أخبار سريعة
السبت 25 مايو 2019

مقالات » شبابنا ثروتنا «احفظ الله يحفظك» منهـــج السـلــف في التعامل مع ولــي الأمــــــــر

للكاتب: الشيخ: رائد الحزيمي

نسخة للطباعة

شبابنا ثروتنا «احفظ الله يحفظك» منهـــج السـلــف في التعامل مع ولــي الأمــــــــر

قال الله -عز وجل- لهارون وموسى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: ٤٤)، هذا توجيه ربانيٌّ كريمٌ لرسولينِ كريمين، بُعِثا إلى شخصيَّة طاغيةٍ إلى فرعون، لقد أُمِرَا بالقول اللين، واللين مطلوب في ذاته؛ لأنه مِن شعائر الدَّعوة إلى الحق، وقد أُمِر به الرَّسول محمد - صلى الله عليه وسلم -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران: 159).

     إنَّ اللين في الدعوة يُعين على التذكُّر، ويحمل على الخَشْية؛ ولهذا كان غاية ووسيلة في آنٍ واحد؛ فهو لا يتوقَّف على الخشية منَ المدعو، بمعنى: أنَّ الداعية إذا خاف منَ المدعو لَانَ له في القولِ، وإذا أمنه أغلظ له؛ فهذا المفهوم يرده سياق الآيات التي أمر الله بها موسى وهارون - عليهما السلام - بهذا الأمر، ذلك أنَّ الله -تعالى- قال لهما: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه: 46)، فقد ضمن لهما السلامة - سبحانه - بعد أن قالا: {رَبَّنَا إِ 1نَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} (طه: 45)؛ أي: نخاف أن يعجل بعقابنا بالقتْل أو بغيره من العقوبات، قبل أن نبلغه الدعوة، ومع هذا الأمن الذي وعد الله به الرسولين، بقي الأمر بالقول اللين قائمًا، لطاغية تجرأ؛ فقال لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات: 24)، وقال لهم: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38).

     بعض الناس يفهم حديث النبي - عليه الصلاة والسلام- فهمًا خطأ: «وكلمة حق عند سلطان جائر»، نعم، لقد فهموه بأهوائهم، فهموه بما يوافق هواهم، «عند سلطانٍ جائر»، اذهب إلى السلطان، هكذا قال الله -تعالى-: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} (طه: ٤٤)، ولكننا لأننا قد نسينا حظًا مما ذُكرنا به، استحققنا من ربنا - عَزَ وَجَل- ما قد اُبتُلي به بنو إسرائيل، {فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} (المائدة: ١٤).

     والحديث في ظلال الجنة كما خرجه الإمام الألباني - رحمه الله- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمرٍ؛ فلا يبدي له علانية»، إذًا لابد أن نعرف كيفية نصح الحاكم، وولي الأمر، ومفاسد المظاهرات، التي قد استهوت، وفتنت كثيرا من الناس.

     قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمرٍ - (نكرة، أي أمر)- فلا يُبدي له علانية»، لا يُظهر الأمر علانية، «ولكن ليأخذ بيده»، انظر إلی التصوير البليغ من النبي - عليه الصلاة والسلام- كأنه يؤكد الأمر، حتى لا يبقى هناك لبس في ذهن إنسان.

     يقول: «ولكن ليأخذ بيده فيخلو به»، بينه وبينه، حتى لا يكون معهم الثالث، «فيخلو به؛ فإن قبِل منه، فذاك، وإلا، كان قد أدى الذي عليه له»، انتهى، إذا قبل منك؛ فالحمد لله رب العالمين، وإن لم يقبل منك؛ فقد فعلت الذي هو واجب عليك وانتهى الأمر، ليس لك من الأمر شيء بعد ذلك.

     وفي صحيح البخاري ومسلم، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْد، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؛ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، مَا دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا، إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَيُلْقَى فِي النَّارِ؛ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ؛ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى؛ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ؛ فَيَقُولُونَ يَا فُلَانُ: مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟، فَيَقُولُ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ».

     قال ابن رجب في (جامع العلوم والحِكم): إن ابن عباس سُئل عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر؛ فقال: إن كنت فاعلًا - تريد أن تأمر السلطان وتنهاه-؛ فإن كنت فاعلًا ولابد ففيما بينك وبينه، فلا يظن إنسان أن من أسَّر النصيحة للسلطان، ذاك جبن، أما الذي يخرج وصوته عال، ذلك شجاع، أبدًا والله الذي لا إله إلا هو.

     يقول ابن النحاس في كتابه: (تنبيه الغافلين من أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين) : «ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة علی الكلام معه علی رؤوس الأشهاد، بل يود لو كلمه سرًا، ونصحه خفيةً، من غير ثالثٍ لهما، أبدًا، من غير ثالثٍ لهما».

     قال حنبل -ابن الإمام أحمد-: «اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق، وشاوروه في ترك الرضا بإمرته، فقال لهم: عليكم بالنكرة في قلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين، وذكر الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - « إن ضربك فاصبر» أمر بالصبر».طبقات الحنابلة (1/ 144 - 145).

     قال الشيخ ابن باز - رحمه الله-: «ليس من منهج السلف -أبدًا- التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك علی المنابر؛ لأن ذلك يُفضي إلی الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلی الخوض الذي يضر ولا ينفع» - كأنه معنا اليوم، توفي -رحمة الله عليه- أكثر من ثلاث عشرة سنة.

     ولكن الطريق المتبع عند السلف، يقول: النصيحة فيما بينهم، وبين السلطان، والكتابة إليهم، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به، حتى يُوجه إلی الخير»، ثم قال: «وإنكار المنكر يكون دون ذكر الفاعل»، لا تقل: فعل فلان؛ فيُنكر الزنى، ويُنكر الخمر، ويُنكر الربا، ولكن لا تذكر الفاعل.

وإليكم كلام الأئمة مجمعين، كالشيخ محمد ابن إبراهيم آل الشيخ، والعلامة محمد بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ سعد بن عتيق، وغيرهم من علماء الأمة، في هذا الزمن، الذي قد جهله الناس اليوم.

     سُئل الإمام مالك - إمام دار الهجرة: أيأتي الرجل السلطان فيعظه وينصح له، يأتيه ويندبه إلی الخير؟ فقال: اسمع كلمة الإمام مالك، صاحب مذهب المالكية يقول: «إذا رُجي - تأمل وأمل- أن يُسمع منه، وإلا؛ فليس ذلك عليه»، ليس كل إنسان يذهب ويتكلم للسلطان، إذا ظن أن السلطان سيسمع منه، نعم، نأذن له أن يذهب إلى السلطان، ولكن ليس ذلك عليه، إن لم يكن يسمع له.

     الإمام الشوكاني - رحمه الله- في كتاب (السيل الجرار) يقول: «ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام، في بعض المسائل، أن يُناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه علی رؤوس الأشهاد، بل كما ورد الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله».

وقد قدمنا في أول كتاب (السير) أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة.

     أختم بكلام شيخنا العلامة ابن عثيمين - رحمه الله- يقول: «الله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وألا يتخذ من أخطاء السلطان سبيلا لإثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور؛ فهذا عين المفسدة وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يحدث الشر والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء.

     الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله- يقول: الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا عرفوا أحدا من العلماء ذكر شيئًا من ذلك.

     وقد حكى الإجماع كذلك ابن حجر العسقلاني في (الفتح) إذا قيل في الفتح فهو شرح الإمام البخاري - فتح الباري- يقول: «وقد أجمع العلماء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء»، وإلى غير ذلك من أقوال العلماء الكثيرة التي بينها علماؤنا الأفاضل - رحمهم الله تعالى.

     وختامًا ألم تشاهدوا كل الذي قلناه؟ ألم تروا المظاهرات ومفاسدها: القتل، والاعتداء على الآمنين الأبرياء، والفتن، والفساد، وتكسير السيارات، وقذف الزجاجات، ومنع الطرق، ومنع المصالح، أهذا إفساد أم إصلاح؟! أليس هذا هو الإفساد؟ يريدون الإصلاح وقدأفسدوا؛ من حيث لا يشعرون.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة