الله له الصدق في العلم، وكلما كان صادقاً فيما عاهد الله عز وجل عليه؛ استمر وثبت على الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».

فضل المهاجرين والأنصار

      قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، صفات المهاجرين والأنصار عندما تتأملها تجد أنها مشتركة فيما بين الفريقين، لكن نصيب المهاجرين في هذه الصفات أتم، ونصيب الأنصار في صفاتهم أتم، ولكل منهم نصيب في ذلك.

     فالمهاجرون قد وقوا شح أنفسهم، وأحبوا الأنصار في الله -عز وجل- وإن كان نصيب الأنصار في هذه الصفات أتم، كما أن نصيب المهاجرين في تحمل المشاق وآلام الإخراج، ونقص الأموال، والإخلاص، والصدق أتم -رضي الله تعالى عنهم- لكن الصفات كلها مشتركة بينهما.  فصفة الأنصار التي ينبغي أن يتحلى بها أهل الإيمان، ليكونوا من ذلك الجيل الذي يريد أن ينتصر؛ ذلك النصر المنشود، صفة الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم: أنهم يحبون من هاجر إليهم.

سكن الإيمان في قلوب الأنصار

     قال -عز وجل-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا} أي: سكنوا الدار، وهذا تشريف للمدينة؛ حيث سماها الله الدار، فكأنها هي دار الإيمان؛ لأن الإيمان أوى إليها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».

ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غربة الإسلام، وأنه كما بدأ غريباً يطارده كل أهل الأرض، فأوى إلى المدينة، والناس يعدونه حية، واتهموه بالباطل وأرادوا قتله بأي طريقة، وكذلك في آخر الزمان سوف يعود الدين غريباً كما بدأ، والنبي صلى الله عليه وسلم  أخبر أنه يأرز إلى المدينة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الإيمان يأرز ما بين المسجدين، كما تأرز الحية إلى جحرها»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .

     قوله -سبحانه-: {تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ}، أي: سكنوا الإيمان، وهل الإيمان يسكن؟! شبه الإيمان كأنه دار سكنوها، لأن الدار يستقر فيها الإنسان، فهؤلاء الأنصار سكنوا الإيمان، بمعنى: استقر الإيمان في قلوبهم، والإنسان يلازم داره، فإذاً الإيمان سكن هذا في هذا المكان، بمعنى: استقر واطمأن فيه، واستراح فيه؛ فهذه شهادة لهم بالإيمان -رضي الله تعالى عنهم-؛ فهم مؤمنون صادقون، استقر الإيمان في قلوبهم.

     فقوله: «تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ»، أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون إليهم، وقد أسلم كثير من الأنصار قبل المهاجرين، لكن المقصود -والله أعلى وأعلم- بقوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ}، أي: من قبل أن يهاجر المهاجرون، وأن الأنصار أسلم كثير من كبارهم وسادتهم على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه  قبل أن يهاجر كثير من المهاجرين -رضي الله تعالى عنهم- وقبل أن تصبح المدينة دار الهجرة التي أوى إليها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكثير من الأنصار كان قد أسلم، ودخل الإيمان في قلوبهم واستقر -رضي الله تعالى عنهم- على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه ؛ فهو من فتح الله به المدينة المنورة، بدعوته إلى الله، وسلوكه الطيب، حتى ما بقي بيت من بيوت المدينة إلا ودخله الإيمان.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة