أخبار سريعة
الإثنين 12 نوفمبر 2018

مقالات » كيف نبني شخصية مسلمة

للكاتب: محمود طراد

نسخة للطباعة

كيف نبني شخصية مسلمة


إن أكثر ما يعانيه منه المجتمع المسلم في قضاياه الثقافية، زمرة من المسلمين، استطاعت الثقافات الغربية كسب ودهم وجهودهم؛ فظهر على أيديهم تدين جديد، يحاكي في حياته وشخصيته الحياة الغربية، غير أن فيها بعض الملامح الإسلامية، كالعبادات التي يؤديها من الصلاة والصيام والحج، لكن طريق التفكير غربية خالصة.

شخصية المسلم مستقلة

     إن الإسلام يعلمنا من أول خطوة فيه، أن للمسلم شخصيته المستقلة في مظهره ومخبره؛ لذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بغير المسلم؛ لتظل للمسلم شخصيته، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه»، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله قال فمن؟ «أي إذا لم أكن أقصدهم فمن أقصد؟ بل إنه يدعو إلى المخالفة الواضحة في المظهر؛ فيقول: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». والأحاديث في ذلك كثيرة.

الحكمة من الشخصية المستقلة

     أعظم هذه الحكم أن يكون ولاء المسلم لدينه، وتراثه، وقدواته، التي وضعها الله -تعالى- له على الطريق وعلى رأسهم الأنبياء وأتباعهم من الصالحين والصحابة والتابعين والأئمة؛ بحيث لا يبقى نقص في حياة المسلم، يستطيع أصحاب الأفكار المنحرفة السيطرة عليه منها.

مدى مشروعية التبادل الثقافي

     رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب يوماً من الأيام في بداية إسلامه يقرأ من صحيفة يهودية؛ فمنعه، وكان منعه لحكمة، وهي ألا يتعرض الإنسان للشبهات، إلا بعد أن يتم ترسيخ المفاهيم الإسلامية الصحيحة في نفسها بأدلتها ونصوصها، ثم بعد ذلك قام علماء المسلمين بنقد أفكار الآخرين والرد عليها، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة» يشمل العلوم جميعها، لكن بضوابطها الشرعية، وقد بدأ هذا التبادل الثقافي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، حين بعث بعض الصحابة إلى اليمن لتعلم صناعة السلاح، وحين أمر من الصحابة من يتعلم العبرية.

التبادل الثقافي في العلوم المحرمة

     هذا مايتعلق بالعلوم الجائزة، أما العلوم المحرمة، فلا يجوز الإقدام على تعلمها، كتعلم السحر مثلاً، وأما المعتقدات المحرمة الباطلة فإنما يكون تعلمها لأناس مخصوصين، لهم سمات معينة، وعلوم إسلامية سابقة، وتكون دراسة هذه العلوم لنقدها، وتقييمها، وتقويمها، وتحذير المجتمع المسلم منها، وقد قام بهذا التخصص ثلة كبيرة من علماء المسلمين، وألفوا في ذلك كتباً كثيراً، كالإمام ابن حزم في (الفِصَل في الملل والنحل)، وقام الإمام ابن تيمية في حياته بدراسة الفلسفة اليونانية والرد عليها.

ماذا قبل التبادل الثقافي؟

- أولاً: ترسيخ الثقافة الإسلامية في نفس المسلم، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في السنوات الأولى من البعثة، وهذه الثقافة هي ما تختص بنصوص العقيدة الراسخة، والمصادر المقدسة التي يتم توجيه الطعن لها دائماً، وهي القرآن، والسنة، والتراث الإسلامي؛ بحيث يبقى المسلم في مأمن من الغزو الثقافي.

- ثانياً: ترسيخ القيم الإسلامية لدى المسلم، كالعزة، والعفة، والكرامة؛ حيث إن التبادل الثقافي مع الدول غير المسلمة يحتوى دائماً على تسويق مجموعة من القيم الغربية غير الإسلامية.

- ثالثاً: أن يتم اختيار القائمين على عملية التبادل الثقافي بعناية، فلا يقدم إلا المختصون، ولا يعول إلا على أهل العلم، مع ضرورة تجريم من يتكلم في مثل هذه الأمور بغير تخصص فيضل الناس بغير علم.

الفرق بين التبادل الثقافي والغزو الفكري

     إن التبادل الثقافي ضرورة حضارية في سبيل إيجاد التلاقح بين الثقافات، ويستهدف ترميم الثقافات وتقويمها، أما الغزو فهو خطر لا يستهدف تقويم الثقافات، بل اقتلاعها من جذورها والانقضاض عليها، وقد يكون التبادل دليلاً على قوة الدولتين، وقد يكون الغزو دليلاً على الضعف الحالي للأمة التي توجه إليها عملية الغزو الفكري، وفي التبادل تكتسب الأمم قيماً إيجابية، وفي الغزو لا تستفيد الأمة إلا مجموعة من القيم السلبية.

استلاب الذات نتيجة الغزو الفكري

ينبغي على المسلم أن يعلم أن الارتماء في أحضان تقليد الآخر هو انهزام نفسي، وهروب من الذات وخسارة لها؛ فللمسلم شخصيته القيادية العفيفة عن كل خبيث.

من يبني شخصية المسلم

     إن شخصية المسلم لا تقوم إلا بتضافر مجموعة من المؤسسات، على رأسها مؤسسة الأسرة التي تعرف قيمة العلاقات بين الزوج والزوجة وأبنائهما؛ فإن كانت هذه المؤسسة في حاجة إلى إصلاح أصلاً؛ فالواجب الاهتمام بالمشروعات التي تقوم بعملية الإصلاح، وتأتي مؤسسة الأسرة في المركز الأول؛ لأنها أول الجهات التي تقوم على تثقيف الإنسان، وفيها يأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه..» الحديث.

المؤسسات العلمية والدينية

     لأن هذه المؤسسات تمثل جهاز المراقبة لكل ما يهدد الثقافة الإسلامية، وهي المرجو منها أن تُخرج في كل عصر مجموعة من المختصين، والمفكرين، الذين يعملون على الدفاع عن الثقافة وعن قضاياها، وهي أشد القنوات تأثيراً في الرأي العام، وهي أيضاً القنوات الشرعية للقيام بهذا التبادل الثقافي بين الدول والمجتمعات؛ فهي رقيب على الداخل والخارج.

أخيراً، إن التبادل الثقافي بين المجتمعات بات ضرورة وواقعاً لا يمكن الفكاك منه، لكن ما يمكن فعله هو الاهتمام بالبرامج التي تحمي المسلم من الثقافات الضارة الوافدة.

أبرز خصائص الشخصية الإسلامية وسماتها

إن للشخصية الإسلامية خصائص تمتاز بها عن غيرها، وسنتحدث فيما يلي عن أهمها وأبرزها:

الربانية

     من أبرز وأعظم خصائص الشخصية الإسلامية الربانية؛ فمنطلقات الشخصية الإسلامية من الله، وغاياتها إلى الله، ووسائلها لا تحيد عن شرع الله {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام 162-163. وقال -تعالى-: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}( الأنعام:164)، ومعنى كون الشخصية الإسلامية ربانية المصدر، وأن المنهج الذي رسمه الإسلام للوصول إلى غاياته وأهدافه، منهج رباني خالص؛ لأن مصدره وحي الله -تعالى- إلى خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم، لم يأت هذا المنهج نتجية لإرادة فرد، أو إرادرة طبقة، أو رادة حزب، أو إرداة شعب، وإنما جاء نتيجة لإرادة الله، الذي أراد به الهدى والنور، والبيان والبشرى، والشفاء والرحمة لعباده كما قال -تعالى- يخاطبهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}(النساء:174).

الشمول والتكامل

     كذلك من أبرز سمات الشخصية الإسلامية، أنها تتسم بالشمول والتكامل؛ حيث تجمع بين الجوانب المادية، والروحية، والعقلية جمعا عادلا متزنا، لا تطغى ناحية على ناحية؛ فلا نقصان، ولا طغيان؛ فلا رهبانية في الإسلام، كالمسيحية التي ابتدعوها وما كتبها الله عليهم، ولا المادية المحضة، كالحضارة الغربية التي سماها بعض المفكرين، الحضارة العرجاء؛ لأنها تقوم على رجل واحدة، أو الحضارة العوراء؛ لأنها تنظر بعين واحدة، عين المادية؛ فالإسلام لم يشطر الإنسان إلى شطرين (كما فعلت أديان أخرى) شطرًا روحيًا يوجهه الدين ويتجه به للمعبد، وشطرا آخر ماديا لا سلطان للدين ولا لرجاله عليه، ولا مكان لله فيه.

التميّز والتفرد

     اهتم الإسلام بتميز الشخصية الإسلامية اهتماما كيبرًا، ودعا إلى ذلك بقوة عبر الكتاب والسنة؛ فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المربي الأعظم -حريصًا أشد ما يكون الحرص- على أن تكون للمسلمين شخصية مستقلة متميزة؛ فيكون المسلمون شامة بين أفراد الديانات والأيديولوجيات الأخرى، شامة في جميع مظاهر الحياة، وأنماط السلوك، في المعاملات والعبادات والاتجاهات والوجهات، في جميع شعب الحياة.

الاتزان والاعتدال

     ومن أهم سمات الشخصية الإسلامية أيضا، أنها متوازنة معتدلة، لا تجنح إلى التفريط والتقصير، ولا إلى الإفراط والغلو، ولا ترجح كفة على أخرى، توازن بين متطلبات الحياة ورضا الله، وتعطي كل ذي حق حقه، تعطي لله حقه، وللجسم حقه، وللنفس حقها، وللروح حقها، وللعقل حقه؛ فبهذا التوازن والاعتدال في بناء الشخصية، يستطيع المسلم القيام بأداء رسالته الكبرى؛ من حيث كونه خليفة الله في الأرض، وإلى هذا التوازن والاعتدال في بناء الشخصية، جاءت الإشارة في هذا الحديث الشريف: «إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني».

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة