أخبار سريعة
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

مقالات » المكتبات الوقفية وشؤونها في التاريخ الإسلامي

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

المكتبات الوقفية وشؤونها في التاريخ الإسلامي


ارتبطت حركة الثقافة العربية والإسلامية بنهج عميق وقوي بالمكتبة، منذ أن شرع العرب في تكوين أعمال تأليفية بسيطة، وتوجهوا نحو تخصيص مكان يجمع فيه ما يصنف ويؤلّف، ليصل إليه أكبر قدر ممكن من القراء، ومنذ البدء، كان الفرد هو صاحب الفضل في ترسيخ بنية المكتبة، هو الذي يبحث ويجمع ويكوّن مكتبة، ثمّ يوقفها لتكون نافذة ثقافة للجميع، واليوم نقف على عدد من نماذج تلك المكتبات الوقفية التي أوقفها أصحابها خدمة للمسلمين ولطلبة العلم والعلماء.

مكتبة أبي القاسم الشافعي المَوْصلي

      وَقَفَها على طلبة العلم: العلّامة جعفر بن محمد بن حمدان، أبو القاسم الفقيه الشافعي المَوْصلي (ت 323 هـ)، قال ياقوت الحموي: «قال ابن الزمكدم: وكانت له ببلده دارُ علمٍ قد جعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كلِّ طالبٍ لعلم، لا يُمنع أحد من دخولها إذا جاءها غريبٌ يطلب الأدب، وإن كان معسراً  أعطاه ورَقاً ووَرِقاً، تُفتح في كلّ يوم ويجلس فيها إذا عاد من رُكُوبه، ويجتمع إليه الناس؛ فيملي عليهم من شعره وشعر غيره ومصنّفاته، مثل (الباهر) وغيره من مصنّفاته الحِسان، ثم يملي من حفظه من الحكايات المستطابة، وشيئاً من النّوادر المؤلّفة، وطرفاً من الفقه وما يتعلق به.

وقف الإمام الفاضل أبي العلاء الهمذاني

هو الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل، أبو العلاء العطّار الهمذاني، الإمام الزاهد المقرئ المحدّث.

     إذا شئتَ أن تتعرّف أيَّ نفسٍ كانت نفسُ هذا الإمام؛ فدع العلّامة أبا بكر الشافعي يخبرك بذلك: «سمع ببلده من جماعة، وببغداد، وحدَّثَ بالكثير وأَقْرَأَ، ولم يخلِّف بعدَه مثله! وهو أشهر من أن يعرَّف، بل يتعذّر وجود مثله في أعصار كثيرة على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ، أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتب بخطه، وبرع على حفّاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير وله التصانيف الكثيرة في أنواع علوم الحديث والزهديات والرقائق وغير ذلك، ومن جملة ما صنّف: (زاد المسافر) نحواً من خمسين مجلدة، وكان إماماً في القرآن وعلومه صنف (العشرة) و(المفردات)، وصنف (الوقف والابتداء) و(التجويد) و(الماءات) و(العدد) و(معرفة القرّاء)، وهو نحو من عشرين مجلداً، واستُحسنت تصانيفه في القراءات حتى كُتبت ونقلت إلى خوارزم والشام وغيرهما من البلاد، وكان إماماً في النحو واللغة، سمعت أنّ من جملة ما حفظ في اللغة كتاب (الجمهرة).

وكان لا يمس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء، هذا مختصر ما ذكره شيخنا عبد القادر، وقال: حكاياته يضيق وقتي عن استيعابها؛ -فرحمة الله عليه ورضوانُه- توفي في جمادى الأولى من سنة تسع وستين وخمسمائة بهمذان.

قال ابن رجب: وعمل داراً للكتب وخزانةً وَقَفَ كتبه جميعها فيها، وكان قد حصّل الأصولَ الكثيرةَ، والكتب الكبار الحسان بالخطوط المعتبرة، وانقطع إلى إقراء القرآن، ورواية الحديث إلى آخر عمره، وحدّث بأكثر مسموعاته».

هذان أنموذجان من كثيرٍ من المكتبات التي وَقَفَهَا أفراد، أمّا وَقْفُ الكتب على الجوامع والمدارس، إعانةً لروّادها ونُزلائها والمستفيدين منها فكثيرٌ جدًّا، نذكر الآن طرفاً منه عند الكلام عن وقف المدارس نفسها.

المكتبة الظاهريّة بدمشق

     قلّ أن تجدَ علماً من أعلام الشّام منذ القرن السابع الهجري إلى يوم النّاس هذا، إلّا وله صلةٌ ما بهذه المكتبة؛ فما قصتها؟! هذا الاسم يُطلق في الأصل على مدرسة بناها الملك الظاهر غازي، ابن الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب سنة 613هـ، وكانت هذه يقال لها الظاهريّة البرّانيّة، وهذه الآن قد انطمست آثارها وخَفِيَ محلّها، كما قال الشيخ عبد القادر ابن بدران -رحمه الله-، واسمها هذا اكتسبته في مقابل الأخرى التي بناها الملك السعيد، ابن الملك الظاهر بيبرس، التي كان يقال لها الظاهريّة الجوّانيّة، سنة 676 هـ، ودُفن هو وأبوه فيها -رحم الله الجميع.

كان في الظاهريّة الجوّانيّة إيوانٌ للحنفيّة في الجهة القبليّة، وإيوانٌ للشافعيّة في الجهة الشرقيّة، وبينهما دار الحديث، التي مرّ على التدريس فيها جماعة من الأعلام، منهم مؤرّخ الإسلام الأوحد شمس الدّين الذهبي -رحمه الله.

     ولعظمة تأثير هذه المدرسة وانتشار خيرها وتعاقب الأئمة على كراسيّ التدريس فيها، لم يكن المسلمون ليفوّتوا اغتنام الأجر بالوَقْف عليها؛ فوُقفت عليها أوقاف كثيرة، قال النُّعيمي: ومن وَقْف هذه المدرسة: الحصص بالقنيطرة، ثم كفر عاقب والصرمان بكمالها، والأشرفية قبليّ دمشق، ونصف قرية الاصطبل بالبقاع، ونصف الطرّة والبستان بالصالحيّة.

     قال العلّامة محمد كرد علي: كُتب على واجهةِ بنائِها جَرِيدُ وَقْفِها بحروف غليظة، وزُبر اسم مهندسها في الزاوية الشمالية من المدخل عمل إبراهيم بن غنائم المهندس، وهي اليوم بيد المجمع العلمي العربي، جُعلت مخطوطاتها في القبّة الظاهريّة المعمولة حيطانها بالفسيفساء البديعة، وقد أُنشئت خزانة كتب منذ أواخر القرن الماضي.

المكتبة الظاهريّة في القاهرة

     هي المكتبة الملحقة بالمدرسة الظاهرية التي بناها الظاهر بيبرس سنة 662هـ في محلّة بين القصرين بالقاهرة، وقد كانت هذه المدرسة الوقفيّة مؤسّسة تعليميّة اجتماعيّة متكاملة، قال ابن تغري بردي: ثم في هذه السنة شرع الملك الظاهر في عمارة المدرسة الظاهريّة ببين القصرين، وتمّت في أوائل سنة اثنتين وستين وستمائة، ورتّب في تدريس الإيوان القبليّ القاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعي، وفى تدريس الإيوان الذي يواجهه القاضي مجد الدين عبد الرحمن بن العديم، والحافظ شرف الدين الدّمياطي لتدريس الحديث في الإيوان الشرقي، والشيخ كمال الدين المحلّي في الإيوان الذي يقابله لإقراء القرآن بالروايات والطرق، ثم رتّب جماعة يُقرئون السبع بهذا الإيوان أيضاً بعد صلاة الصبح، ووَقَفَ بها خزانة كتب، وبنى إلى جانبها مكتباً لتعليم الأيتام، وأجرى عليهم الخبز في كلّ يوم، وكسوةَ الفصلَيْن، وسقايةً تعين على الطّهارة، وجُلس للتدريس بهذه المدرسة يوم الأحد ثالث عشر صفر من سنة اثنين وستين؛ وقال المقريزي: ولم يقع الشروع في بنائها حتى رتّب السلطان وَقْفَها، وكان بالشام؛ فكتب بما رتّبه إلى الأمير جمال الدين ابن يغمور، وألا يستعمل فيها أحداً بغير أجرة، ولا ينقص من أجرته شيئا.

مكتبة الغازي خسرو بيك

هي أقدم دور المخطوطات الشرقيّة وأعرقها بعد مخطوطات تركيا، هناك بالقرب من مسجد الغازي خسرو بيك في عاصمة البوسنة والهرسك، أسّسها الغازي خسرو بيك عام 944هـ، وتحوي آلاف المخطوطات العربية والتركية والفارسية.

كان غازي خسرو بك والياً على سراييفو في الفترة (1506م – 1512م)، وهو أكثر الولاة العثمانيين تأثيراً في تاريخ البوسنة، ذلك البلد الذي شُغف أهلُه بحبّ كتب العلم إلى الغاية منذ أن أكرمهم الله بالإسلام.

يقول الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب: ومن الممكن تقسيم مكتبات البوسنة المؤسسة على نظام الأوقاف أصلاً إلى ثلاثة أنواع هي:

المكتبات الخاصّة

     وهي المكتبات التي أنشأها العلماء والأدباء والنسّاخ بجهودهم الشخصيّة، وجمعوا محتواها من مشترياتهم أو موروثاتهم، أو ممّا نسخوه بأنفسهم، وقد اشتهر من بين المكتبات الخاصّة في البوسنة المكتبة القنطميريّة، المنسوبة إلى الشيخ عبد الله أفندي القنطميري، وهو أشهر نُسّاخ المخطوطات من البوسنويين على الإطلاق.

المكتبات العامَّة

وهي التي أنشأها بعض العلماء والعظماء وهواة جمع الكتب الذين يملكون الوسائل المادية الوافرة لشراء الكتب؛ حيث كانت الكتب باهظة الأثمان، بسبب كتابتها بخط اليد، وكثرة ما فيها من الزينة والزخارف المكلفة.

ومن أشهر مكتبات البوسنة المصنّفة ضمن هذا النوع مكتبة (ألجي إبراهيم باشا) -والي البوسنة في زمنه، وتعرف باسم المكتبة الفيروزية التي ألحقها بمدرسته الشهيرة في ترافنيك.

وكانت هذه المكتبة تضمّ نحو ثلاثمئة مخطوطٍ تم نقلها إلى مكتبة الغازي خسرو بيك في سراييفو مؤخراً.

مكتبات المساجد و الزوايا

     وكانت تتكون غالباً من نُسَخ المصحف الشريف وأجزائها، وبعض الكتب الدينية العامة التي يستفيد منها عامة المسلمين، وربما أعيرت لمن يقرؤها أو ينسخها، أما التكايا فجلُّ ما كانت تحويه هو من كتب الصوفية وسِيَر مشائخهم، وقد كان بينها الكثير من المؤلَّفات باللغتين التركية والفارسية، فضلا عن القليل المحرر باللغة العربية.

مكتبات المدارس

     وهي في الواقع أهم هذه المكتبات لاحتوائها على كتبٍ أكثر عدداً وتنوعاً من حيث المضمون، علاوة على أنها كانت بمثابة مكتبات عامَّة، وكان الأهالي يستعيرون الكتب منها لقراءتها أو نسخها، ومن الأسباب التي أدت إلى اتساع هذه المكتبات وانتشارها في البوسنة والهرسك، ما يُنقل إليها من مجموعات الكتب والمكتبات الخاصة التي كان أصحابها يقفون كتبهم قبل موتهم، أو يقفها ورثتهم من بعدهم على بعض المدارس، وربما أوقفها بعض العامة، وحتى الفقراء وطلبة العلم؛ مما أدى إلى ازدياد هذا النوع من المكتبات حتى بلغ عددها في أيام الحكم العثماني للبوسنة نحو مئتي مكتبة متفاوتة الحجم و الأهمية و المحتوى، ومن أشهر مكتبات المدارس في البوسنة، المكتبة التي أقامها المحسن الكبير الحاج محمد بيك الشهير بقركوز بيك -رحمه الله- سنة 977 هـ / 1569م في مدينة موستار، إلى جانب مدرسته الشهيرة في موستار، التي عرفت باسمه أيضاً، وجعل نواتها كتبه الخاصة التي أوقفها على طلاب المدرسة، و سماها في وقفيته.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة