أخبار سريعة
الجمعة 26 ابريل 2019

مقالات » الوقف في مرض الموت وصية - الضابط الثالث

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

الوقف في مرض الموت وصية - الضابط الثالث

باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه، ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم كلّ ذلك على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، واليوم مع الضابط الثالث وهو: الوقف في مرض الموت وصيّة.

معنى الضابط

 إذا وقف واقفٌ شيئًا من ماله في مرض موته؛ فيصحّ الوقف، إلّا أنّه يُنزّل منزلة الوصيّة، ويأخذ أحكامها؛ فيكون وقفُه ولو كان منجّزًا في تلك اللّحظة في حكم أنّه أوصى بالوقف.

أحكام الوصيّة

     وعليه؛ فإنّ هذا الوقف تجري عليه أحكام الوصيّة، ومنها: لا يكون وقفاً على وارثٍ، ولا بأكثر من ثلث التّركة، إلّا إذا أجاز الورثة في كلا الحالتين، وإذا كان الموقوف عليه معيّنًا فردّ الوقف ولم يقبله؛ فإنّ هذا الردّ لا يُعد إلّا بعد موت الواقف؛لأنّ الوقف كالوصيّة، لا يلزم إلّا بالموت إلى غير ذلك.

تبرّعات المريض

     وقد أطلق أهل العلم القول: بأنّ تبرّعات المريض عموماً، إذا كان مرضُه مخوفًا يصلُح سببًا للموت وكان الموت متّصلاً به؛ فكلُّها تجري مجرى الوصايا في الحكم، لا التبرّعات المنجّزة، وفي (قانون العدل والإنصاف): «الوقف في مرض الموت لازمٌ بعده، إلا أنّه يعد من ثلث مال الواقف، سواء نجّز الوقف قبل موته، أو أوصى به بعده».

الواقفون ثلاثة

وفي (ترتيب الصنوف): الواقفون باعتبار حالهم ثلاثة أقسام:

الوقف في حال الصحّة

القسم الأوّل: هو الوقف في حال صحّة الواقف؛ فلو وقف أحدٌ وهو في حال صحّته جميع أمواله على أجنبيٍّ، أو على بعضِ ورثته أو جميعهم، أو على وجهٍ من وجوه البِرِّ، صحّ وقفه، ولا حقّ لورثته لأن يدخلوا فيه، كما لا حكم لإجازتهم أو عدم إجازتهم إيّاه.

الوقف في مرض موت

القسم الثاني: هو الوقف في مرض موت الواقف، بأن يوقف أو يسجِّل أحدٌ وقف ماله، وهو في مرض موته على أجنبيٍّ، أو على جهة برٍّ؛ فإنّ هذا الوقف لا يُعد ولا يُنفّذ إلّا من ثلث مال الواقف، بناءً على إضافة تبرّعات المريض مرضَ الموت إلى ما بعد موته، ولزومها في ثلث ماله فقط.

     وعلى هذا لو وقف أحدٌ وهو في مرض الموت عقارَه على بناته الثلاثة اللّاتي لا وارث له سواهنّ، وجعله من بعدهنّ على الفقراء، ثمّ مات ولم يترك مالاً غير هذا العقار، ولم يُجِزْ بناتُه كذلك وقفَه، لزم الوقف في ثلث هذا العقار فقط، وبطل في ثلثيه الآخرَيْن، ودخل هذان الثلثان ملكاً لبناته في تركته.

الوصية بالوقف

القسم الثالث: هو الوصيّة بالوقف...»، والأصل في ذلك الحديث الذي رواه عمران بن حصين رضي الله عنه ، قال: «إنّ رجلاً أعتق ستّة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم؛ فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فجزّأهم أثلاثًا، ثمّ أقرع بينهم؛ فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعة، وقال له قولاً شديداً»؛ فإنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هنا قد أجرى تصرّفه في ماله بالتبرّع. وهو في مرض الموت مجرى الوصيّة؛ فصحّحها في الثلث فقط، وقال له قولاً شديداً لما فعل؛ لأنّ التبرّع بكلّ المال في مرض الموت مظنّة تهمة.

     قال الطحاوي: «أفعال المرضى في أمراضهم التي يتوفون منها مُقَصَّرٌ بهم فيها عن نفوذها من جميع أموالهم، ومردودةٌ إلى أثلاث أموالهم غير متجاوزة إلى ما هو أكثر منها من أموالهم؛ ولما كان ذلك كذلك، وجب أن يكون من حلّ به مرض قد يحتمل أن يكون يموت فيه، وقد يحتمل أن يخرج منه، ألّا يتَبَسَّطَ في أمواله تَبَسُّطَ الأصِحّاء في أموالهم؛ لأنّه قد يجوز أنْ يكون في مرضٍ يمنعُه من ذلك، وقد يجوز أن يكون في مرض لا يمنعه من ذلك، إلّا أنّ الأولى به الاحتياطُ لنفسه، ولمن حَبَسَ بقيّة ماله -بعد ثلثه- عليه، ممّن يرثه».

ضابط مرض الموت

     قال شيخ الإسلام: «ليس معنى المرض المَخُوف: الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المَخُوفة، وليس الهلاك فيه غالباً ولا مساوياً للسلامة، وإنما الغرض أن يكون سبباً صالحاً للموت؛ فيُضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده، وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه؛ فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه، ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة، لكن يبقى ما ليس مخوفاً عند أكثر الناس والمريض قد يخاف منه، أو هو مَخُوف والرجل لم يلتفت إلى ذلك؛ فيُلْحَظُ ما هو مَخُوف للمتبرّع، وإن لم يكن مخوفاً عند جمهور الناس».

أدقّ ما قيل

     والواقع أنّ هذا الضابط يجمع أدقّ ما قيل في تعريفات الفقهاء لمرض الموت، قال الأستاذ العلّامة مصطفى الزّرقا: «إنّ النظريّة الشرعيّة في مرض الموت، ترتكز على اعتبار أنّ هذا المرض إنذارٌ بحادثة الموت التي تنتهي بها الشخصية والأهلية، ويرتب الشرع عليها أحكاماً جديدة، منها الإرث وحلول الدّيون التي على الميّت؛ إذ ينتقل تعلُّقها من ذمّة المَدين إلى ماله لخراب ذمّته بالموت؛ فتصبح تركته مرهونةً شرعاً بالدّيون؛ فهو بذلك مقدّمة للنّتيجتين الحقوقيّتين السلبيّة والإيجابيّة، اللّتين سيكون حادث الموت المُنْذَر به سبباً لهما؛ فهو مقدّمة لزوال شخصيّة المريض، وانسلاخ أهليّته وملكيّته، وهو أيضاً مقدّمة لثبوت الحقوق العينيّة في أموال المريض، لمن ستنتقل إليهم هذه الأموال بعد موته، من دائنين أو ورثة.

     ففي مرض الموت بدء الزوال وبدء الثبوت فيهما معاً، صيانةً للحقوق التي أثبتها الشرع لهاتين الزمرتين في التركة. وينشأ عن ذلك أنّ الديون تصبح متعلّقة بمال المريض وذمته جميعاً، بعد أن كانت متعلّقة قبل المرض بذمّته فقط؛ وذلك لعجزه عن السعي والاكتساب؛ فتضعُف ذمّته؛ فيُضمّ إليها مالُه توثيقاً.

     والشرع قد أطلق للإنسان أن يتصرّف بثلث ما سيتركه من مال، تصرُّفاً مضافاً إلى ما بعد موته، بالوصيّة ونحوها فيما يرى من وجوه الخير التي يبتغي بها ثواب الآخرة، وقد ألحق حالة المرض الأخير من هذه النّاحية بالموت؛ فالتصرُّف فيها بالتبرُّع وما في حكمه، ولو منجّزاً، يُعد كالتصرُّف المضاف إلى ما بعد الموت.

     فمن هنا يُعد المريض بمرض الموت محجوراً بالنسبة إلى الدّائنين، حَجْراً غير محدّد بحدّ محدود من ماله، وبالنسبة إلى الورثة حَجْراً محدوداً بالثلثين»؛ ولذلك كان المريض المدين الذي أحاط الدَّيْن بماله من المحجور عليهم حتى في الثّلث، ولو وقف في مرض موته فوقفُه منقوضٌ، يُباع ويُوفّى منه الغرماء حقوقهم.

ممّا يُلحَق بهذا الضّابط

     ما لو أقرّ في مرض موته بأنّه كان قد وقف وقفاً سابقًا في حياته؛ فالأصحّ تصحيح انعقاد هذا الوقف، لكنه لا ينفّذ إلّا من ثلث التركة، كالوصيّة، ويكون على غير وارث، إلّا إن أجاز الورثة. وقد حكى ابن المنذر -رحمه الله- أنّ الإقرار بالحقّ في مرض الموت صحيحٌ نافذٌ في الجملة، وجاء في (مجلة الأحكام العدلية): «إقرار المريض في مرض موته بالإسناد إلى زمن الصحة في حكم الإقرار في زمن المرض؛ فلو أقرّ أحدٌ في مرض موتِه بأنّه قد استوفى دَيْنَه الذي على وارثه في زمان صحّته، لا ينفذ إقراره ما لم يجز باقي الورثة, كذلك لو أقرّ أحدٌ في مرض موته بأنّه قد وهب ماله الفلاني حال صحّته لأحد ورثته فلان وأنّه سلّمه إيّاه، لا ينفذ إقراره ما لم يثبت ببيّنة, أو يجزه باقي الورثة».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة