أخبار سريعة
الإثنين 23 ابريل 2018

مقالات » في اليوم العالمي للغة العربية - لماذا تعاني لغتنا عقوق أبنائها؟

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

في اليوم العالمي للغة العربية  - لماذا تعاني لغتنا عقوق أبنائها؟

يصادف الثامن عشر من ديسمبر اليوم العالمي للغة العربية، ويحتفل العالم العربي والإسلامي بهذا اليوم الذي أقرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3190، الذي يقضي بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية في الأمم المتحدة إلى جانب الإسبانية، والإنجليزية، والروسية، والصينية، والفرنسية عام 1973، وجاءت المصادقة على هذا القرار بعد طلب تقدمت به كل من المملكة العربية السعودية، والمغرب، وفي أكتوبر عام 2012، قرر المجلس الاستشاري لمنظمة التربية والثقافة والعلوم التابع للأمم المتحدة (اليونسكو) تخصيص الثامن عشر من ديسمبر يومًا عالميًا للاحتفال باللغة العربية، واحتفلت المنظمة بهذا اليوم للمرة الأولى.

مكانة اللغة العربية

     ولقد تشرفت اللغة العربية كونها لغة القرآن مصداقًا لقوله -تعالى-: {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون}، وقد وعد الله بالحفاظ على هذه اللغة العظيمة في قوله -تعالى-: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، ويتحدث اللغة العربية أكثر من 422 مليون شخص، ويتوزع متحدثوها في الدول العربية، وفي مناطق الأحواز، وتشاد، وإريتريا، ومالي، والسنغال، ويطلق على اللغة العربية لغة الضاد؛ إذ تختص وحدها بهذا الحرف؛ إذ لا يوجد في أي من اللغات الأخرى، واللغة العربية هي من اللغات السامية المتفرعة من مجموعة اللغات الآسيوية الأفريقية.

معلومات وحقائق عن اللغة العربية

     ومن أهم الحقائق عن اللغة العربية أنها تعد من بين أكثر اللغات تحدثًا في العالم؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن العربية هي اللغة الأم لأكثر من 290 مليون نسمة في العالم، معظمهم في العالم العربي، يضاف إليهم 130 مليوناً يتكلمونها بوصفها لغة ثانية، كما تتوقع الإحصائيات أن يصل عدد المتحدثين بها نحو 647 مليونًا سنة 2050.

واللغة العربية هي لغة العالم الرابعة في ترتيب اللغات الأكثر انتشارًا وتداولاً على الكرة الأرضية بعد الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، كما أنها من قلائل اللغات السامية التي صمدت حتى يومنا هذا، واللغات السامية هي اللغات، التي كانت تتحدثها معظم شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرقها كالعبرية والأمهرية والتيغرينية.

كما أن اللغة العربية من أغنى وأدق لغات العالم من حيث الكلمات والمعاني؛ إذ يتجاوز القاموس العربي 12مليون كلمة، بحسب قاموس (المعاني) الإلكتروني، والأبجدية العربية تتألف من 28 حرفاً، وهي ثاني أكثر الأبجديات انتشاراً في العالم، وتستخدم لكتابة العديد من اللغات غير العربية كالفارسية والأفغانية والكردية.

لغتنا هويتنا

ولقد استوعبت اللغة العربية المتطلبات الحضارية من حيث المفردات والتسميات، التي أطلقتها على نواحي الحياة المادية والمعنوية كافة وبمعزل عن الاختلاف في تكوينها الزمني؛ فاللغة العربية أثبتت لنا من خلال المتوارث والمنقول، أنها تميزت بقدرة عالية على الاستجابة لمتطلبات العصور المختلفة.

     ومن المُسلم به أن اللغة التي تقف عاجزة عن مسايرة ركب الحضارة في مجالاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ليست جديرة بالحياة، لأنها بعجزها تحمل أسباب الفناء واللغة العربية لغة حية متطورة، لم تعجز عن استيعاب عصور من الحياة وأجيالٍ من المجتمعات، وإنما ظلت لغة التخاطب والأدب والعلوم، تستقبل كل عصر جديد بما تملك من مرونة في أنظمتها، وقدرة في وسائلها الذاتية على الاتساع والاستيعاب.

استوعبت القرآن الكريم

     فاللغة العربية استوعبت القرآن الكريم كما أراد الله لها، والقرآن الكريم من جهته هو الذي نشرها وأخرجها من القومية إلى العالمية، حيث كانت من قبل لغة محلية، يتكلم بها العرب في شبه جزيرتهم، ولا يوجد من يتكلم بها خارجها، فلما جاء الإسلام خرجت معه وانتشرت بانتشاره. وكون العربية لغة القرآن وشريعته جعل مئات العلماء من غير العرب، يعكفون على العلوم العربية دراسة و تأليفاً، الشيء الذي جعلها تنتقل من لغة قومٍ وأمة لتصبح لغة أقوامٍ وأمم، تنتشر مع دعوة القرآن وانتشار الإسلام.

تعاني عقوق أبنائها

     وبرغم هذه المكانة السامية إلا أن الملاحظ أن اللغة العربية اليوم أصبحت تعاني عقوق أبنائها، حيث أصبحنا نرى تهاونًا عربيًا في نصرة اللسان العربي، فضلاً عن اغتيال العربية في المحطات الفضائية والأرضية التي تشن حربًا نفسية على العرب، لإشعارهم بأهمية اللغة الأجنبية والانبهار بكل ما هو أجنبي والقول الزائف، إن التقدم لا يأتي إلا عن طريق إتقان اللغة الأجنبية والترنم بمصطلحاتها، مع أن صدر العربية فسيح في استيعاب كل جديد وطارئ وحضاري.

ماذا يحدث للغة العربية؟

     إنها تقبر من طرف أبنائها، حيث أصبح العرب في هذه الفترة من التاريخ، يشعرون بالدونية بعد ما كانوا سادة العالم؛ لقد تنصل العرب من لغتهم ظنًّاً منهم أنهم بإبعاد أنفسهم من أمَّة العرب، سيكونون ضمن العالم المتقدم، فأصبح هؤلاء النفر من العرب يقلد ويحاكي الغرب في قشور لغتهم، ومن الأدهى أن تصبح اللغة الأجنبية مصدر اهتمامهم، فماذا فعلوا؟ أدخلوا أبناءهم المدارس الأجنبية، يخاطبونهم باللغة الانجليزية، يدخلون المصطلحات الإنجليزية على لغتهم العربية، لكي يظهروا بأنهم غربيون أكثر منهم عربًا، وليعلوا على من هم متخلفون في نظرهم أبناء جلدتهم.

واجبنا تجاه لغة القرآن

     من هنا فإن ما تعانيه لغة القرآن من غربة بين أهلها وأبنائها وما يقوم به أعداء الإسلام والعربية من جهود كبيرة لمحاربة هذه اللغة بمختلف الوسائل وشتى السبل، وهم في الوقت الذي يحاربون فيه لغة القرآن يبذلون كل ما يمكن من أجل خدمة لغاتهم ونشرها، وتيسير تعلمها لكل من يرغب في ذلك؛ فتراهم يفتحون المراكز، ويقيمون المعاهد التي تقوم بمهمة تعليم لغتهم، مع أنها لغات لا رصيد لها ولا جذور.

هذا كله يوجب علينا أن نقوم بخدمة لغتنا العربية، وتيسير أمر تعلمها للمسلمين وغير المسلمين، من خلال أمور عدة أهمها:

إنشاء المدارس والمعاهد المتخصصة

     قيام الحكومات الإسلامية والهيئات والمؤسسات الخيرية والتعليمية والدعوية بافتتاح المدارس والمراكز والمعاهد في مختلف بلاد العالم، ولاسيما البلاد الإسلامية من أجل نشر لغة القرآن وتقريبها إلى نفوس المسلمين  وقلوبهم وعقولهم؛ لأن أمر تعلمها كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فرض واجب لكونها من الدين، ولكون فهم الكتاب والسنة من الأمور المتحتمة على المسلمين، وهي لا تفهم إلا بفهم اللغة العربية والقاعدة تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فمسؤوليتنا -معشر العرب- عظيمة أمام الله -عز وجل- نحو إخواننا المسلمين المتعطشين إلى تعلم لغة دينهم وقرآنهم .

إعداد الأستاذ المؤهل

كما يجب علينا أن نعد الأستاذ المؤهل المحب للغته والمتمكن منها ليقوم بمهمة تدريسها وتعليمها أي اللغة العربية ؛ لأن هذا النوع من الأساتذة سيتفــانى في خدمة هذه اللغة ويضحي من أجلها، وسيعمل جاهدا من أجل تحبيب اللغة للناشئة فيقبلون عليها بنفوس مفتوحة وقلوب متلهفة.

إعادة النظر في مناهج التعليم

     كما أن على الجهات المسؤولة إعادة النظر في مناهج التعليم بين الحين والآخر، واختيار المناسب الذي يحقق الهدف، ويخدم القضية التي ننشدها، وهذا بلا شك يتطلب إعداد كتاب مناسب يقوم بتأليفه وإعداد مادته وصياغتها نخبة من أساتذة اللغة العربية والتربية، يراعى فيه متطلبات كل مرحلة من المفردات، والألفاظ والتراكيب والأساليب مع العمل على إيجاد قواميس مناسبة لكل مرحلة تحوي ما درسه الطالب من حصيلة لغوية ، على أن يكون لكل مرحلة قاموسها .

وأخيراً فإن الأمة التي لا تحافظ على لغتها، تفرط في هويتها، وتضيع ماضيها، وتخسر مستقبلها، وكما يقول الرافعي -يرحمه الله-: ما ذلت لغة شعب إلا ذل، وما انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار.

فعلينا أن نعمل جاهدين من أجل المحافظة على هذه اللغة عزيزة قوية، نصد عنها كيد الأعداء، وهجمات المتربصين، وسهام الحاقدين .

إن العمل لخدمة هذه اللغة والدفاع عنها نوع من أنواع العبادة يتقرب به فاعله إلى ربه، إننا على ثقة تامة بأن الله ناصر دينه، وحافظ كتابه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. وحفظ هذا الكتاب العظيم حفظ للغة التي نزل بها.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة