أخبار سريعة
الجمعة 22 فبراير 2019

مقالات » ندوة لجنة الكلمة الطيبة: ( كيف نحقق الأمن؟) التلاعب بالمفاهيم الشرعية يؤدي إلى خلل في فهم الكتاب والسنة

للكاتب: المحرر المحلي

نسخة للطباعة

ندوة لجنة الكلمة الطيبة: ( كيف نحقق الأمن؟) التلاعب بالمفاهيم الشرعية يؤدي إلى خلل في فهم الكتاب والسنة


استكمالا لما بدأناه في العدد الماضي من عرض لما جاء في الندوة العلمية التي أقامتها لجنة الكلمة الطيبة بجمعية إحياء التراث الإسلامي التي كانت بعنوان: (كيف نحقق الأمن؟)، واستضافت فيها كلا من رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ د. محمد الحمود النجدي، ومدير مركز تعزيز الوسطية، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية د. عبد الله الشريكة، وقد تعرضنا في المرة الماضية لكلمة الشيخ النجدي وها نحن أولاء نكمل تلك الكلمة.

المفاهيم والمصطلحات الشرعية

لابد أن يراعي الإنسان المفاهيم والمصطلحات الشرعية، التي قررها العلماء عبر القرون المتطاولة؛ فلا يجوز للإنسان أن يتلاعب بهذه المصطلحات، ولا بهذه المفاهيم؛ لأن هذا يؤدي إلى حصول خلل في الفهم عن الكتاب والسنة.

     والله - سبحانه وتعالى- قضى أن يكون هناك اختلاف في خلقه، وهذا الاختلاف، تارةً يكون جائزًا، وتارةً يكون مذمومًا، والاختلاف الجائز، هو الاختلاف في الاجتهاد ويتمثل في، وأن يجتهد العالم، أن يجتهد الفقيه في شيء، ويخطئ في هذا، وله حجة، أو له استنباط، أو منزِع من آية أو حديث.

الاختلاف المذموم

     أما الاختلاف المذموم؛ فهو الاختلاف مع وجود النص الصحيح الصريح؛ فهذا اختلافٌ مذموم، ولابد أن نعلم أن الاختلاف واقع، ولكننا أمرنا بتقليله ما استطعنا، وقد اختلف الصحابة في أشياء، ولكن هذا الاختلاف لم يكن سببًا ضارًا في اجتماعهم، ولا كان مؤديًا إلى فُرقتهم، ولا كان سببًا في تسلط الأعداء عليهم، لا أبدًا، فالصحابة اختلفوا في قضايا فقهية كثيرة، ولكن هذا الاختلاف كان محمودًا؛ لأنه ضمن المسموح به من الاجتهاد في فهم نصوص القرآن والسنة.

الأمن التربوي

الأمن التربوي، هو أيضًا جانب عظيم نحتاجه، وهو يحقق لنا وجود الجيل الصالح، والنافع لأمته، والبنّاء، والذي يأتي منه كل خير، وهذا الأمر يا إخوة، أمر مهم وضروري، الأمن التربوي يقوم على أمور:

الاهتمام بالعلم الشرعي

- أولها: الاهتمام بالعلم الشرعي، والاهتمام بتحصين النشء، وتربيتهم على الكتاب والسنة؛ فكثير من أسباب الانحراف الفكري، سببه البعد عن التأصيل الشرعي، وعن التربية الصحيحة، التربية الربانية، التي ذكر الله -تبارك وتعالى- أصولها في كتابه، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أصولها في سنته القولية والعملية؛ فنحن عندنا -والحمد لله- تراث تربوي عظيم؛ فالواجب التربية على منهاج النبوة، على ما جاء في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله.

نشر الاعتدال

     من أوجه التربية المطلوبة: نشر الاعتدال، والوسطية في التربية، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تساهل، بل وسط، كما أمرنا الله - عَزَ وَجَل- {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} (الفاتحة: ٦)، أمرنا أن نسأله الاعتدال والوسطية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (الفاتحة ٦: ٧)، صراط ليس فيه غضب لله، وليس فيه ضلال، بل هو صراط وسط، كما يريد الله -سبحانه وتعالى- وما أمر الله -سبحانه وتعالى- بأمرٍ، إلا وكان الناس فيه ثلاثة أوجه: غلو، وتفريط، ووسط.

ربط الشباب بالقدوات

     أيضًا من الأمور المهمة في التربية: ربط الشباب والناشئة بالقدوات بالعلماء، والمصلحين الربانيين، الذين خرَّجوا لنا أجيالاً مباركة عظيمة، رفعت شأن هذه الأمة، والرسول صلى الله عليه وسلم  بيّن أن من أسباب الخلل العظيم في الأمة، موت العلماء: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا؛ فسُئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

إذًا البعد عن أهل العلم الذين أمرنا الله -عزوجل- أن نسألهم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: ٤٣)، ينتج خللا عظيما في الأمة، وفي فكرها، وفي منهاجها، وفي عقيدتها؛ لأن الجهل سبب عظيم للخلل والانحراف الفكريين.

كيف يحصل الأمن الفكري ؟

كيف نقي الأمة من الانحراف الفكري؟ كيف نقيها من الوقوع في العوج الذي حذر الله -سبحانه وتعالى- منه في كتابه وحذر منه رسوله  صلى الله عليه وسلم ؟

هذه الأمة فِرق

- أولًا: لابد من البيان للناس أن في هذه الأمة فِرقا قد انحرفت عن الصراط المستقيم، وهذا أمر -مع الأسف الشديد- يغفل عنه كثير من الناس، حتى بعض الدعاة لا يريد أن يعترف، ولا يريد أن يبين للأمة أن هناك أناسا داخل هذه الأمة قد انحرفوا عن الصراط المستقيم، حتى إن بعضهم يضعف حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»؛ فيقول: هذا الافتراق الذي ليس فيه خروج عن الإسلام، وليس فيه ذاك الضرر البالغ، وإنما هو من الاختلاف الذي أصحابه كلهم أهل خير وأهل صلاح.

تحذير للأمة

     النبي صلى الله عليه وسلم  إنما قال ذلك تحذيرًا للأمة ووقاية؛ فأنت عندما تقرأ القرآن والسنة وتتعلم، لابد أن تحذر من الانحراف في الفهم والمعنى؛ لأن التحريف للمعنى سبب عظيم لضلال فرق كثيرة، وبعض هذه الفرق قد يكون عندها حسن ظن، يعني لا نتهم كل الذين ضلوا وخالفوا الصراط المستقيم، لا نتهمهم دائمًا أنهم أصحاب نية سيئة، لا، أحيانا يكونوا من أصحاب النوايا الحسنة، كما جاء في حديث ابن مسعود؛ لما رأى الناس يسبحون بالحصى قال لهم: إما أنتم على هدي أو ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، والله ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لم يبلغه - أو لن يبلغه- لماذا؟ لن يبلغه؛ لأنه يسير على غير الصراط المستقيم، غير المنهج الصحيح، فلابد من التحذير من الفرق الضالة، وبيان اعتقاداتها وما تحمله من أفكار هدامة، وضالة.

أعمال أهل الضلال

     كذلك يجب التحذير من أعمال أهل الضلال، من بدعهم، من خرافاتهم، من منكراتهم التي يفعلونها أحيانًا بوجه العبادة، يفعلون المنكر على وجه العبادة كمن يستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أو يدعي حضوره للموالد، وسماعه لمن يناديه، وما أشبه ذلك؛ فالتحذير من هذا، تحذير من الغلو الذي هلكت به الأمم قبلنا، الله - سبحانه وتعالى- يقول في كتابه {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه} (النساء: ١٧١)؛ فالنصارى غلوا في عيسى، وادعوا أنه إله أو ابن إله؛ فالله - سبحانه وتعالى- حذرنا من الغلو، وفي الحديث «إياكم والغلو؛ فإن الغلو أهلك من كان قبلكم». وفي الحديث: أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «دعوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة اختلافهم وسؤالهم على أنبيائهم؛ فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».

الطرق المخترعة

     كذلك التحذير من الطرق المخترعة في العبادة، والطرق المخترعة في التقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- كما نحذر من الانحراف الفكري، البدع الفكرية، لا شك أن البدع الفكرية أخطر من البدع العبادية والبدع في القربات؛ لأن البدع في الفكر وفي العقيدة وفي المنهج يترتب عليها أخطار عظيمة أكبر من الانحراف والبدع العبادية، وإن كان الجميع مذموماً؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: ٣)، والرسول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث المشهور قال: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا»، المخرج: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين».

التحذير من الأئمة المضلين

     أيضًا من الأمن الفكري: التحذير من الأئمة المضلين، إذا اشتُهر إنسان بالدعوة إلى الضلال، والدعوة إلى البدع المنكرة؛ فإنه يجب التحذير منه ويحرم السكوت، بعض الناس يقول: المصلحة أن نسكت، المصلحة ألا نتكلم، لا، نقول من اشتُهر ببدعة ضلالة وجب التحذير منه حماية للأمة ولأمنها الفكري العقدي، ولأمن شبابها ونسائها ورجالها، لابد أن نحذر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال في الحديث: «إن أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون»؛ لأن إمام الضلالة هذا كم سيضل بسببه؟ ولاسيما اليوم وجدت عندنا المنابر المفتوحة، تجد بعض هؤلاء له من المتابعين بالملايين، إذا كتب كلمة وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم  بيّن خطر هؤلاء الذين يضلون الناس بغير علم، ويحرفونهم ويكونون سببًا في ضلالهم وانحرافهم عن الجادة المستقيمة، والله -تبارك وتعالى- قد ضرب لنا مثلًا علماء السوء من حملة التوراة يقول الله -عز وجل- {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} (الجمعة: ٥).

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة