أخبار سريعة
الأحد 24 يونيو 2018

مقالات » الطريق إلى مصاحبة القرآن

للكاتب: عبدالرحمن سليمان

نسخة للطباعة

الطريق إلى مصاحبة القرآن

 

هل رأيت صاحبا لا يعلم شيئا عن صاحبه؟! لقد رأيت في الحديث كيف يعرفك صاحبك ( القرآن) يوم القيامة، ولكي تكون صحبتك للقرآن صادقة، لابد أن تتعرف على صاحبك في الدنيا؛ ليصحبك في الدنيا إلى كل خير ويعرفك في الآخرة؛ فينفعك فيها إن شاء الله -تعالى-، وقبل التعرف على صاحبك ( لقرآن) لابد من معرفة قدر القرآن وكيف كان حال العَالم قبل نزوله؟ قال -تعالى-: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}؛ لقد كان العالم آنذاك في {ضلال مبين} بما تحمله كلمة {ضلال} من معان ودلالات.

     وقوله: {مبين} أي: في غاية الوضوح من عبادة الأوثان، وسؤال النفع والضر ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا، وكثرة الحروب الظالمة، والقتل بغير حق، وشرب الخمر، ووأد البنات خشية العار والفقر، والربا، والزنا، ولعب الميسر  ( القمار) إلى آخره.

فبعث الله -تعالى- فيهم رسولا منهم: {يتلو عليهم آياته} القاطعة الموجبة للإيمان واليقين بالله الواحد الأحد{ويزكيهم} بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويزجرهم عن الأخلاق الرذيلة{ويعلمهم الكتاب والحكمة}، أي: يعلمهم القرآن والسنة.

مكانة القرآن عند الله -تعالى

     لقد تكفل الله -تعالى- بحفظ القرآن الكريم في اللوح المحفوظ، قال -تعالى-: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} الواقعة: 77، 78)، وأنزله -سبحانه- في خير ليلة:{إنا أنزلناه في ليلة القدر}(البينة: 1)، وأنزله في خير الشهور: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}  (البقرة: 185)، ونزل به خير ملك- جبريل{نزل به الروح الأمين}(الشعراء: 193)، على خير البشر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {على قلبك لتكون من المنذرين}  (الشعراء: 194)،   بخير لغة- اللغة العربية{بلسان عربي مبين} (الشعراء: 195)، في خير بقعة (مكة المكرمة) على خير أمة {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}(آل عمران:110)، وَزَكّى الله -تعالى- من حفظه بحق ابتغاء وجهه، فقال -تعالى-:{بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}{العنكبوت: 49).

الخيرية وتعلم القرآن

     ثم كانت الخيرية فيمن تعلم هذا الكتاب الكريم وعلمه، قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»؛ فخير العلوم علوم القرآن، وخير معلم معلم القرآن، وخير متعلم متعلم القرآن، فيا له من كتاب كريم عزيز! وحق له أن يكون بهذه المنزلة؛ لأنه كلام الله -تعالى.

القُرْآنُ هُدى

قال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة:2)، أي: لا شك فيه؛ ولما اشتَملَ علىَ اليقينِ وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال -تعالى-:{فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}، والهُدى: ما تحصُل بهِ الهِدايةُ مِنَ الضلالَةِ والشَبهِ، والهداية إلى سلوك الطرق النافعة.

     وقال -سبحانه-:{هُدًى}، ولم يقل: «هدى للمصلحة الفلانية»؛ لإرادة العموم؛ لأنه هدى لجميع مصالح الدارين؛ فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفرعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ويهدي العباد إلى سلوك الطرق النافعة في دنياهم وأخراهم.

     وقال الله -تعالى- في أثناء هذه السورة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:185)، وهذا الوصف عام للمتقين وغير المتقين؛ فأما (للمتقين) فهو هدى لهم، بمعنى: أنهم ينتفعون به، ويستفيدون منه، ويستضيئون بنوره.

وأما (غيرُ المتقينَ) فهو هُدى لهم أيضًا، بمعنى: أنهُ يُبيِّنُ لهم طريقَ الرشادِ إذا أرادوا لأنفسهمُ الرشادَ، فهو هُدى ودلالةٌ لكل الناسِ، وهدى وتوفيقٌ للمتقين الذين استجابوا لهذا القرآن.

     وقال اللهُ -تعالى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9)، يخبرُ اللهُ- تعالى- عن قدرِ القرُآن وجلالته، وأنه {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9)،أي: للأعدل والأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره.

ذلك هُدىَ اللهِ

     قالَ اللهُ -تعالى-: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر:23)، أي أنَّ اللهَ -تعالى- هو الذي نزَّل أحسنَ الحديثِ، وهو (القُرآن العظيم) مُتشابها في حُسنِهِ وَإحكامهِ وعدمِ اختلافهِ، تُكرَّر فيه القَصص ُ والأحكامُ، والحُجَجُ والبيناتُ، وتُعادُ تلاوتُهُ فلا يُملُّ على كثرة التِّردادِ، تقشعرُّ من سماعهِ وتضطربُ جلودُ الذينَ يخافونَ ربَّهم؛ تأثرًا بما فيهِ من ترهيبٍ ووعيدٍ، ثم تلينُ جلودهُم وقلوبُهم؛ استبشارًا بما فيهِ من وعدٍ وترغيبٍ، ذلكَ التأثرُ بالقرآنِ هدايةٌ من اللهِ لعبادِهِ، واللهُ يهديِ بالقرآنِ من يَشاءُ من عبادهِ، ومن يُضلِلهُ اللهُ عنِ الإيمانِ بهذا القُرآنِ- لكفرهِ وعنادهِ- فما لهُ من هادٍ يهديهِ ويُوفقُهُ.

القُرآن نورٌ

     وكذلك سَمىَّ اللهُ هذا القُرآنَ نورًا؛ قال اللهُ -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (النساء:174)، ونورُ القُرآنِ نورٌ معنويٌ تُبصرُ بهِ- أخي- طريقَ الهُدى من طريقِ الظلامِ، وطريقَ الجنةِ من طريقِ النارِ، وتَعرِفُ به الضَّارَّ والنافعَ، والخيرَ والشَّرَّ، إنَّ القُرآنَ يُضيءُ لكَ طريقَ نَجاتِكَ وسعادتِكَ وفلاحِكَ في الدنيا والآخرةِ.

القُرآن رُوحٌ

وصف الله -تعالى- (القرآن) بأنه روح، فقال -عز وجل-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى:52).

     والمقصود بالروح هنا: ما تحيَا به القلوبُ، وتحصُلُ بهِ الحياةُ المعنويةُ، كالجسمِ إذا كان فيه رُوحٌ يكون حيًّا، وإذا خَرجت منهُ الروحُ يكونُ ميتًا؛ فالقُرآنُ الكَريمُ- الذي أوحاهُ اللهُ إلى رسولهِ صلى الله عليه وسلم رُوحٌ للقلوبِ، ورُوحُ القُلوبِ أخصُّ مِنْ رُوحِ الأبدانِ، فإذا خَالطَ هَذا القُرآنُ بشاشةَ القلبِ فإنَّ القَلبَ يحيَا ويَستنيرُ، ويعرفُ ربَّهُ تباركَ وتَعَالى، ويعبُدهُ على بَصيرةٍ، ويخشاهُ ويتَّقيهِ، ويخافُهُ ويحبُّهُ، ويجلُّهُ ويعظِّمهُ؛ لأنَّ هذا (القُرآنَ) هو الرُّوح التي تحَيا وتتحرَّك بِها القُلوبُ، كالروحِ التي تحيا وتتحرَّكُ بها الأبدانُ.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة