أخبار سريعة
الثلاثاء 23 ابريل 2019

مقالات » السلفية بين الإقصاء والادّعاء (11) السلفية وتقديم النقل على العقل (3) - نقد وتحليل لمؤتمر السلفية تحولاتها ومستقبلها -

للكاتب: د. خالد آل رحيم

نسخة للطباعة

السلفية بين  الإقصاء والادّعاء (11) السلفية وتقديم النقل على العقل (3) - نقد وتحليل لمؤتمر السلفية تحولاتها ومستقبلها -

 

تحدثنا في السابق عن موقف أهل الإسلام من العقل وأنهم على ثلاث طوائف: قوم توسطوا بين من غلا فى العقل وقدسه وبين من عطله وألغاه، وهم أهل السنة والجماعة الذين عرفوا للعقل قدره؛ فلم يغلوا فيه ويجعلوه وحده أصل عملهم، ولم يقروا من الأمور بما يكذب صريح العقل؛ لأن كلا الطرفين مذموم فكان موقف أهل السنة والجماعة هي الوسطية؛حيث عرفوا للعقل قدره، ولم يغالوا فيه أو يعطلوه وإليك نماذج من تعامل أهل السنة مع العقل:

أولاً: الصحابة والعقل

     استخدم الصحابة العقل، وأعملوا الفكر، واستدلوا ببعض الاستدلالات العقلية والمنطقية في المسائل الشرعية والأصولية، قال الإمام أحمد: إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها؛ فلما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت الأعمال؛ فتكلموا فيها بالكتاب والسنة (بيان الإسلام ص88ج 4)؛ ولأن الإسلام حث على استخدام العقل فلن يجد أي إنسان تعارضا بين صريح المعقول وصحيح المنقول وتقديم النقل على العقل من مبادئ أهل السنة والجماعة عند التعارض.

     يقول ابن تيمية: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين نقيضين؛ ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فلو أبطلنا دلالة العقل فلم يصح أن يكون معارضاً للنقل فكان تقديم العقل موجباً عدم تقديمه فلا يجوز تقدمه.

ثانياً: استخدام العقل في عدم وجود نص

     فقد كان الأئمة المجتهدون لا يحيدون عن السنة إلى العقل إلا في حال عدم وجود نص؛ فأصل مذهبهم الكتاب والسنة والإجماع والقياس، عن سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال: يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته(صحيح البخاري).

     وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه (صحيح البخاري)، قال الإمام أبو حنيفه -رحمه الله-: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» وقال: «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا مالم يعلم من أين أخذنا».

     قال الإمام مالك -رحمه الله-: «إنما أنا بشر أخطىء وأصيب؛ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»، وقال الشافعي -رحمه الله-: «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعزب عنه؛ فمهما قلت من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلت فالقول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قولي، وقال: كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا أرجع عنها فى حياتى وبعد موتي».

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: لا تقلدوني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي والأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا.

إعمال الفكر والعقل

     ولذلك السلف جوّزوا إعمال الفكر والعقل فيما يؤدي إلى إظهار الحديث والعمل بمقتضى النقل والرد على المخالفين للكتاب والسنة، ولم يجوّزوا أن يكون النقل مطية للعقل امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - القائل: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه بقبض العلماء بعلمهم فيبقي ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون» (صحيح البخاري).

السلفية لم تقدم النقل على العقل

وختاماً لهذه الجزئية من الرد على شبهة القائلين بأن السلفية تقدم النقل على العقل نقول:

الإسلام كرم العقل

- إن الإسلام كرم العقل وجعله مناط التكليف، وقد حث المولى -تعالى- الإنسان على التفكر والتدبر في أكثر من ستين آية في القرآن الكريم.

العقل له سيادة

- إن العقل له سيادة ولكنها ليست مطلقة، وإنما مقيدة بالشرع؛ فعندما يتعدى حدوده يضل، وقد كانت أول معصية عُصي بها الله -تعالى- كانت بسبب المقارنة العقلية من الشيطان بينه وبين آدم -عليه السلام.

علاقة وثيقة بالشريعة

- إن العقل له علاقة وثيقة بالشريعة؛ حيث جاءت الشريعة فى الأصل لحماية العقل، وجعلته من الضرورات الخمس التى يجب الحفاظ عليها.

جزء من الشريعة

- جُعل إعمال العقل جزءا من الشريعة في غير ما آية في القرآن الكريم كدعوة الله -تعالى- لأهل الكتاب بإعمال عقولهم.

الأدلة العقلية

- اشتمال القرآن على الأدلة العقلية قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: بل قد ضمن كتابه من الأدلة العقلية فى أمر المعاد ما هو بين لعامة العباد، بل ضمن فى كتابه العزيز من الأدلة العقلية على ثبوت الأمر والنهى والوعد والوعيد (درءتعارض العقل والنقل ج7 ص 352).

الأدلة العقلية

- السلف يستخدمون العقل في عدم وجود النص أما فى وجود نص فقد كانوا يتوقفون تماماً.

العقل الصريح

- العقل الصريح لا يتنافي مع النقل الصحيح وهو أصل ثابت؛ فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض يكون بأمرين:

- الأول: أن يكون النقل صحيحاً ثابتاً ويكون الدليل العقلى ليس دليلا معتبرا أو يكون تدخلاً بالعقل فى أمور غيبية لا يدركها ولا مجال له فيها والواجب هنا الانقياد للشرع.

- الثاني: أن يكون الدليل النقلي غير صحيح وفي هذه الحال لا يصلح للمعارضة ولا يحتج به، ولا يخفي أن دلالة العقل متغيرة والعلوم النظرية ليست ثابتة وهي عرضة للتغيير والتطوير؛ ولذلك فلا ينبغي بناء أحكام شرعية على أراء متغيرة تكون مقبولة في يوم ما ومردودة فى آخر.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة