أخبار سريعة
السبت 23 مارس 2019

مقالات » الحراك التنصيري في الأقاليم الإفريقية(2) إقليم شمال أفريقيا وشرقها

للكاتب: د. كمال محمد جاه الله الخضر

نسخة للطباعة

الحراك التنصيري  في الأقاليم الإفريقية(2) إقليم شمال أفريقيا وشرقها

استكمالا للحديث الذي بدأناه عن  رصد الحراك التنصيري في الأقاليم الإفريقية المختلفة, عبر رصد حركة التنصير في كلّ إقليم على حدة، لمعرفة الوسائل التي يستخدمها، والفئات التي يستهدفها، والمجالات التي يركّز فيها نشاطه، وتكلمنا في الحلقة الماضية عن مفهوم الحراك التنصيري، وذكرنا بعض الإحصاءات، واليوم نتكلم عن الحراك التنصيري في إقليم شمال إفريقيا وإقليم شرق أفريقيا.

شمال أفريقيا

     يكمن أهمية الموقع الجيوسياسي لإقليم شمال إفريقيا، في كونه يجاور الأقطار الجنوبية لقارة أوروبا، ولاسيما غربها الذي يتصل بها عبر مضيق جبل طارق وشبه جزيرة إيبيريا، الذي يضم أقطاراً ذات أهمية في مجال نشر المسيحية في إفريقيا عبر القرون والعقود الماضية، مثل إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا والبرتغال، كما تكمن أهمية هذا الموقع أيضاً في مجاورته لغرب إفريقيا ووسطها، وهما منطقتان تنتشر فيهما المسيحية انتشارا واسعا، وقد هيأ هذا الموقع أن يكون هذا الإقليم تحت المرمى المباشر لحراك المنصّرين؛ مما يدل على أن هذا الإقليم يشهد حراكاً تنصيرياً واسعاً، وأنه خُصّ برصد مبالغ مالية مهمة، تعكس الإصرار على جعل هذا الإقليم من المناطق النصرانية المتميزة.

استخدام وسائل جديدة

     وبجانب رصد المبالغ المالية يسعى المنصّرون في إقليم شمال إفريقيا، الذي يعد أقل أقاليم إفريقيا؛ من حيث عدد المسيحيين - كما أشرنا - إلى استخدام وسائل جديدة غير تقليدية مستنبطة من عصر العولمة، وتقنية المعلومات في أقطار الإقليم دونما استثناء، من إنترنت، وقنوات فضائية، وإذاعات، وغير ذلك، بل توظيف بعض الأغاني التراثية وتحويلها إلى أغان تدعو للتحوّل إلى النصرانية، كما في حالة تحوير أغنية تراثية مغربية ذات مسحة صوفية، إلى أغنية ترغّب في المسيحية.

استغلال الفقر والجهل

وعبر هذه الوسائل وتلك الأساليب، يتم استغلال شرائح في الإقليم، يسود فيها الفقر، والجهل، والمرض؛ مما ترتب عليه انسلاخ عدد غير محدد منهم عن دين الإسلام.

واجهات إنسانية

     إن الحراك التنصيري في إقليم شمال إفريقيا، تقف من ورائه واجهات ذات طبيعة خدمية إنسانية من مؤسسات وجمعيات غربية، أو محلية منتشرة في جميع أقطاره، وتنشط في فترات الكوارث في الإقليم، وهي واجهات محددة الاستراتيجيات، ومتعددّة البرامج لتحقيق أهدافها التنصيرية، ولعل أخطر ما يقوم به المنصّرون في هذا الإقليم، استغلال بعض الإحداثيات التاريخية، فضلا عن تركيزهم على فئة الشباب وطلاب الجامعات, وإغرائهم بالمال، والجنس، والسفر إلى الخارج للعمل؛ لكون هذه الفئة أكثر تسرعاً وحماسة للمغامرة، يقوم المنصّرون باستغلال بعض الإحداثيات التاريخية لخلق بؤر صراع في الإقليم، مثل إحداث فتنة بين البربر والعرب في الجزائر بناء على فكرة أن العرب دخلاء, وهذا كله يشي بأن القائمين على حركة التنصير لديهم المعرفة الكافية بإقليم شمال إفريقيا تاريخياً وجغرافياً وبشرياً ودينياً.

     الحق أن عملية التنصير في أقطار شمال إفريقيا، لم تستطع تحقيق أهدافها، على الرغم من ضراوتها إلا في عدد غير مهم وغير محدد بصورة قاطعة من مواطني تلك الأقطار، لكن هذا لا يمنع قيام هذه الحركة باختراق النسيج الاجتماعي والعقدي لسكان شمال إفريقيا.

     هناك محاولات لإيقاف هذه العملية قامت بها عدد من السلطات في شمال إفريقيا مثل المغرب التي تنبّهت إلى هذا الأمر، وتمّت مناقشته على مستوى البرلمان؛ انطلاقاً من كونها تمس الأمن القومي، وتهتك النسيج الاجتماعي, وفي المقابل نجد بعض السلطات تحاربها بوصفها حالة ظرفية لا أكثر ولا أقل!

إقليم شرق أفريقيا

لإقليم شرق إفريقيا أهمية ذات أبعاد خاصة، لها دور مباشر في عملية اجتذاب أنظار حركة التنصير العالمية إليه، فهذا الإقليم:

يشتمل عددا من الأقطار

- أولاً: يشتمل على عدد من الأقطار ذات الوزن الديني المقدّر على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط، وربما العالمي؛ فإثيوبيا مثلاً تُعَد أقدم الدول التي دخلتها اليهودية والنصرانية والإسلام في إفريقيا, كما أنها أكبر الدول النصرانية التي ينتشر فيها المذهب الأرثوذكسي في إفريقيا، أما كينيا التي تُعَد من الدول المهمة والمحورية لقيادة حركة التنصير في إفريقيا وجنوب غرب آسيا؛ فتُعد من أكبر الدول الإفريقية التي ينتشر فيها المذهب البروتستانتي.

مطلة على أهم الممرات المائية

- ثانياً: دول شرق إفريقيا مطلة ومشرفة على أهم الممرات المائية العالمية؛ حيث تتمتع تنزانيا وكينيا والصومال بسواحل ممتدة على المحيط الهندي, كما تتمتع جيبوتي وإرتيريا بموقع متميز على البحر الأحمر وباب المندب.

يرتبط بعدد من الدول الكبرى

- ثالثاً: ترتبط دول هذا الإقليم بعدد من الدول الغربية الكبرى، المؤثرة في إطار علاقات دينية وسياسية؛ فالحضور الأمريكي ظل مرتبطاً بأبعاده البروتستانتية والسياسية في كينيا، وجنوب إثيوبيا وتنزانيا, والحضور الفرنسي مرتبط بالكاثوليك والوضع السياسي والاقتصادي في جيبوتي, والحضور الإيطالي مرتبط بالكاثوليكيين الذين يشكّلون أقليات مقدّرة في كل دول شرق إفريقيا، ولاسيما إريتريا وجيبوتي وكينيا, أما الوجود البريطاني، فقد ظل حاضراً في إثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا وتنزانيا.. إلخ.

سياسات مهمة

     وبعد أهمية الموقع المتميز لإقليم شرق إفريقيا، استفادت حركة التنصـير أيضاً من جملة السياسات المهمة التي اتخذتها دول مفتاحية في هذا الإقليم، مثل كينيا وإثيوبيا, وقد كان لهذه السياسات التي ترتكز على إلزامية تسجيل الجمعيات والمنظمات، وربط الموافقة بمنح تراخيص المؤسسات الإعلامية بموافقة وزارات حكومية، الأثر الكبير في تكبيل الجمعيات والمنظمات الإسلامية، وفي فتح الباب على مصراعيه للمنظمات والجمعيات الكنسية.

وقد خدمت هذه السياسة عملية التنصير في اتجاهين:

- أولاً: فتحت الباب واسعاً للمنظمات والجمعيات المسيحية؛ لأنها تمثّل دين الدولة, ولاسيما المذهب البروتستانتي.

- ثانياً: وضعت العقبات والعراقيل أمام تسجيل المنظمات والجمعيات الإسـلامية، ومن ثمّ وصمتها بعدم شرعيتها وخطر عملها.

وإن المطّلع على أهم وسائل التنصير في إقليم شرق إفريقيا ليقف على وسيلتين مهمتين، هما:

1 - التنصير عن طريق التعليم.

2 - التنصير عن طريق الصحة والعلاج.

ففي هذا الإقليم تسيطر الكنيسة على مؤسسات التعليم المختلفة في غالبية الأقطار, كما وجدت المنظمات العالمية المختلفة بغيتها في استغلال أوضاع الإقليم، وما يتعرض له من كوارث طبيعية وبشرية.

     إن التعليم في دولة مثل كينيا، وهي دولة تتميز بوجود أميّة عالية، كما تشير بعض المصادر، تسيطر عليه مؤسساتها الكنسية، مشيرة إلى أن 95% من البرامج التعليمية تقوم بها الكنيسة؛ فلا غرو أن نقرأ أن الكنيسة معنية ببناء المدارس, وتنحاز في بنائها بالمناطق ذات التمركز المسيحي, كما أن الكنيسة في كينيا مهمومة بدراسة اللغات المحلية لترجمة الإنجيل إليها.

ذريعة للتدخل

     ومن جانب آخر؛ نجد أن المنظمات العالمية تنشط في هذا الإقليم متخذة من القضايا والمشكلات التي يمر بها ذريعة للتدخل وممارسة عملية التنصير, ولا عجب بعد ذلك أن يكون هناك حضور كبير لمنظمات عالمية، مثل: الصليب الأحمر الدولي، وأطباء بلاد حدود، والرؤية العالمية.. إلخ، وكلها تقوم بالتبشير عبر تقديم خدمة الصحة والعلاج، وعبر بناء المستوصفات، والوحدات العلاجية، ودور كفالة الأيتام.

     مهما يكن من أمر؛ فإن الحراك التنصيري يبلغ مداه في هذا الإقليم في دولتين هما إثيوبيا وكينيا، أما الأولى فلأنها أكبر الدول المسيحية، إفريقياً، في مجال المذهب الأرثوذكسي، فضلا عن رمزيتها الدينية بصفتها أول دولة إفريقية تدخلها الديانات السماوية الثلاث، علاوة على كثرة سكانها وتنوعها الإثني. وأما كينيا فلأنها من الدول المحورية في هذا الإقليم, ولموقعها الاستراتيجي، فضلا عن أنها أكبر الدول الإفريقية؛ من حيث المذهب البروتستانتي.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة