أخبار سريعة
الجمعة 19 اكتوبر 2018

مقالات » تربية الفتاة على شكر النعم

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

تربية الفتاة على شكر النعم

 

قال -تعالى-: {والله فضّل بعضكم على بعضٍ فِي الرزقِ فمَا الذينَ فُضِّلوا برادّي رزقِهم عَلَى مَا مَلكَت أيْمَانِهم فهُم فِيه سَوَاء أفبنعمةِ الله يجحدون} (النحل:71).  يظل التسخّط على المستوى المادي للأسرة، وغياب القناعة والرضا بالحال من السلوكيات السيئة التي قد تصدر من بعض الأبناء والبنات ولاسيما في مرحلة المراهقة؛ حيث سرعة النمو، والرغبة في الانطلاق وراء إشباع الرغبات، كذلك شدة التأثر بالصحبة ومحاكاتهم،كل ذلك مع غياب التربية الإيمانية السليمة قد يفرز أبناء وبنات لا يعرفون عبادة الشكر، وقد يبرز هذا الاتجاه في التفكير لدى الفتيات فيما يتعلق بالملابس، والنزهات، والصورة الافتراضية لزوج المستقبل، وشكل الحياة التي تطمح الفتاة أن تعيشها.

أول التوجِيه من القدوة!

     لو دققنا النظر لوجدنا أن اعتراض الفتاة على حالها وسخطها على رزقها هو – غالباً- لسان حال أمها التي تقارن بين معيشتها ومعيشة صديقاتها أو قريباتها الأعلى مادياً؛ فتتحسر على حالها ولا تشكر نعمة الله عليها، وكل ذلك على مرأى ومسمع من ابنتها التي تشب وتكبر على تكرار هذا المشهد في كل مناسبة، فما هو المتوقع لهذه الابنة المسكينة ؟

     إنّ الأم بالنسبة لابنتها القدوة الأولى والمثل الأعلى الذي تحاكيه تلقائياً؛ ولذلك تظل مسؤولية الأم كبيرة جداً تجاه بناتها على وجه الخصوص، فهي القدوة في الاهتمامات والأهداف، والغايات؛ فإن كانت غايتها في الحياة المأكل والمشرب والملبس، ومسايرة الجديد، فإن ابنتها ستقلدها تلقائياً، وغالباً ستكون سطحية الأهداف والغايات والاهتمامات، وقد تغلب هذه االسطحية على أهدافها الأخرى الجيدة؛ فتؤدي إلى تدني مستواها في دراستها وأدائها مستقبلاً بوصفها زوجة وأما!

إذا كيف تتربى الفتاة على القناعة والشكر؟

     هناك خطوات كثيرة لتخليص الفتاة من رذيلة الجحود واستقلال النعم، ونقلها إلى إدراك حجم النعم الكثيرة التي ترفل فيها، ومن ثم المداومة على عبادة الشكر، وهذه الخطوات ما هي إلا توجيه القرآن الكريم، ثم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وسلوكه العملي، في تربية المسلمين على عبادة الشكر لله تعالى، نذكر من هذه الخطوات:

العناية بالتربية الإيمانية

     وهنا تركز الأم على ترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في نفس ابنتها، وإبراز حكمة الله -تعالى- في جعل الناس متفاوتين في الرزق بمعناه الشامل لكل ما ينفع المرء في دينه ودنياه، قال -تعالى-: {والله فضّل بعضكم على بعضٍ فِي الرزقِ فمَا الذينَ فُضِّلوا برادّي رزقِهم عَلَى مَا مَلكَت أيْمَانِهم فهُم فِيه سَوَاء أفبنعمةِ الله يجحدون} (النحل:71).

-ومنها أيضاً في هذا المقام: التعرف على أسماء الله -تعالى- (الشاكر-الشكور) وتعلم معانيها، والتأدب بأدبها؛ فالشكر من صفات الله -تعالى- التي وصف نفسه بها في كتابه العزيز، قال -تعالى-: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} (النساء:147) وقال -تعالى- أيضاً: {إنه غفورٌ شكور} (فاطر:30).

-ومنها أيضاً تعويد الفتاة على دوام شكر الله -تعالى- بالقلب واللسان والجوارح، وأداء سجود الشكر عند حدوث نعمة أو تجددها؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يسره خرّ لله ساجداً شكراً له عز وجل».

الدعاء بالتوفيق إلى الشكر

     فقد أخبرنا الله -تعالى- عن نبيه سليمان -عليه السلام- أنه قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} -النمل:19- وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ دعاءً عظيماً يطلب فيه من الله أن يعينه على عبادة الشكر،عَنْ معاذ بن جبل قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذ، والله إِنِّي لأحبك. فَقَالَ مُعَاذ: بأبي أَنْتَ وأمي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ. قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ، أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكِ وَحُسْنِ عِبَادَتِكِ». - أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ - فبغير المعونة من الله لا يمكن أن يصل الإنسان إلى منزلة العبدالشكور.

رد النعم جميعها إلى الله تعالى

     على الأم أن تذكّر ابنتها دائماً بنعم الله عليها، وعلى العباد جميعاً، وأنها لا تعد ولا تحصى، وأنّ كل خير يتيسر لها إنما هو من توفيق الله -تعالى-؛ فعليها شكره -سبحانه- عليه، مع ردّها جميعاً إلى الله -تعالى- المنعم، قال -تعالى-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ -تعالى- ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل:53)، وأنه إذا شاء نزعها من الجاحدين، وهذا التوجيه يحمي الفتاة من الاغترار والإعجاب بالنفس، ويدعوها إلى الإخبات والتواضع لله -تعالى- ويولد في قلبها عبادة الشكر.

معرفة أنّ الشكر يحفظ النعمة ويزيدها

      ومن الأمور التي توجّه إليها الفتاة: أنّ الشكر يحفظ النعم ويزيدها؛ لقوله -تعالى-: {ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم} (إبراهيم:7)، وقال عمر بن عبدالعزيز: «قيدوا نعم الله بشكر الله»؛ ولذلك كانوا يسمون الشكر: الحافظ، يعني: الحافظ للنعم الموجودة والجالب للنعم المفقودة.

تبصير الفتاة بالنعم

      فنعم الله -تعالى- متعددة ومتنوعة، منها نعم الإيجاد من العدم إنساناً سوياً في أحسن صورة، قال -تعالى-: {يأيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسوّاك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك} (الانفطار:6-8)، ومنها نعمة تسخير الكون وآياته لتيسير العبادة، قال -تعالى-: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} (الجاثية:13) ومن أعظمها نعمة الهداية إلى الإسلام وإلى الإيمان والثبات عليهما، وكذلك نعم العصمة من الكفر وعبادة غير الله تعالى.

التفكر في المحرومين من النعم

     توجيه الفتاة إلى النظر إلى من هم دونها في الدنيا، وألا تنظر إلى من هم فوقها إلا في أمور الدين، فإن نظر العبدإلى من دونه في أمور الدنيا يؤدي إلى تقدير ما رزقه الله من النعم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم». – متفق عليه-

      وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أَيَسُرُّكَ ببصرك هذا مائة ألف درهم؟ -هل يسرك أنك تفقد بصرك وتعطى مائة ألف درهم؟- قال: لا. قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. ثم ذكر له نعماً كثيرة، ثم قال له في النهاية: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!

التحدث بالنعم شكراً لله تعالى

      قال -تعالى-: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى:11)، والتحدث بالنعم وإظهارها يكون بضوابط مثل، صدق نية الشكر في إظهار النعم وتجنب المباهاة والتفاخر بها، وتجنب ذلك بحضرة الأشخاص المعروف عنهم الحسد، ودوام التحصن بذكر الله تعالى.

     وأخيراً عزيزتي الأم, لنتذكر دائماً أن إدراك نعم الله -تعالى- علينا، ودوام شكره عليها بالقلب واللسان والجوارح هو من العبادات والهيئات التي يحبها الله -تعالى- ويرضاها لعباده المؤمنين، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله -تعالى- ليرضى عن العبدأن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» - رواه مسلم -، جعلنا الله -تعالى- وآباءنا وذرياتنا من عباده الشاكرين.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة