أخبار سريعة
الثلاثاء 23 ابريل 2019

مقالات » نحو ثقافة دينية رشيدة في زمن الشبهات والفتن (3)

للكاتب: أسامة شحادة

نسخة للطباعة

نحو ثقافة دينية رشيدة في زمن الشبهات والفتن (3)

  

 

في ختام هذه المقالات عن ضرورة تحصيل ثقافة دينية شرعية رشيدة، تقي المسلمين من سيل الشبهات والشهوات التي يُستهدفون بها من جهات متناقضة فيما بينها، لكنها متوحدة على المسلمين فقط! سيكون حديثنا اليوم عن منهج الاستنباط من نصوص الوحي، وهو المصدر الثالث لمعرفة الحقائق الدينية، التي أشار إليها الأستاذ بسطامي سعيد في كتابه المتميز (مفهوم تجديد الدين) وهي: «النصوص الموحاة، ومعاني هذه النصوص، والاستنباط منها، ولكل واحد من هذه الأقسام منهج علمي محدد مضبوط؛ فهناك منهج علمي لتوثيق النصوص، ومنهج لطريقة فهمها، ومنهج للاستنباط منها، وما يتوصل إليه عن طريق هذه المناهج حقائق لاشك في ذلك».

     فبعد أن تبين لنا تميز منهجية إثبات النصوص الشرعية ودقتها، وأن هذه النصوص كانت معانيها معروفة معلومة، أخذها الصحابة -رضوان الله عليهم- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثم توارثتها الأجيال؛ فيبقى معنا كيف نستنبط من هذه النصوص الأحكام الشرعية لمستجدات الأمور والقضايا؟ إذ الوقائع متجددة ولا تنتهي، والنصوص الشرعية محدودة!

شبهة واهية

     قد يبدو هذا التساؤل أمرًا ضخما عند كثير من بسطاء المسلمين حين يطرحه أعداء الإسلام، أو بعض من اغتر بهذه الشبهات، لكنه في الحقيقة شبهة واهية، أبطلها العلماء منذ قرون عديدة؛ إذ القرآن الكريم يرشدنا إلى أن النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية شاملة وكافية لكل شيء نحتاجه في أمور الدين؛ ولذلك ختمت النبوة برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن تلك النصوص قوله -تعالى-: {ما فرّطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام: 38)، وقوله -تعالى-: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} (النحل: 89)، والراجح عند جمهور المفسرين أن المقصود (بكل شيء) كما يقول العلامة السعدي في تفسيره: «في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد؛ فهو مُبين فيه، أتمَّ تبيين، بألفاظ واضحة، ومعانٍ جلية».

النصوص الشرعية

     ولذلك جاءت أقوال الأئمة من القرون الأولى بأن النصوص الشرعية فيها كل أحكام الدين للوقائع الحادثة والمستقبلية، قال الإمام الشافعي: «فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» (الرسالة: 19)، وقال ابن سريج: «ليس شيء إلا ولله -عز وجل- فيه حكم» (البحر المحيط: 1/ 217)، وقال إمام الحرمين: «والرأي المبتوت المقطوع به عندنا، أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله -تعالى- متلقى من قاعدة الشرع» (البرهان: 2/3).

الوقائع والمستجدات

     فالنصوص الشرعية فيها الكفاية لكل الوقائع والمستجدات والأزمان، ولكن قد يكون ذلك صريحا ومباشرا، أو غير صريح ولا مباشر؛ فتحتاج إلى استنباط وتدبر، وقام العلماء والأئمة بوضع قواعد وأصول؛ لذلك أثبتت عبر التطبيق والواقع صحتها وصوابها، وأنها استوعبت توسع رقعة دولة الإسلام من جزيرة العرب، لتشمل العالم كله بقاراته وجهاته وتنوع شعوبه وأجناسه، وشملت هذه الأصول والقواعد كل مظاهر التقدم والتطور والنهضة العلمية، والثقافية، والفكرية، التي تشهد بها عصور الحضارة الإسلامية، التي لم تأفل إلا حين تقاعس المسلمون عن التقيد بهذه الأصول والقواعد، وزاحمتها الخرافات والأباطيل والأفكار المنحرفة عن أصول الدين من المذاهب والفرق الضالة، وحين سارت في مسار التغريب وتقليد المحتلين.

استنباط الأحكام الشرعية

     واستنباط الأحكام الشرعية للوقائع المستجدة من النصوص الشرعية كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدرب أصحابه عليه ويصحح لهم، ومن أمثلة ذلك أمره - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في بني قريظة؛ فانقسم الصحابة إلى قسمين، قسم أخروا الصلاة حتى وصلوا بني قريظة وقد خرج وقتها، وقسمٍ قالوا أراد - صلى الله عليه وسلم - أن نُسرع، فصلّوا في الطريق؛ فلما بلغه ذلك أقرّ الطرفين على الاجتهاد. وعندنا قصة الرجلين اللذين فقدا الماء في السفر؛ فتيمّما وصليا، ثم وجدا الماء؛ فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يفعل ذلك الآخر، فقال لمن لم يُعد: «أجزأتك صلاتك وأصبتَ السنة» وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرتين» رواه أبو داود وصحّحه الألباني.

وفي ذلك يقول الإمام النووي: «فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة؛ فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها» (شرح النووي 11/ 58).

عِلم أصول الفقه

     ومن هنا جاء عِلم أصول الفقه الذي يقوم على بيان أنواع الأدلة الشرعية، وهي أربعة أصلية متفق عليها (القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس) وستة فرعية (الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا)، وآليات الاستنباط من الأدلة (العام والخاص، والمطلق والمقيد، والأمر والنهي، وغير ذلك)، وحال المستنبط، ما صفاته وشروطه حتى لا يدخل هذا المجالَ من ليس مؤهلاً، كحال كل العلوم؛ فلا يقبل التطبيب إلا مِن مؤهل طبياً، ولا تُقبل الهندسة إلا ممن هو مؤهل هندسيًا.

     وعلم أصول الفقه علم قديم من زمن الصحابة الكرام، لكن أول من دون قواعدَه هو الإمام الشافعي بعد أن حاول بعض المندسين من الأمم الأخرى بث الشبهات والتحريفات بين المسلمين؛ ولذلك ما يزال أعداء الإسلام منذ زمن الشافعي ولليوم يكرهونه، ويسعون لهدم علم أصول الفقه الذي سد عليهم طريق العبث بالدين من خلال ضبط عملية الاستنباط من النصوص الشرعية بما يوافق مقتضى اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

أصول الإسلام

     كما أن عملية الاستنباط يجب أن تكون متوافقة مع أصول الإسلام المعلومة المشهورة؛ فلا يصح استنباط يبطل أصلا معلوما من الدين، أو يعارض مقصدا من مقاصد الشريعة، كما فعل بعضهم فادعى إبطال فريضة الجهاد ونسخها، بحجة أننا في زمن العلاقات الدولية، وهذا القول -بخلاف أنه يبطل صريح الدين-؛ فإنه وصفة مثالية للرضى بالاحتلال والظلم والعدوان على بلاد المسلمين، وترك الدفاع عن الدين والعرض والأرض، ولا يفعل ذلك شريف أو مخلص.

أقسام الاستنباط

ويقسم بعض الباحثين عملية الاستنباط إلى ثلاثة أقسام هي:

1 – استنباط وتدبّر من النصوص مباشرة، كقصة استنباط علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن أقل مدة للحمل هي ستة أشهر من قوله -تعالى-: {وحمْله وفصاله ثلاثون شهراً} (الأحقاف: 15)؛ إذ الرضاع / الفصال أقصاه عامان/24 شهرا لقوله -تعالى-: {وفصاله في عامين} (لقمان: 14)، والفارق بين 30 شهراً و24 شهراً هي 6 أشهر.

2 – أو قياس على نص شرعي لاشتراك العلة؛ فمثلا من أغمي عليه وجب عليه الوضوء قياسا على وجوب الوضوء على من نام بعلة غياب الوعي، وكتحريم المخدرات قياساً على تحريم الخمر بعلة الإسكار.

3 – أو تحكيم كليات الشريعة من الأمر بالعدل، والتعاون على الخير، والنهي عن الظلم.

     في النهاية؛ آمل أن أكون قد بينت طرفا من أصول الثقافة الدينية الشرعية الرشيدة، التي مَن تحصن بها وقي الشبهات والفتن في هذا الزمان الصعب، وأن لدى المسلمين من المناهج العلمية السليمة والكفيلة بمطارحة أعتى الشبهات والهجمات المشككة، وأن تعلّم هذه العلوم وإشاعتها بين الأجيال عبر وسائل الإعلام والتعليم وبمختلف الوسائل كفيل بحصر دائرة الغلو والتطرف في الدين بظلم وجهل من جهة، ودائرة الانحراف والضلال عن الدين اتباعاً للهوى والشيطان من جهة أخرى.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة