أخبار سريعة
الثلاثاء 23 ابريل 2019

مقالات » بين المذهبية واللامذهبية

للكاتب: الشيخ د. وليد بن إدريس المنيسي

نسخة للطباعة

بين المذهبية واللامذهبية

للفقه طريقتان في دراسته، الطريقة الأولى دراسة المتون الفقهية المذهبية، ويمكن تسميتها طريقة الفقهاء، كأن يدرس الحنبلي في المرحلة الأولى متن العمدة لابن قدامة، أو أخصر المختصرات لابن بلبان، ثم ينتقل في المرحلة الثانية إلى متن زاد المستقنع لموسى الحجاوي، أو دليل الطالب لمرعي الكرمي، ثم ينتقل في المرحلة الثالثة إلى منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحي، أو الإقناع لموسى الحجاوي، ثم ينتقل في المرحلة الرابعة إلى الكافي لابن قدامة، أو المحرر للمجد عبد السلام ابن تيمية الجد، وكذلك كل مذهب يتدرج فيه الطالب على حسب المنهجية المتبعة لدى شيوخ المذهب.

 

     الطريقة الثانية دراسة الفقه من كتب الحديث، ويمكن تسميتها طريقة المحدثين، بأن يدرس الطالب كتب أحاديث الأحكام مثل: عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ المرام لابن حجر، ثم المحرر لابن عبد الهادي، ثم المنتقى لعبد السلام ابن تيمية الجد، ثم كتب السنة كالصحيحين والسنن الأربعة مع شروحها.

 الطريقة الأولى

     من مزاياها أنها تخرج فقيها ضابطا للمسائل، مستحضرا لها، مستوعبا للفروع الفقهية جميعها، متدربا على حل عبارات الفقهاء الغامضة؛ بحيث يستطيع البحث بنفسه في كتب المذاهب، ويحسن الفهم والتصور للمسائل، متأدبا مع أهل العلم، ومن عيوبها قلة اطلاع المقتصر عليها على السنة المشرفة، وعدم إدراكه لوجوه الاستدلال، وقد يحصل له غلو في العلماء، وجمود على الرأي، وتضعف قدرته على الاستنباط فيما يستجد من المسائل.

 الطريقة الثانية

     من مزاياها عدم تعصب الطالب وجموده على قول وتعظيمه للسنة وتوسيع مداركه بدراسة ما في الأحاديث، من علوم حديثية، وتعرف على الرواة وما في الأحاديث من فوائد عقدية، وفي الآداب، والأخلاق، والسيرة وغيره، ومن عيوبها أن الفقه أدلته ليست السنة فقط، بل هناك آيات الأحكام، وهناك الإجماع والقياس، وعمل أهل المدينة، وعمل الصحابي، والمصالح المرسلة وغير ذلك؛ فيفوت الدارس كثير جدا من الفروع الفقهية في كل باب، لكونها لا تؤخذ مباشرة من الحديث؛ فمثلا عدد مسائل متن الزاد، وهو متن مختصر بالمنطوق 2400 مسألة وتصل إلى 6000 مسألة بالمنطوق والمفهوم.

كتب أحاديث الأحكام

     بينما كتب أحاديث الأحكام مسائلها الفقهية لا تصل إلى ربع هذا العدد، وكذلك تؤدي أحيانا عند البدء بدراستها إلى اغترار الطالب وتطاوله على الفقهاء، ودخوله في الاجتهاد والترجيح بغير أهلية، وكذلك يتشتت الطالب لكونه يخرج من موضوع إلى موضوع ثان قبل إتمام الأول، وكذلك لكون المسألة الواحدة تكون مقسمة على أبواب عدة، ويتكرر الكلام عليها مع أحاديث عدة وليست مجموعة في مكان واحد.

الجمع بين الطريقتين

     فلذلك الذي ينصح به، هو الجمع بين الطريقتين؛ فيدرس الفقه على أحد المذاهب الأربعة المتبوعة حسب المنهجية التي يرشده إليها شيخه مع دراسته لكتاب في آيات الأحكام، وآخر في أحاديث الأحكام، وحبذا الكتابان لمؤلفين من مذهبه الفقهي نفسه، حتى لا يتشتت بين ترجيحات متعارضة في المسائل الفقهية. والمذهبية هي انتساب الدارس إلى مذهب من الأربعة، يتدرج في دراسته على حسب المنهجية المتبعة لدى شيوخ المذهب، ثم المنتسب لمذهب قد يقتصر على الطريقة الأولى، لكن الموفقون منهم يجمعون الطريقتين، وأنصار اللامذهبية غالبا يقتصرون على الطريقة الثانية.

 طريقة فقهاء الأمة

     والانتساب إلى مذهب هو طريقة فقهاء الأمة؛ فابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب حنابلة، وابن كثير، والذهبي شافعية، والطحاوي حنفي، وابن عبد البر، مالكي، وهكذا منذ استقرار المذاهب، بل حتى قبلها كان فقهاء الصحابة لكل منهم طلابه، يشكلون مدرسة فقهية كانت هي نواة تكون المذاهب.

     ثم إن الطالب مهما بلغ ذكاؤه وعلو همته، لا يستطيع أن يصير مجتهدا في كل مسألة يستوعب دراسة أدلتها حديثيًا ولغويًا وأصوليًا وفقهيًا؛ فلابد أن يحتاج إلى التقليد في كثير من المسائل؛ فانتسابه إلى مذهب يريحه ويكون مرجحا له عند تكافؤ الأدلة وعدم ظهور رجحان قول على قول فيقلد إمامه.

 مهاجمة المذهبية

     ولأن كل من هاجم المذهبية والتقليد من المعاصرين انتهى به الأمر إلى تقليد ابن باز، أو ابن عثيمين، أو الألباني، أو أمثالهم -رحمهم الله-؛ ففر من تقليد الأئمة الأربعة، ثم قلد من هو دونهم على جلالة قدرهم، ومن آفات اللامذهبية أنها تؤدي بأصحابها كثيرا إلى تبني القول الشاذ، وهو الذي ينفرد به آحاد من الفقهاء، سواء من فقهاء السلف، أو من فقهاء المذاهب.

بينما المذهبي عندما يتبني القول المعتمد في أي مذهب من الأربعة؛ فإن القول المعتمد في المذهب لا يكون قولا شاذا أبدا؛ لأن كل مذهب لا يمثل إمامه فقط، بل يمثل مدرسة تضم عشرات الآلاف من الفقهاء على مر القرون، قد اعتمدوا هذا القول ورأوا رجحانه. 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة