أخبار سريعة
الإثنين 16 يوليو 2018

مقالات » طرق التخلص من الهوى(2) جهاد الهوى من أعظم الجهاد

للكاتب: عبدالهادي بن حسن وهبي

نسخة للطباعة

طرق التخلص من الهوى(2) جهاد الهوى من أعظم الجهاد

إننا نعيش في زمان صعب، كثرت فيه الفتن، وانتشرت الشهوات انتشار النار في الهشيم؛ فالشر مستطير، والفساد مستفحل، وداعي الهوى مشمر. استرسل الناس في اتباع الهوى استرسال البهائم؛ فعقولهم مسبية في بلاد الشهوات، ودينهم مستهلك بالمعاصي والمخالفات، وهمتهم واقفة مع السفليات.

الطريق الخامس

     أن يعلم العبد أن جهاد الهوى من أعظم الجهاد: عن أبي ذر -رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: أي الجهاد أفضل؟ قال: «أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله -عز وجل-». قال إبراهيم بن أدهم -رحمه الله-: «أشد الجهاد جهاد الهوى؛ من منع نفسه هواها فقد استراح من الدنيا وبلائها، وكان محفوظا معافى من أذاها».

وجهاد النفس هو «الجهاد الأكبر؛ لأن مشقة جهاد النفس دائمة، ومشقة جهاد العدو في وقت دون وقت؛ لأن جهاد النفس متصل بالإنسان، وجهاد العدو منفصل عنه».

واعلم بأن جهاد النفس مقدم علـى جهاد العدو في الخارج، وأصل له؛ «فإنه ما لم يجهاد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه، وعدوه الذ بين جنبيه قاهر له، متسلط عليه، لم يجهاده؟! بل لا يمكنه الخروج على عدوه، حتى يجاهد نفسه على الخروج».

ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه والعمل به؛ فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها، كان نهيه عبادة لله، وعملا صالحا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب».

فيا أيها المسلم، «تعهد نفسك بمجاهدة هواك؛ فإنه مغلاق الحسنات، ومفتاح السيئات».

جاهد نفسك؛ فإنها تشهب «بالنار في سرعة حركتها، وإفسادها وغضبها وشهوتها».

جاهد نفسك على أن تكون طليقة من كل قيد من قيود الهوى، بلا تردد.

جاهد نفسك؛ فقد مال بها عن الجادة هواها؛ لأنك تراها في لجج هواها خائضة، وفي ميدان شهواتها راكضة، طغت في غيها ولانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت».

جاهد نفسك، خالفها ولا توافقها، قيدها ولا تطلقها»؛ وإلا قادتك إلى الغواية، ونزعت بك إلى شر غاية.

جاهد نفسك، فإن خطرها عظيم، وداءها وخيم، ومكرها كبير، وشرها مستطير، من أطاعها قادته إلى القبائح، ودعته إلى الرذائل، وخاضت به المكاره، تطلعاتها غريبة، وغوائلها عجيبة، ونزعاتها مخيفة، وشرورها كثيرة».

     جاهد نفسك؛ فاعص هواها، ولا تعطها مناها؛ فإن في اتباعها الندم عاجلا، والحسرة آجلا، متى أرخيت عنانها بطرت وأشرت، وإن نالت مطالبا أو تناولت مأربا انتقلت عنه وطلبت أعلى منه، وإن حللت عنها قيودها شردت، وإن أطلقت وثاقها جمحت، وإن أعطيتها سؤلها هلكت، وإن غفلت عن محاسبتها أدبرت، وإن عجزت عن مخالفتها غرقت، وإن اتبعت هواها تولت إلى النار وفيها هوت؛ فليس لها دواء إلا القمع عن دواعي الهوى».

فمن أطاع مولاه وجاهد نفسه وهواه، وخالف شيطانه ودنياه، كانت الجنة نزله ومأواه، ومن تمادى في غيه وطغيانه، وأرخى في الدنيا زمام عصيانه، ووافق نفسه وهواه في مناه ولذاته، وأطاع شيطانه في جمع شهواته كانت النار أولى به.

الطريق السادس

أن يعلم العبد أن مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس صعب جموح، لا لجام له؛ فيوشك أن يصرعه فرسه، فيا من ركبت الهوى، من ركب الهوى هوى. وراكب الهوى محمول على العطب.

الهوى مركب ذميم يسير بك في ظلمات الفتن، ومرتع وخيم يقعدك في مواطن المحن؛ فلا تحملنك شهوة النفس على ركوب المذمات، والقعود في مواطن الخطيئات.

ومن كان الهوى مركبه، فلن يفلح معه».

رويدك جانب ركوب الهوى

                               فبئس المطية للراكب

ومن ركب مطية الهوى، عز عليه المآب والمرجع.

أنشد أبو محمد عبدالله بن حمزة بن يوسف الإربلي الفقيه رحمه الله:

وما أعطب المرء في دينه

                          ودنياه إلا ركوب الهوى

     وما زال الهوى «يجمع براكبه، ويريه سوء عواقبه». وما زال الهوى يرمي براكبه إلى أمد بعيد. فمن ملك زمام نفسه عند شهوتها، وقدر على حبسها، وسيطر وتغلب عليها، وتحكم فيها؛ علا أمره. ومن ملكته نفسه، ذل قدره. قال محمد بن الفضل -رحمه الله-: «من ملك نفسه عز، ومن ملكته ذل». وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي -رحمه الله-: «ليس الملك من تابع هواه ونال ملك الدنيا، بل الملك من ملك هواه واستصغر ملك الدنيا».

وقال الأستاذ أبو علي، الحسن بن علي رحمه الله: «الخلق مالك ومملوك: فالمالك الذي يملك هواه، والعبد الذي يملكه هواه».

فالمالك: «هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها؛ فانقادت معه، وذلت له، ودخلت تحت رقه وحكمه»؛ فهي مملوكة عنده، يأمرها بما شاء مما يرضي ربه، ويمنعها مما يسخط ربه.

والمملوك: هو «الذي قد استعبدته نفسه وشهوته، وملكته وقهرته؛ فانقاد لها انقياد العبد إلـى سيده الحاكم عليه».

ومن لم يملك نفسه عند غضبه وشهوته وهواه، فليس له حظ في عقباه. ومن كان لعنان هواه أملك، كان لطرق الرشاد أسلك. ومن ملكته نفسه، فهو في المجون والهوى سريع، أسرع من الجواد، وفي الهدى والتقى بطيء، أبطأ من السلحفاة. ملكته نفسه؛ فتمسك بأذيال الهوى وخلع لباس التقوى.

وآثر هواه على تقواه، وأخراه على دنياه.

ملكته نفسه؛ فهو ينفق العمر النفيس في نيل الهوى الخسيس.

ملكته نفسه؛ فهو ذاهل القلب في الصلاة، حاضر الذهن في الهوى.

ملكته نفسه؛ فهو ثقيل النوم، بطيء اليقظة؛ فهو ينام عن صلاة الفجر.

ملكته نفسه؛ فلا يستطيع أن يترك التدخين.

ملكته نفسه؛ فلا يزال مصرا على مشاهدة الكاسيات العاريات.

ملكته نفسه؛ فلا ينام إلا على ألحان الموسيقى والغناء.

ملكته نفسه؛ فلا يرى إلا نفسه، يشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه.

قال ابن القيم -رحمه الله-: «إن العبد إذا ملك شهوته وغضبه، فانقادا معه لداعي الدين، فهو الملك حقا؛ لأن صاحب هذا الملك حر. والملك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسخر مملوك في زي مالك يقوده زمام الشهوة والغضب كما يقاد البعير».

     فلا يقوى العبد على نفسه إلا بتوفيق الله إياه وتوليه له؛ فمن عصمه الله وحفظه، تولاه ووقاه شح نفسه وشرها، وقواه على مجاهدتها ومعاداتها. ومن وكله إلى نفسه، غلبته وقهرته، وأسرته وجرته إلى ما هو عين هلاكه، وهو لا يقدر على الامتناع، كما يصنع العدو الكافر إذا ظفر بعدوه المسلم، بل شر من ذلك؛ فإن المسلم إذا قتله عدوه  الكافر كان شهيدا، وأما النفس إذا تمكنت من صاحبها قتلته قتلا يهلك به في الدنيا والآخرة؛ كما قال القائل:

بلغنا بأنفسنا في الهوى

                            لما ليس يبلغ الأعداء فينا

فلهذا كان من أهم الأمور سؤال العبد ربه ألا يكله إلى نفسه طرفة عين؛ فما هلك من هلك، إلا حيث وكان إلى نفسه.

- اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.

- يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة