أخبار سريعة
الجمعة 17 اغسطس 2018

مقالات » رسالة إلى معلمي اللغة العربية في يومها العالمي

للكاتب: د.سلطان عبدالرؤوف الحريري

نسخة للطباعة

رسالة إلى معلمي اللغة العربية في يومها العالمي

إلى حاملي رسالة تعليم لغة القرآن: إن التعليم رسالة خالدة وأمانة عظيمة، والمعلم يقاس بفضل ما يقدمه للأجيال من علم وفكر، ولعل أسمى ما في هذه المهنة أن يخلص المعلم لدينه، وأن يشعر بانتمائه إليه، واللغة العربية أمانة في أعناق العرب ولا سيما المعلمين.

     إنها صرخة ثائرة على حال اللغة العربية، سأكتفي بترديد صداها المطبوع على صفحات مشاعري، إنها حمم دافقة من مصهور المشاعر، استعصت على إرادة التنظيم فجاءت كلمات أسطرها في طيات رسالة، أردت منها أن تحرك كوامن الحذر في الصدور، إنها كلمات لا تخص المعلم فقط، بل تعمّ كل قلب يتفاعل مع العربية في أرض العرب، وحسبها من التأثير أن تعيد لنا شيئاً من إشراقه تلك اللغة العظيمة، أبدأ فيها بنفسي وأنا منكم لأثير الغيرة على قداسة هذه اللغة التي يريد منا الهدامون أن نغلق قلوبنا دونها، وهي تأبى عليهم، أن تُغتال؛ لأن الله -تعالى- تعهد بحفظها: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فبحفظ القرآن الكريم يتم حفظ اللغة التي تحمله.

أشرف لقب

أيها المعلم: لقد نلت أشرف لقب يستطيع أن يناله بشر، ووافاك المجد طائعاً مذعنا؛ فاحرص على لغتك؛ فإن هناك متربصين يريدون أن يسلبوا خزائن اللغة من نفائسها، ولست أحمل عليك من العتب فوق ما يحتمله ذنبك إن كنت ممن يشارك في الهدم.

هجرة عقلية وروحية

     واعلم - أيها المعلم المسلم - أن الإسلام هجرة عقلية وروحية، ولا أروع في وصف هذه الهجرة من قوله -تعالى-: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين..}؛ ولقد تألقت أنوار هذه الهجرة في كل أفق من حياة السلف، وكانت اللغة هي المرآة التي انعكست عليها تلك الأنوار، والسجل الذي حفظ للأجيال صورة التبدل العظيم الذي أحدثه الإسلام في أخلاق العرب وفي سلوكهم وفي أساليب تفكيرهم، وليس لنا - أيها المعلم - من وسيلة للحفاظ على قيمنا أفضل من ربط الجيل باللغة التي تمثل عقلية العربي قبل الإسلام وبعده.

عنوان ثقافة الأمة وحضارتها

     اللغة - يا حاملَ الرسالة - عنوان ثقافة الأمة وحضارتها، والأمة التي تريد أن ترقى بقيمها وحضارتها هي الأمة التي تحافظ على لغتها، كذلك الشأن في سائر الأمم؛ فبينما نرى الهمم متجهة فيها إلى إصلاح اللغة والنهوض بها، إذا بنا نرى أنفسنا نتجه بهممنا نحو الهاوية، إننا محاطون بأسوار عظيمة بناها أجدادنا؛ فلنرمم ما تصدع منها، ولا نشارك في هدمها.

لغة دين سماوي عظيم

     أخي المعلم: إن العربية لغة دين سماوي عظيم، وبها كتبت أصول هذا الدين تشريعاً وحكمة وثقافة، وعلى رأس هذه الأصول: القرآن، مُعتمد المسلم ومرجعه في شؤونه الدينية وعقيدته الروحية، واعلم أن العربية باقية بقاء الإسلام؛ فاحرص على غرس حبها في قلوب تلاميذك، واربطهم بالقرآن الكريم القِبلة الخالدة في استلهام أنصع الأساليب؛ فما دام القرآن محفوظاً، والإسلام قائماً، وأمته العربية موفورة العزة، فلن يكتب لهذه اللغة الفناء، والقرآن الذي صانها عن الزوال سيكون السبب الذي يمدُّها بعوامل البقاء.

ولتحقيق هذا الهدف الجليل يجب أن نعين العربية على أن تبسط سلطانها، وتستوفي حريتها في ميادين الحياة العامة، ومن خلال تدريسنا للغة العربية رأينا جنوح الطلاب عنها، وكراهيتهم لها، فعلينا باتباع الآتي:

تبسيط اللغة

      ويتم تبسيط اللغة بالاقتصار من الألفاظ الكتابية على المألوف المأنوس، دون غوص في المهجور المجفو من الكلام، إلا ما تقتضيه ضرورة التعبير عن معنى دقيق أو حقيقة جديدة لا يعبر عنها بلفظ متعارف عليه، على ألا نجانب السهولة والاستساغة فيما نتخذ من هذه الألفاظ. ولندع وحشي الكلام في بياننا؛ فقد انصرم ذلك العهد الذي كانت البراعة فيه تقاس بالألغاز في التعبير، وتصيّد الغريب الوحشي.

تيسير النحو

      نحن نعلم أن النحو من المشكلات التي طالما فكر في حلها الباحثون، وذهبوا في شأنها مذاهب بين التفريط والإفراط. وفي اعتقادي أنه لا سبيل لنا إلى التخلي عن النحو؛ لأنه من مقومات اللغة وأصولها، فإذا تخلينا عنه فقد هدمنا ركنا أساسياً تعود بعده اللغة فوضى تحتاج إلى ضوابط تحل محله، فحاول أن تبسِّط النحو لهم، وقدّمه لهم بأساليب تقربهم منه، وتحببه لهم، وأزل عنه غبار الجمود، واجعله متحركاً، فإنهم إن أحبوه أحبوا لغتهم.

القدوة الحسنة

 كن المثال الذي تريد لطلابك أن يسيروا على منواله؛ فالالتزام بالفصحى المبسطة، وحب العربية وعدم التنفير منها تجعلها قريبة منهم، وإذا أحبوك وأحبوا لغتك ساروا على هديك، وبذلك فإنك تجني الثمار الطيبة بتحقيق عوامل النهوض باللغة، وتكون قد مهدت لها وسائل النمو المضطرد، واستكمال السلطان التام.
واعلم - يا صاحبي - أن الإسلام يوشك أن يمسي غريباً عن أصحاب الأقلام في هذا العالم، إلا بروقاً تنطلق خلال الظلام، لا تكاد تلمح حتى تطاردها شياطين الطغيان بالوسائل كلها؛ فجنِّد نفسك من بين الطاقات الطيبة التي تساعد في صياغة جيل عربي مسلم يدافع عن لغته ودينه.

ساعد طلابك على الوثوق بلغتهم وأدبهم وقرآنهم، وأبعدهم عن الانتقاص الوقح من أحقيتها في الاستمرار، وعلِّمهم أن غزوا قادما يريد التعفية على بقية المثل الإسلامية، واعلم أن سمومهم مشحونة بالغرور الذي لا يستحي أن يزعم أنه يريد تجديد البناء الاجتماعي لهذه الأمة! وتذكر قول الشاعر:

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

                      ولن تلين إذا قومتها الخشب

فحاول أن تكون ذلك الإنسان الذي يقوّم الاعوجاج.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة