أخبار سريعة
الأربعاء 19 ديسمبر 2018

مقالات » روائع الأوقاف في الحياة الاجتماعية

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

روائع الأوقاف في الحياة الاجتماعية


غطّى الوقف كثيرًا من متطلبات المجتمع بعد أنْ تطوّرت وتشعبت أهدافه وأغراضه ووظائفه، وتفنّن النّاس حقًّا في ابتكار روائعه ومجالاته الجديدة؛ فقد نهضت الأوقاف برسالة عظيمة في رعايتها للمؤسسات الاجتماعية والخيرية التي حفلت بها المدن، واستطاعت البقاء والاستمرار طويلاً في أداء رسالتها الإنسانية والاجتماعية دون أن تتوقف بعد وفاة مؤسسيها؛ وذلك بفضل نظام الوقف الذي كفل استمرارية تلك المؤسسات المتعددة الأغراض والأهداف وديمومتها.

رعاية الأيتام

     من أبرز المؤسسات التي حفلت بها المدن الإسلامية (مؤسسات رعاية الأيتام)؛ بحيث لا يكاد يخلو قُطر أو إقليم أو ناحية منها، ونحن عندما نقول: رعاية الأيتام، نقصد بذلك الرعاية الشاملة بمعنى الكلمة، التي تتجاوز كثيراً حدود الإنفاق على طعامه وشرابه وكسوته.

     وقد بلغت العناية باليتامى من أبناء المسلمين مبلغاً عظيماً وصل ببعض السلاطين أن يوقف لهم راتباً شهرياً أثناء طلبهم العلم يفوق غيرهم من أقرانهم من فئات اجتماعيّة أخرى، حضًّا لهم على طلب العلم، والجلوس أمام المعلِّم لينهلوا من علمه، وليتأدبوا بأدبه؛ فهذا أولى وأجدر من أن يُتركوا هملاً بلا مأوى ولا مؤدِّب، ولا مربٍّ ولا متعهِّد.

الوقْف على الموالي

     الموالي هم الذين كانوا عبيداً ثمّ تمّ عتقهم؛ فإنّ العبد تبقى بينه وبين سيده علاقةُ تسمّى الولاء، هي لُحْمةٌ تربط بينهما كالأخوّة والرّحم، ويتوارثان بسببها، وكثيرٌ من الموالي قد تضيق أرزاقهم بعد العتق والخروج من ملك مالكيهم، فاتّجه بعضُ المُعْتِقِين إلى الوقْف على مواليهم، ومن ذلك: ما فعله عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الإدريسي المكناسي، المتوفى (1085هـ)، فإنّه كان يُعتق العبيد لوجه الله، ويوقف عليهم الأوقاف، وكذلك أوقاف السليمانيّة بدمشق، فقد كانت لهذا الغرض أيضاً.

والمحسنة الكويتية الفاضلة حصّة بنت الشيخ حمود الجسّار؛ فقد أعتقت مملوكتها زعفران لوجه الله -تعالى-، وأوقفت عليها بيتها، وعلى غير ذلك من وجوه الخير والبرّ، وحُرِّرت الوقفيّة في تاريخ 1292هـ الموافق 1875م.

أوقاف الشؤون الأسريّة

وقف (دار الدُّقَّة)!

     كانت في مراكش من بلاد المغرب دارٌ تسمّى دار الدُّقَّة، اشتُقَّ اسمُها من كونها في مضمونها وجوهر رسالتها (تدُقُّ) على يد الزوج الظالم الذي يسيء معاملة زوجته إلى حدٍّ يتجاوز التأديب المشروع؛ فقد كانت تأتيها الزوجة التي تعاني من هذه الحال، وقد تجاوزت ظروفها مع زوجها المتعسّف قدرتها على الاحتمال، فتنزل في هذه الدّار، فتجد فيها مسكناً وطعاماً وشراباً وكسوةً، حتى يزول ما بينها وبين زوجها!

دار الشيوخ

كانت هذه الدّار بمدينة فاس بالمغرب، «وهي قصر عند زقاق رياض حجا بين الصّاغة ورَحْبة قيس، وكانت هذه الدّار محبّسة ومُعَدَّة لتعريس المكفوفين الذين لا سكن لهم، فكلّما اقترن كفيف بنظيرته أقاما بهذه الدّار مراسم الزّفاف».

     وكانت بالمدينة نفسها أيضاً ثلاث دور أخرى «برسم تعريس الضعفاء والمُعْوِزين الذين لا يتوفّرون على سكن يتّسع لهذه المناسبة، وقد جُهّزت كل واحدة منها بالفرش والآثاث اللائقة بوليمة التزويج، كما أنّ مواقعها توزّعت بين الأقسام القديمة لمدينة فاس؛ فواحدة منها بالعدوة، وأخرى بالدّرب الطويل، والثالثة في حيّ العيون، وكانت الدّار الأخيرة خاصة بتعريس الأشراف المقلّين، وهي ذات مرافق ومنظر وبهاء».

تزويج الفقيرات واليتيمات

     نصّ جمعٌ من الفقهاء والمؤرِّخين على أنّ العالم الإسلاميّ انتشرت فيه أوقافٌ كثيرةٌ، يُنفَق ريعُها على تزويج اليتيمات، أو الأرامل الفقيرات، اللاتي لا يملك ذووهنّ ما يكفي لتجهيزهن للأزواج؛ ممّا يؤدّي إلى انصراف نظر الخاطبين عنهنّ، فسهّلت هذه الأوقاف بلمستها الإنسانيّة التي عزّ نظيرُها في التاريخ الإنسانيّ أمر تزويجهنّ، وانتقالهنّ إلى نمط الحياة التي تتطلّع إليه كلُّ أنثى.

وقْف إعارة الحليّ للفقراء!

     وصفه أمير البيان شكيب أرسلان -وهو يعدّد بعض صور الوقْف المتكرّرة-: «وقْفٌ لإعارة الحليّ والزينة؛ بحيث إنّ العامّة والفقراء، لا بل الطبقة الوسطى، يرتفقون بهذا المعهد الخيري، فيستعيرون منه ما يلزمهم من الحليّ لأجل التزيُّن به في الحفلات، ويعيدونه إلى مكانه بعد انتهائها، فيتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلّة لائقة، ولعروسه أن تُجَلَّى بحلية رائقة؛ مما يجبر خاطرَهما، وكذلك يستغني المتوسط في الثروة عن أن يشتري ما لا طاقة له به». وقد وُجدت صورة هذا الوقف في المغرب وتونس وغيرهما.

وَقْف (نقطة الحليب)!

     من مَبَرَّات صلاح الدين الأيوبي، أنّه جعل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المُذاب فيه السكر، فتأتي الأمّهات في يومين معلومَيْن من كل أسبوع، ليأخذن لأطفالهن ما يحتجن إليه من الحليب والسُّكَّر، وقد ذكر الدكتور العلّامة مصطفى السباعي أنّ هذا المشهد بقي إلى وقته في دمشق، وأنّ المكان ما زال معروفاً بقلعة دمشق، وقد توفي الأستاذ رحمه الله في 1964م.

من لطائف الأوقاف

وَقَفَتْ السيدة ستيتة نت سالم النمرس وقفيّةً لها، وخصّصت منها جزءًا جعلته وقْفاً على زوجها، على أنْ يُحرم من منفعة ذلك الجزء في حال زواجه بأخرى! سواءً في حياتها أو بعد مماتها!! وكذلك في حال سفره من الديار المصريّة!.

الوقف على الإصلاح الاجتماعي

     معالجة المنحرفين: جُعلت بعض المؤسسات الخاصّة لعلاج المنحرفين سلوكيًّا، وعوقبوا بالسجن عقابا متكرر ابسبب ذلك، ووُقفت عليها أوقافٌ لتنهض بمهمّة إصلاحهم ومعالجة انحرافاتهم، وكذلك جُعلت أوقاف خاصّة يذهب ريعها للإنفاق على المُصلحين والفقهاء والشيوخ الذين يقصدون السجون لتعليم نُزلائها، وإرشادهم وإصلاحهم وتعليمهم الخير، ودعوتهم إلى الله، وردِّهم إلى طريق الاستقامة.

وقف أهل البيوتات وذوي الأقدار

     ذوو الأقدار من الوجهاء والأغنياء وكبار النّاس، للنّوائب والمصائب والنّوازل عليهم طريقٌ وسكّةٌ مسلوكة، كما هو الحال مع كلّ النّاس بلا استثناء، إلّا أنّ وقع المصيبة والفاقة على من اعتاد الرفاهية والسّعة والنّعمة أشدّ ألماً ومرارة، لا سيما إذا رافقه احتياجٌ إلى غيره، وتحوُّلُ اليد المعطية لتكون آخذة، مع ما قد يصحبُ ذلك أيضاً من الشماتة ونظر الشَّزْر من بعض ذوي المآرب غير النزيهة.

     ولكي لا يحلّ ذلك بنفسٍ تُوحّد الله، فقد أوْقَفَ حميد بن عبد الحميد الطّوسي ضياعاً على ذوي الأقدار والوجاهة تبلغ غلّتها مائة ألف دينار تقريباً، وذلك في أيام المأمون -رحمهما الله-، وأوقفَ الحافظ المحدِّث الحسن بن أحمد بن صالح حمّاماً على العلويّة، أي: تكريماً لذريّة أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب -رضي الله عنه- وحفظاً لمكانتهم، وأوقف الملك عنبر أحد ملوك الهند (ت 1035 هـ) أراضيٍ من أراضي بلدة بيجافور على السّادة والعرب! وقد جاء في الحديث الشريف: «إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه».؛ وفيه أيضاً: «أقيلوا ذوي الهيئاتِ عثراتهم، إلّا في الحدود».

دور إيواء الفقراء بـ (فاس)

     في الواقع نُورد الخبر عن مدينة فاس أنموذجاً فقط، وإلا فهذا النوع من الأوقاف كان كثيراً جدًّا، لكنّه كان كثيراً لأهل النوازل المؤقّتة، كمن اجتاحت مالَه جائحةٌ، أو ضلّ الطريق في سفره، أو نحو ذلك؛ لأنّ وُجود المشرّدين ومفترشي الأرصفة في العالم الإسلامي كانت ظاهرةً غير متصوّرة، وليس لها وجود أصلاً؛ فلينظُر العاقلُ أين كنّا بديننا، وأين أصبحنا بتفريطنا فيه، والله المستعان، أمّا ما كان بمدينة فاس، وهو من أحسن محاسنها، ثلاث أربع دور وقفيّة، «تبتدئ من دار بدرب السعود في حي الجزيرة، فيسكن بها الضَّعَفَة والمساكين، وكانت من أكبر ديار فاس ضخامة، وسَعَة رحاب، ووفرة مياه».

وقْف العاطلين عن العمل

     وقفيّتها محرّرة بتاريخ 736هـ الموافق 1335م، جاءت لتعين العاطلين على إيجاد مورد دخل، فلا يحتاجون إلى اللجوء إلى التسول أو الجنوح إلى السرقة في سبيل توفير لقمة العيش، وهؤلاء هم الذين لم تكن لهم إقطاعات شهرية من أي جهة، ويصنّفون اجتماعياً على أنّهم فقراء.

وقف العميان

     يروي عنه (جان وجيروم تارو)؛ الكاتبان الفرنسيان، في رحلتهما إلى مرّاكش، أنّ في مدينة مراكش ملجأً لا يوجد مثله في الدنيا بأسرها، وهو بناء يكاد يكون بلدة! وله ساحة يكاد الطَّرْف لا يأتي على آخرها، وفي هذا الملجأ ستة آلاف أعمى، ينامون ويأكلون ويشربون ويقرؤون، ولهم أنظمة وقوانين وهيئة إدارة، وصندوق.

وفي المجال ذاته: أوقفت المحسنة الكويتية منيرة أحمد محمد العويصي مالاً مستخرجا من تركتها بنسبة الثلث من مخلّفاتها كلها، على الجمعية الكويتية لرعاية المعوّقين، الكائنة في شارع القاهرة في حولّي، وذلك في عام 1403هـ/ 1983م.

وقْف دار العجائز

     تكية إسماعيل رفعت بخط باب الخلق بالقاهرة، كانت مخصصة بحسب حجة الوقف «لإنزال وإسكان عشرين امرأة من النساء العجائز الفقيرات المسلمات، العاجزات عن الكسب، الخاليات من الأزواج...تُعطى كل واحدة في شهر رمضان من كل سنة اثني عشر ذراعاً من العَبَك (نوع من القماش)، وستة أذرع من الشاش، وحردة بلدي».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة