أخبار سريعة
الأحد 23 سبتمبر 2018

مقالات » تنمية الذات وقيادتها.. إلى أين؟

للكاتب: هناء الأيوب

نسخة للطباعة

تنمية الذات وقيادتها.. إلى أين؟

تنمية الذات- قيادة الذات، تطوير الذات، شعارات ومسميات تتردد كثيرا في السنوات الأخيرة؛ فتؤلف فيها مؤلفات، وتعقد حولها مؤتمرات، كما أنها شغلت حيزا كبيرا في مجال التدريب، علاوة على الندوات والمحاضرات، وهي -إن أحسنا فهمها- مفاهيم ومهارات مطلوب اكتسابها ليعي الفرد أنه مسؤول عن نفسه؛ فتنمية الذات تعني العمل علي نمائها وتطويرها، أما قيادتها فتعني إدارتها والسعي بها نحو أهدافها، ولكن أرى أن هذه المفاهيم تحتاج منا -بوصفنا مسلمين قد أسلموا أمرهم لله تعالى- إلى تمحيص وتصفية، وضبط وتنقية؛ فإن قيل: إن تنمية الذات وقيادتها ما هي إلا علوم تكتسب، وفنون تتعلم، ومهارات تمارس، تظهر لنا هنا تساؤلات عدة:

- وفق أي معايير أنمي ذاتي؟ وما الدوافع التي تدعوني لتطويرها؟

- إلى أين أقودها؟ وما غاياتي؟ هل إلى رضاها ومسراتها اللحظية؟ أم إلى حيث رضا خالقها وإلى سعادتها الأبدية؟

- ما حدود قدراتي في تنمية ذاتي وقيادتها؟ هل هي قدرات غير محدودة؟ أم أن هناك حدودا معقولة قد حددها الله -عز وجل- وقدرها لا يمكن تجاوزها؟!

- ما الوسيلة لتحقيق غاياتي في رحلتي لتنمية ذاتي؟ هل أي وسيلة تحلو لي أو تملى عليَّ ولو لم يقرها الشرع، مثل الاستعانة بغير الله من المخلوقات في هذا الكون الفسيح اتباعا لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة؟! أم أن هناك أطرا مرسومة، وضوابط محددة للوسائل المتبعة في قيادة الذات، قد حددها العليم الحكيم لابد من اتباعها والالتزام بها، ثم الاستعانة بالله -سبحانه- وحده في ذلك؟!

تنمية المسلم لذاته

     ويأتي هنا التأكيد على أن تنمية المسلم لذاته أو قيادته لها ليست مجرد فن أو مهارة، ينبغي تعلمها بأي طريقة كانت، أومن أي علم يقتبس أو أي ديانة بادت، أو من أي فكر دخيل أو أي ثقافة سادت! إنما يكون ذلك بتعلق النفس بهدفها الأعلى، ألا وهو الفوز برضا ربها -سبحانه- ونيل جنات النعيم والحسنى وزيادة، وذلك أقوى دافع للعمل على تنمية النفس وتطهيرها، برعايتها وتربيتها، وإلزامها بالتمسك بالعقيدة والشريعة الإسلامية، مما يتطلب حملها على كل ما أمرها به الله -جل في علاه-، سواء في القرآن الكريم أم في السنة النبوية الصحيحة، وإبعادها عن كل ما نهاها عنه، أو حذرها منه ربنا -عز وجل- ورسوله صلى الله عليه وسلم .

     وهذا ما يشير إليه لفظ التزكية؛ حيث زكى الشيء: أي أزكاه وأصلحه، وطهره، وقد دعانا ربنا -جل وعلا- إلى تزكية أنفسنا بقوله -تعالى-: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}، ومما يذكره الحسن البصري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله -عز وجل-، (وقد خسر من دساها) أهلكها وأضلها وحملها على المعصية، فجعل الفعل للنفس».

أمراض القلوب وشفاؤها

     يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض حديثه عن أمراض القلوب وشفائها: «والزكاة في اللغة النماء والزيادة، وفي الصلاح يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية المصلحة له، ولابد مع ذلك من منع ما يضره؛ فلا ينمو البدن إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلا بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره، وكذلك الزرع لا يزكو إلا بهذا».

تقوى الله هي الانطلاقة

     ولا شك أن تقوى الله هي الانطلاقة لتنمية ذواتنا وقيادتها إيجابيا، ويتطلب ذلك الرجوع إلى خالق الذات؛ لأنه جل ثناؤه أعلم بها، وأدرى باحتياجاتها من أنفسنا، فلا يبحث المسلم عن ذاته عند من استهان بها فأغرقها في ظلمات الشركيات، وامتهنها بطقوس وممارسات غريبة؛ فحري بمن أراد لنفسه الفوز والنجاة أن ينميها بالتزكية بعيدا عن الامتهان، وهو الدونية والاحتقار، «وامتهن الشيء بمعنى ابتذله»، وقد يقوم الإنسان بامتهان ذاته دون أن يشعر، حيث يلبس الأمر عليه بأن ما يقوم به إنما هو تزكية لذاته، ثم لا يلبث أن يزين له الشيطان اتباعه الأمم الهالكة حتى يتبرأ من الإسلام شيئا فشيئا؛ فيصدق عليه وعد إبليس - عليه لعنة الله- في قول الله -تعالى-: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر:36-42).

تنمية الذات بتزكيتها

     وإن تنمية الذات بتزكيتها صعب على من ضعف إيمانه بالله مولاه، واتبع ما يحبه ويهواه، يقول ابن القيم -رحمه الله- في ذلك: «وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة، التي لم يجىء بها الرسل؛ فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم، وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم، والله المستعان».

قيادة المسلم لذاته

     إن قيادة المسلم لذاته تبدأ من إدارة الاعتقاد والأفكار، وذلك بتنقيتها من كل ما يشوبها أو يقدح فيها من مفاهيم خطأ، قد تصنف أحيانا ضمن الشركيات أو الموبقات؛ فإذا صحت العقيدة ونقيت، وصفت السريرة وهذبت، تنطلق المشاعر الإيجابية نحو كل ما هو طيب، فتصبح الطاعات محبوبة للنفس، والمخالفات ممقوتة لها، وحتما يتبع ذلك اختيار الانفعال المناسب في الوقت الملائم، والسلوك السوي والكلام الصائب في مواقف الحياة المختلفة، هذا هو المفهوم الصحيح لقيادة المسلم لذاته بتزكيتها لا بامتهانيا؛ حيث يتم عرض الذات على القرآن والسنة، واتخاذ أسلوب علمي للإبقاء على ما يصلح لها، واستبعاد ما لا يصلح.

     قال -تعالى-: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم:32)، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربه ألا يتركه لهوى النفس قائلا في الصباح والمساء: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».

     ثق بأنه من قاد نفسه نحو الحق كما يحب الله -جل وعلا، لابد وأن ينعم بسلام وسعادة مع نفسه ومع الآخرين، تأكد أن انقيادك لله -تعالى- بالسير وفق مرضاته، وبنور منه، ثم الاستقامة والثبات على نهجه، هو مفتاحك للنجاح في قيادة الآخرين نحو الحق، أما إذا أعرض الإنسان عن ذلك واختار القيادة الذاتية المحضة، فإنما حتما يقود نفسه والآخرين نحو الفشل والهلاك، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، وتأكد أنه متى ما كنت قادرا على تزكية ذاتك بانقيادها لربها -جل وعلا- فسيتبعك غالبا من حولك، دون عناء منك في قيادتهم إلا أن يشاء الله.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة