أخبار سريعة
الأربعاء 19 ديسمبر 2018

مقالات » يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ

للكاتب: محمد القاضي

نسخة للطباعة

 

     وصف المولى -جلَّ وعلا- الصحابة بصفاتٍ عديدة، ومدحهم بخلالٍ تخلقوا بها، هذه الصفات كانت السبب الرئيس لكي يسودوا العالم في سنواتٍ قليلةٍ، ومِن هذه الصفات: تلك المحبة التي كانت سائدة بينهم مِن لحظة وطئت أقدام المهاجرين المدينة، تلك المحبة التي أخبر بها الله -جلَّ وعلا- في القرآن؛ إذ يقول المولى -سبحانه-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9).

يصف لك المولى ما في صدور الأنصار تجاه المهاجرين، ولا ينبئك مثل خبير؛ فالمحبة هنا محبة حقيقية، وليستْ محبة مصطنعة؛ فهي قائمة على الإيمان بالله ورسوله، والمشاركة في الطاعات والقربات، وتحمل مسؤولية الديانة.

     هذه المحبة التي وطد دعائمها الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعله عندما آخى بيْن المهاجرين والأنصار، وكان مِن أول الأعمال التي قام بها صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه يعرف ما للمحبة والأخوة مِن أثرٍ في الدعوة إلى الله؛ فالدعوة إلى الله تحتاج إلى المحبة حاجة الدم الى العروق التي يتدفق فيها؛ فوجود قلوب متحابة متألفة في أي مكانٍ في الدنيا مع اتباعهم للشرع وتعظيمهم للأوامر، يعني نجاح الدعوة وانتشارها وتغلغلها في قلوب الناس؛ فالمحبة في الله هي الحضن الدافئ الذي تتهيأ فيه البذور للإنبات، وللزرع أن يؤتي أكله، وفوات المحبة بيْن الإخوان وتآكلها خطر كبير يهدد الدعوة في أي مكان.

     لكَ أن تتخيل تسرب أسباب الشقاق وما أكثرها في هذه الأيام إلى صفوف أبناء الدعوة الواحدة، مِن التقاطع والتدابر والتشاحن لأسبابٍ واهيةٍ، مردها في نهاية الأمر إلى الدنيا وحظ النفس، وقد حذر مِن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (متفق عليه)، وقال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (متفق عليه).

     التقاطع والتشاحن مِن مفسدات الأخوة الإيمانية، ومِن قواطع المحبة، وإذا نظرت إلى الأسباب المؤدية إلى القطيعة؛ تجد المنافسة على المسؤوليات والمناصب منافسة غير حميدة يؤدي إلى التحاسد والتباغض، وهذه الأمراض الخبيثة تودي بالأخوة الإيمانية وروح المحبة بيْن الإخوة؛ فيجب أن ننتبه لهذه الثغرة التي يلج منها الشيطان الرجيم، ويبث مِن خلالها سمومه، وكذلك -بل أشد!- سوء الخلق وبذاءة اللسان، والحدة في الطبع، وعدم مراعاة مشاعر الآخرين حين توجيه الخطاب إليهم ولو كان نصحًا؛ فإن مراعاة مشاعر المتلقي هدي نبوي وسلوك مصطفوي.

كل هذا -وغيره كثير- مِن الأخلاق، الواجب تعلمها والتخلق بها، والأخلاق الرذيلة الواجب تجنبها، والبُعد عنها مِن أجل الحفاظ على المحبة الإيمانية بيْن المؤمنين.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة