أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » أدب الحوار (4)

للكاتب: سامح محمد بسيوني

نسخة للطباعة

أدب الحوار (4)

قال الله -تعالى-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة: 83)، وقال -تعالى-: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل: 125)، لا يخلو الإنسان في حياته مِن الحاجة إلى الحوار؛ فالإنسان في علاقةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ مع المجتمع والناس مِن حوله، يحاورهم ويناقشهم ويتفاوض معهم؛ لذا فإن الإنسان يحتاج بلا شك إلى معرفة آداب الحوار الواجب اتباعها حتى لا يخرج الحوار عن هدفه؛ فيتحول إلى جدالٍ يؤدي للمخاصمة والمنازعة، وفي هذه السلسلة نستعرض تلك الآداب.

كن واضحا ولا  تراوغ

     يحدث غالبا أثناء الحوار أن يقع أحد المتحاورين، أو كلاهما في أخطاء، أو أفعال تتسبب في سوء الفهم بينهما وعدم الخروج بحقيقةٍ صادقةٍ عن الحوار عند المتابعين، وقد تكون هذه الأفعال متعمدة يريد منها أحد المتحاورين إرسال رسائل سلبية عن محاوره، (أو) عفوية تؤدي إلى عدم الوصول للهدف المطلوب مِن الحوار الدائر، هذه الأخطاء تتمثل في أمور عدة، منها:

الاجتزاء مِن الكلام

     كأن يأخذ أحد المتحاورين جزءًا مِن الكلام ويترك أجزاءً أخر؛ فتجده يأخذ طرفًا مِن الحديث، ثم ينهال في الهجوم أو الدفاع قبْل أن يسمع بقية الكلام، بينما قد يكون ما رد عليه موجود تفصيله وبيانه في بقية الكلام الآخر، ولو أنه تأنى وسمع الباقي مِن الكلام لوصل إلى الحق المنشود، أو قد يتعمد أحد المتحاورين اجتزاء بعض الكلمات مِن السياق ليحاج بها محاوره أمام المتابعين، وهذا مِن دلائل عدم الصدق والإنصاف.

خلفيات ذهنية مسبقة

     الاستماع  إلى أقوال الآخرين بخلفيات ذهنية معدة  مسبقًا، كأن تسمع عن شخص أشياء ثم تأتي تتناقش معه؛ فتفسِّر كلامه بناءً على ما سمعته عنه، وقد يكون ما سمعته عنه غير دقيق ولا صحيح؛ فتبدأ مِن باب اتهام النيات تفسِّر كلامه على ما في ذهنك أنت، ولا تتجرد بحيث تفهم كلامه على حقيقته، وهذا أمر يجب التحرز منه، لاسيما وأن الإنسان لا يخلو مِن خلفيةٍ معينةٍ عند النقاش مع أي شخص.

الألفاظ والمصطلحات

     الاختلاف باستخدام الألفاظ  والمصطلحات، لابد مِن ضبط المصطلحات والألفاظ المستخدمة في النقاش وتفسيرها؛ لأن الألفاظ والمصطلحات هي في الحقيقة قوالب المعاني، وهذه المعاني إذا لم تُحكم ألفاظها واصطلاحاتها أثر ذلك تأثيرًا كبيرًا على المفاهيم، وإذا اختلفت المفاهيم انعدمت أسس الحوار وصار الحوار جدالًا عقيمًا.

      وقد جاء القرآن الكريم بالحث على ضبط الألفاظ وتحريرها وتجنب الألفاظ المحتملة الموهمة لمعاني عدة؛ وذلك حتى لا يفهم غير مقصودها؛ فتكون وسيلة للتشغيب، أو سوء الاستغلال مِن المخالِف، كما في قوله -تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: «في هذه الآية دليلان: أحدهما: على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغضِّ»، وكذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومعرفتنا بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في معرفتنا مقاصدهم، ثم نحكم فيها كتاب الله -تعالى-؛ فكل مَن شرح كلام غيره وفسَّره وبيَّن تأويله، فلابد مِن معرفة حدود الأسماء التي فيه».

الهدوء .. الهدوء

     الحوار الناجح هو ذاك الحوار الذي يتسم المتحاوران فيه بالاتزان والهدوء؛ فحدة المزاج وانفلات الأعصاب وارتفاع الأصوات أثناء الحوار يفسد أكثر مما يصلح؛ مما يتطلب معه الحرص الشديد على الهدوء أثناء الحوار، بل والحرص على اختيار شخصيات ذوي خلق عال موسومة بهدوء الطبع أصلا، وثبات انفعالي جيد، لاسيما أن الطبائع الكامنة في النفوس تميل غالبًا أثناء النقاشات والمناظرات إلى الغليان والانفعال، والعصبية واندفاع الكلمات، بل أحيانًا إلى التهكم والسخرية بأقوال الآخر.

أخطر آفات الحوار

     ويعد الصراخ وعلو الصوت مِن أخطر آفات الحوار؛ لأنه يؤدي إلى فقد الحوار لثمرته المرجوة مع ما يترتب على ذلك مِن إفسادٍ للعلاقات بيْن المتحاورين، -ومع الأسف-؛ فإن مِن المفاهيم الخطأ: أن يظن بعضهم أن الحوار -مثلًا- مع أهل البدع يقتضي إظهار الغضب ورفع الصوت وتقطيب الجبين، وكأن هذا هو مقتضى نصرة الحق، وهذا غير صحيح؛ لأن الغرض مِن الحوار هو إظهار الحق، وإقناع المحاور والمستمع بهذا الحق.

     لذلك لما أمر الله -عز وجل- موسى -عليه السلام- بالذهاب إلى فرعون لمحاورته في بني إسرائيل -وهو مَن هو في الكفر والطغيان-، قال الله -تعالى- له ولأخيه: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}؛ فأمره بالقول اللين الذي يَستلزم الهدوء وحسن العرض، بعدم رفع الصوت وإظهار الغضب، لعله ينتفع بما يسمع.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-: «الغضب نوعٌ مِن الغلق تستغلق به على الإنسان الأمور، وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب، الغضب عدو العقل وهو للعقل كالذئب للشاة قلما يتمكن منه إلا اغتال العقل».

وصدق الشافعي في ذلك حين قال:

إذا مـا كـنـت ذا فـضـلٍ وعلـمٍ                                        بما اختلف الأوائل والأواخـر

فناظـر مَن تناظر في سـكـونٍ                                        حليمًا لا تلح ولا تكابـر

يـفيدك ما استفاد بلا امتـنـانٍ                                        من الـنكـت اللطيفة والنـوادر

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة