أخبار سريعة
السبت 21 يوليو 2018

مقالات » وثائق تاريخية من مجلة الفتح(2) (جريدة الفتح) وتغطية أحداث البراق

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

وثائق تاريخية من مجلة الفتح(2)  (جريدة الفتح) وتغطية أحداث البراق

 

المسجدُ الأقصى المبارك هو محلُّ القلب وسويداء الفؤاد، وقطب الرّحى، وميزان القضيّة، بل وقضيّة القضايا، كان وما زال عنوان الصراع مع اليهود الغاصبين، ومع كلّ من امتدّت يدُه إليه بشرِّ مُذ نودي فيه بـ(حيّ على الصلاة، حي على الفلاح)، واستكمالاً لنشر الوثائق التاريخية لأرشيف مجلة الفتح، من شهادات ومرافعات قدمها أهل العلم والاختصاص من المسلمين أمام اللجنة الدولية للبراق في عام 1930م، التي تثبت أحقيّة المسلمين بحائط البراق، الذي هو وقف إسلامي وجزء من الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك، نقول: كان أوّل تطرّق لقضية البراق على صفحات (الفتح)، هو الخبر الذي نقلته الصحيفة تحت عنوان (متفرّقات) وكان كالتالي:

الصهيونيون والبراق الشريف

     « قرأ رئيس المؤتمر الصهيوني بيان اللجنة التنفيذية المتعلق بحادث (المبكى)، وهو أن الحكومة البريطانية كانت مضطرة إلى ضمان بقاء القديم على قِدمه؛ لأنه كان قد بُني جامع إلى جوار البراق، فوافق المؤتمر كله على هذا البيان، وسيرسل وفد إلى لندن ليلتمس من وزارة الخارجية صون حقوق اليهود! ليتمكنوا من القيام بطقوسهم الدينية».

     ثمّ نشرت (الفتح) بيان (جمعية حراسة الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة)، تردّ فيه وتتفاعل مع ما أُعلن عن المؤتمر الصهيوني في زيوريخ (28يوليو-11أغسطس) 1929م، من كون اليهود يبذلون قصارى جهدهم لتغيير الحالة الراهنة للبراق، وأن الجمعية عقدت بهذا الشأن اجتماعًا عامًّا ضخمًا في المسجد الأقصى المبارك بتاريخ 2 آب 1929م، انبثق عنه رسالة احتجاج أُرسلت إلى وزير المستعمرات البريطاني، يحذّر فيه المسلمون الحكومة البريطانية من التلكؤ في علاج المحاولات اليهودية، المتمثلة في توصيات مؤتمر زيوريخ المُشار إليه.

     وممّا جاء فيه: «فإذا لم تُحسم هذه المسألة حسمًا قاطعًا يجعل اليهود يلتزمون حدود (الستاتوكو) تطبيقًا للكتاب الأبيض؛ فإنها ستؤدي حتما إلى أعظم مشكلة دينية، يهيج الشعور الإسلامي من أجلها هياجاً بالغاً في البلاد المقدّسة وخارجها، وذلك فضلاً عن المشكلات السياسية الحالية، ويحتج مسلمو فلسطين على المؤتمر الصهيوني في زوريخ لمحاولته ادعاء حقوق لا أساس لها في البراق، بنشر الدعاية الرامية بحقيقتها إلى أغراض سياسية صهيونية».

ثمّ أرفقت (جمعية حراسة الأقصى) لـ (الفتح) مع بيانها الخطاب الذي وجهه الحاج أمين الحسيني إلى وزير المستعمرات، بمضمون مشابه لمضمون البيان السابق.

ومن ثمّ عادت (الفتح) لتنشر خبر المظاهرة الضخمة التي خرجت من المسجد الأقصى يوم الجمعة 16 أغسطس 1929م، ردًّا على مظاهرة يهودية سبقتها بيومين، وكانت هذه المظاهرة التي خرجت ردًّا على الاستفزاز اليهودي هي شرارة الأحداث.

مقال محب الدين الخطيب

     لتخصّص (الفتح) بعد ذلك معظم عددها التالي لرصد أحداث الأسبوع الدّامي في فلسطين، وردود أفعال مسلمي العالم عليه، تتوسّط صفحتها الثانية صورة لساحة المسجد الأقصى المبارك! وبافتتاحية عظيمةٍ للأستاذ محبّ الدّين الخطيب، قال فيها: «حَسِبوها رخيصة على أهلها! وأهلها ثلاثمائة مليون من الأسود الضياغم! منتشرين في جميع أنحاء الأرض، يرون كلّ قطرة تُسفك من دم محمديّ في بيت المقدس، كأنها تقطر من جسم الأمة الإسلامية كلها.

     لماذا كل هذا الاستعداد الرهيب؟! ومسلمو بيت المقدس كانوا كالملائكة إخلادًا للسكينة، وكالحواريّين إيثاراً للسلام، حتى أزعجتهم مطامع اللاعبين بالنّار وأقضّت مضاجعهم! ودفعتهم في طريق الدفاع عن النفس؛ فساروا فيها ينشدون الحياة من سبيل الموت، ويمنعون عدوان الجار الجائر على أمانة مقدّسة، يهون الموت في سبيل الاحتفاظ بها.

     لقد كان اليهود مشرّدين في الأرض، منفيّين عن بيت المقدس يوم تسلّم المسلمون أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من أيدي الرومانيّين؛ فكان من حُرمة الإسلام لهذه البقاع المقدّسة أن زادها حُرمة وتقديسًا، وتوارث أهله أمانتها أربعة عشر قرنًا، مبيحين لليهود ما كان الرومانيّون حرّموه عليهم من تملّك واستقرار، وحسب اليهود من المسلمين هذه اليد لهم في التاريخ.

     فأمّا أن يحدّثوا أنفسهم باغتصاب حقّ المسلمين، شهد لهم به أربعة عشر جيلاً، وأن يطمعوا في أن يجعلوا أهل الجيل الحاضر من المسلمين خائنين لأمانة أجدادهم، ممتهنين أجداث صحابة رسولهم، مفرّطين في واجب الحراسة على مقدّساتهم؛ فهذا ما يستحيل أن يكون، إلّا إذا استطاع وارثو الذّلّة والمسكنة أن يذبحوا ثلاثمائة مليون أسد من آساد الله، رابضين على رأس كلّ طريق في الأرض، وعند كل منحنى في آفاق الله.

     إنّ هذه الدماء التي يسفكها اليهود في شوارع القدس، إنما تسيل من أوردة العالم الإسلامي وشرايينه، ويشعر بألمها كلّ مسلم على وجه الأرض؛ فإن كان الجشع اليهودي قد أنسى اليهود هذه الحقائق؛ فإنّا نرفع بها الصوت عاليا ليعلموها فيعملوا بها، إنهم يبنون لأنفسهم وقوميتهم عداوة في صدر كلّ أسد من آساد محمّد، وإن لذلك أثره، وليعلمُنّ نبأه بعد حين.

ألا فليعلم أسرى الأوهام الصهيونيّة، أنّ فشلهم الماديّ في استعمار فلسطين سيجشّمهم وضع دينار من الذهب تحت كلّ حصاة في أرض فلسطين، ثمّ لا يُنبت لهم الدينار من الذهب إلا حصاة لا قيمة لها!

      وأما فشلهم الأدبي؛ فها هم أولاء قد غرسوا شجرته في أرض فلسطين، وإن كانوا يحدّثون أنفسهم بسقيها من دماء أتباع الهداية المحمّدية؛ فإن غرساً هذا شأنه سيثمر لهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسيُختم لهم به صكّ خذلانهم الأزلي؛ فينسون ماضيه بآتيه، ويعود تاريخهم سيرته الأولى، وتلك عاقبة المعتدين».

      وبهذه الكلمات الصادقات، أقف عن نقل التغطية الإخباريّة التي يطول تتبّعها من على صفحات (الفتح) ليوميّات أحداث البراق، لننتقل إلى مقصودنا في تتبع السياق القضائي والقانوني الذي حرصت (الفتح) على توثيق تفاصيله، متابعة منها لهذه القضية الإسلامية الكبيرة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة