أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يونيو 2019

مقالات » حقوق العمال وواجباتهم في الإسلام

للكاتب: د. أحمد محمد لوح

نسخة للطباعة

حقوق العمال وواجباتهم في الإسلام

لقد جاء الإسلام بتعليمات كريمة ومبادئ عظيمة، من أخذ بها عز في دنياه، وفاز في أخراه، وقد أنشأ الإسلام مبدأً تقوم عليه تلك التعليمات ألا وهو العدل، العدل -عباد الله- مصدر الأمن والاستقرار في الأرض، هو مصدر ضمان الحقوق واطمئنان النفوس، بالعدل يعمر الكون، وعليه قامت السماوات والأرض، بالعدل رست لكل فرد ولكل جماعة، ولكل قوم، ولكل أمة قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل ولا تتأثر بالأهواء، ولا بمودة ولا بغضاء، لا تتغير مجاراةً لقرابة أو مصاهرة أو قوة أو ضعف أو غنى أو فقر، إنما تكيل وتزن للجميع بمكيال واحد، هو العدل.

 

الوفاء بالعهودِ

     ومِن خُلُق المؤمن الوفاء بالعهودِ والالتزام بالعقود {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة:1)، {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعون} (المؤمنون:8)، وفي الحديث القدسيّ: «يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا»؛ فالمؤمِن إذًا لا يظلم أحدًا بجحدِ حقِّه أو خيانة وعدِه، بل هو ملتزمٌ بالوفاء طاعةً لله وإظهارًا لمحاسن هذا الدين الذي جاء بما يحقِّق للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة.

الناس طبقات

     واقتضت حكمة الله أن يفاوِت بين الناس، ويجعلهم طبقات: هذا شريف وذاك وضيع، غني وفقير، رئيس ومرؤوس، عالم وجاهل؛ ليحتاجَ الناس بعضهم إلى بعض، قال -تعالى-: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}(الزخرف:32)، يقول المفسرون: أي: ليسخَّر بعضهم لبعض في الأعمال والحرف والصنائع، لو تساوى الناس في الغنى ولم يحتج بعضهم لبعض لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم.

في ظلال العدل

     في ظلال العدل تطمئنّ النفوس، وبامتداد رواقه تسكن القلوب، ألا وإن من أمور العدل الواضحة إنصافَ الأجير ورعاية حقه؛ لأنه إنسان يحسّ ويشعر ويتألّم كما تتألم؛ ولهذا فقد رسم لنا ديننا طريق التعامل مع الأجراء والمستخدمين، وأوضحها أيما إيضاح، بل إنه لا يخلو كتاب فقهيّ من باب عقد في بيان أحكام الإجارة والأجير.

إن العدلَ مع الأجير وإعطاءه حقَّه وحسن التعامل معه ليس خلقًا كريمًا فحسب، بل هو عمل صالح يتقرَّب به إلى الله -سبحانه- كما يأتي في الحديث المشهور في قصة الثلاثة الذين أووا إلى غار.

قواعد عظيمة

وهناك قواعد عظيمة رسمها لنا ديننا في التعامل مع الأجراء:

تحديد العمل وتحديد الأجرة

     حينما يتعاقد شخص مع آخر على عمل معيّن؛ فلابد من تحديد العمل وتحديد الأجرة قبل البدء في العمل؛ فهذا نبيّ الله موسى -عليه السلام-؛ لما ذهب إلى الرجل الصالح: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}(القصص:27)؛ فحدّ له الأجرة قبل أن يبيّن له العمل.

معاملة العمال بالعطف والرحمة

روى الإمامان البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم».

ألا يكلفه فوق طاقته

     فلا يطلب منه ما يعجز عنه، روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلَّف من العمل ما لا يطيق»؛ فالشرع رتب ثوابا عظيما على الأمانة والصّدقِ في التّعامل؛ فأخبرنا عن الثلاثةِ الذين آواهم المبيتُ إلى الغار؛ فانطبقت عليهم الصَخرة؛ فأصبحوا لا يستطيعون الخروجَ من هذا الغار؛ فقال كلٌّ منهم: كلٌّ يتوسَّل إلى الله بصالح عمله؛ فقام الثّالث فقال: اللّهمّ إني استأجرتُ أجراءَ؛ فأعطيتُهم حقوقَهم إلا واحدًا ترَكَ الذي له وذهَب؛ فثمَّرتُه له حتى كان منه إبلٌ وبَقَر وغنم وزرع؛ فجاءني بعد حين وقال: يا هذا، أعطني حقّي، فقلتُ له: كلّ ما ترى من إبلٍ وبقر وغنم وزرعٍ فهو لك، قال: أتستهزئ بي؟! قلت: لا، كلُّ ذلك لك، قال: فأخَذَه كلَّه ولم يدَع لي منه شيئًا، اللّهمّ إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك؛ فافرُج عنّا ما نحن فيه؛ فانفَرَجت الصخرةُ؛ فانظر إلى هذه الأمانةِ وهذا الصدق وهذا التعامُل الخالِص، ذهب ذلك العامِل وترك حقَّه لأمرٍ ما، وهذا الأمينُ ثمَّره له ونمَّاه له وأعطاه كلَّه ولم يطلب منه شيئًا، تركَه ابتغاءَ مرضاةِ الله وتقرّبًا إلى الله؛ فصار عملاً صالحًا نفعَه في تلك المضائق.

من المخالفات الشرعيّة

ومن المخالفات الشرعيّة إساءة المعاملة مع الأجير أو الخادم، وقد توعّد الله عليها، وحذّر منها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنها:

عدم إعطاء الأجير أجرتَه المتّفق عليها

روى الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا؛ فاستوفى منه ولم يعطه أجرته».

المماطلة وتأخير مستحقّه

     وهو منكر كبير، صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه»؛ فترى أحدهم يعمد إلى المماطلة شهورًا عديدة، حتى ربما ملَّ العاملُ وسئِم ووافق على اقتطاعِ جزءٍ منه مقابِلَ إعطائه بقيّة الحقوق، وهذا منَ الظلمِ والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل.

العنف والقسوة في معاملة العمال

      روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خدم؛ فأخذ أبو طلحة بيدي؛ فانطلق بي، حتى أدخلني على النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ فقال: يا نبي الله، إنّ أنسًا غلام كيس لبيب فليخدمك، قال أنس: فخدمته في السفر والحضر عشر سنين من مقدمه المدينة حتى توفي، ما قال لي عن شيء صنعته: لم صنعت هذا ولا لشيء لم أصنعه لمَ لم تصنع هذا؟.

ومِن الأخطاء أيضًا أن يكونَ في العقود بعضُ المميِّزات لذلك العامل، لكن ترى ربَّ العمل يحاوِل التخلّصَ منها بأيّ حيلة يحتالها؛ فيقف هذا العامل ضعيفَ القدرة قليلَ التصرّف، لا يستطيع الدّفاعَ عن نفسه؛ لأنَّ صاحبَ العمل ظالم لا يخاف الله ولا يرجوه.

واجبات العمال

وفي المقابل يجب على العامل أن يخاف الله ويحترم العقد :

     فلا يتحايل على أوقات الدوام ولا يتمارض، ولا يخون صاحبه؛ فيأخذ من ماله، أو بضاعته، أو صناعته شيئا إلا بإذنه، وليحرص على إتقان العمل؛ وليراقب ربه في عمله، وإن كان في غياب صاحب العمل، وليحافظ على معدات العمل وآلاته، من سيارات، وهواتف، ومؤن؛ فلا يستخدم هذه المعدات في أغراضه الخاصة، وليحافظ على كتمان أسرار العمل، إن كان له أسرار، ولاسيما الأمناء والسائقين، وليحذر من العمل الإضافي في أوقات العمل ما لم يكن بإذن صاحب العمل.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة