أخبار سريعة
الثلاثاء 23 ابريل 2019

مقالات » أدب الحوار (1)

للكاتب: سامح محمد بسيوني

نسخة للطباعة

أدب الحوار (1)

لا يخلو الإنسان في حياته مِن الحاجة إلى الحوار وآدابه؛ فالإنسان في علاقةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ مع المجتمع والناس مِن حوله، يحاورهم ويناقشهم ويتفاوض معهم؛ فالحوار في حقيقته مراجعة الكلام وتداوله بيْن طرفين أو أكثر بقصد الوصول إلى الحق وإثباته أو رد الفاسد مِن القول ودفع شبهته، بطريقةٍ يغلب عليها الهدوء والتجانس والتفاهم؛ بخلاف الجدال الذي يدل على المخاصمة والمنازعة؛ ولذلك قال الله -تعالى- في سورة النحل: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

     لذا فإن كل باحثٍ عن الحق، وكل داعيةٍ إلى الله، بل وكل صديق مع صديقه أو أخ مع أخيه أو فرد مع أسرته -ولا سيما في تلك الأوقات التي زادت فيها حدة الاستقطاب والاعتداد بالرأي- يحتاج بلا شك إلى معرفة آداب الحوار الواجب اتباعها حتى لا يخرج الحوار عن هدفه فيتحول إلى جدالٍ يؤدي للمخاصمة والمنازعة، ومِن تلك الآداب التي يجب توفرها في الحوار:

1- الإخلاص والإنصاف عند المحاورة

     لابد أن يتصف المحاور بالإخلاص، وأن يقصد بحواره الوصول للحق ابتغاء مرضاة الله وحده، ويظهر أثر ذلك الإخلاص عند حواره مع غيره في إنصافه لمخالفه في نقاط حواره الصحيحة وعدم قصد الانتصار للنفس؛ حيث تظهر صور انتصار المحاور لنفسه غالبًا في العلو على المحاورين الآخرين مع استعراض القوة في الكلام وعلو الصوت، والتعصب في طرح وجهة النظر في محاولةٍ لإثبات صحة رأيه أو رأي شيخه أو مذهبه أو طائفته أو حزبه أو جماعته على رأي غيره، مع الغفلة عن أن ظهور الحق على يديه أو على يد صاحبه خيرٌ للجميع وفضلٌ عليه مِن الله -تعالى.

توجيه قرآني

     وقد وجهنا الله -تعالى- في كتابه الكريم إلى ضرورة التمثُّل بالإنصاف في الحوار، وإن كان معك الحق المطلق كما ذُكر في بيان حوار النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المشركين في قوله -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (سبأ:24)، قال البيضاوي في تفسيره: «( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ): بأنه في صورة الإنصاف المــُسكت للخصم المشاغب».

     فإن كان هذا في الحق الواضح بلا خلافٍ بيْن المسلمين والكافرين، فما بالنا إن كان الأمر اجتهاديًّا بيْن المسلمين؟! فلا يُقال: نحن على حق وأنتم على باطلٍ مِن أول الحوار؛ لأنه حينئذٍ لن يجدي النقاش؛ إذ إن كلًا مِن الطرفين سيتعصب لرأيه، ويدعي أنه وحده على الحق، ولن يسعى حينئذٍ إلى تفهم وجهة نظر الآخر.

التقرب إلى الله

     وقال الجويني -رحمه الله-: «فأول شيءٍ على المناظِر أن يقصد التقرب إلى الله -سبحانه-، ويطلب مرضاته في امتثال أمره -سبحانه وتعالى- فيما أمر به مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الحق، ويتقي الله أن يقصد بنظره أو بمناظرته المباهاة وطلب الجاه، والمماراة والرياء، ويحذر أليم عقاب الله، ولا يكون قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة والقهر».

تجرد الشافعي

وقال الشافعي -رحمه الله-: «ما ناظرتُ أحدًا قط على الغلبة». أي: ما دخلتُ في نقاشٍ مع أحدٍ قط ونيتي أن أغلبه فقط إنما للوصول إلى الحق مني أو منه، بل كان مِن إخلاص الشافعي -رحمه الله- قوله: «ما ناظرتُ أحدًا قط فأحببتُ أن يخطئ».

وقوله -أيضًا-: «ما كلمتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يوفَّق ويُسدد ويعان، وما كلمتُ أحدًا قط إلا ولم أبالِ بيَّن الله الحق على لساني أو لسانه»، وهذا تجرد صعب، لكن مَن أراده، وفقه الله -تعالى- إليه وأعانه عليه.

     وقد رُوي في ذلك ما كان بيْن الشافعي وإسحق بن راهويه -رحمهما الله-، فقد روى الحازمي بإسناده عن أبي الشيخ الحافظ، أنه قال: «حُكي أن إسحق بن راهويه ناظر الشافعي -وأحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال له إسحق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» (متفق عليه)». فقال له إسحاق: حديث ابن عكيم: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، فهذا يشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة؛ لأنه قبْل موته بشهر.

فقال الشافعي: فهذا كتاب، وذاك سماع.

فقال إسحق: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إلى كسرى وقيصر، فكانت حجة بينهم عند الله، فسكت الشافعي. فلما سمع (ذلك) أحمد ذهب إلى حديث (ابن) عكيم، وأفتى به، ورجع إسحق إلى حديث الشافعي».

2- الإلمام بالمَسّألة المتحاور فيها

     قبْل الدخول في الحوار يجب أن يكون المتحاور على علمٍ بالمسألة التي سيكون الحوار عنها؛ لأنه إن لم يكن الإنسان ذا علمٍ بما يحاور مِن أجله؛ فهو بذلك مذموم عند الله، ولا يجوز له أن يدخل في الحوار أصلًا حتى لا يفسد مِن حيث أراد الإصلاح، فقد قال -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف:108)، فجعل البصيرة شرطًا في الدعوة إلى الله -تعالى-، والحوار مِن أعظم أساليب الدعوة، وهو مِن سبل الأنبياء وأتباعهم في تبليغ الحق الذي معهم.

وذم -سبحانه وتعالى- أقوامًا يجادلون بغير علم، وجعل ذلك في حقيقته اتباعا للشيطان، فقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) (الحج:3).

- وذم كذلك أهل الكتاب في محاجتهم فيما ليس لهم به علم، فقال -سبحانه وتعالى-: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (آل عمران:66).

يفسد أكثر مما يصلح

     فحين يدخل بعض الناس في حواراتٍ دون علمٍ أو إعدادٍ -وإن كان معه الحق-، فإنه يفسد أكثر مما يصلح؛ لأنه: إما أن ينزلق للإفتاء أو الكلام بغير علمٍ، فيكون بذلك ممَن يدعو إلى هواه ورأيه وشيطانه، وتلك مصيبة كبرى فيكون حاله كحال مِن قال الله في حقهم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية:23).

ظهور صاحب الباطل

     أو يكون ذلك سببًا في ظهور صاحب الباطل عليه؛ لضعف حجته، فيُلبس صاحب الباطل بذلك على الناس في ترويج باطله؛ لذلك فالواجب على المحاور أن يكون على علمٍ إجمالي وتفصيلي بما يحاور فيه؛ لا سيما إن كان مِن شرع الله المطهر كتابًا وسنةً، وكذلك العلم بالواقع الذي يتعلق بموضوع الحوار والنقاش إجمالًا وتفصيلًا حتى يكون على هدى مِن أمره، ومقنعًا لغيره بما لديه مِن حق.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة