أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » الممانعة ودورها في حسم الصراع بين الحق والباطل (1)

للكاتب: الشيخ شريف الهواري

نسخة للطباعة

الممانعة ودورها  في حسم الصراع بين الحق والباطل (1)


قال الله -تعالى-: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}(البقرة: 217)، قال أبو جعفر :أي: هم مقيمون يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردوهم إلى الكفر؛ ولا يخفى على كل مسلم ما تتعرض له أمتنا من غزو فكري، واجتياح حضاري، ومحاولات تذويب هويتها وتمييعها وتشويهها؛ لذلك فإنَّه يجب على كل مسلم صغيرًا كان أم كبيرًا، رجلاً كان أم امرأة، أن يقوم بدوره -حسب استطاعته- في تحقيق الممانعة لكل ما يخالف الإسلام من أفكار وسلوكيات، يُراد لها أن تتسرب الى أمتنا لتصبح واقعًا تتقبله الأجيال القادمة.

والممانعة التي نعنيها تشمل معاني  عدة منها:

- الثقة واليقين بأن دينَ الاسلام دينٌ شامل لكل جوانب الحياة، وأنه مناسبٌ لكل زمان ومكان، وأنه السبيل الوحيد لتحقيق السعادة الحقة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة.

- الثبات على المبادئ والقيم والأخلاق المميزة لهذه الأمة والفارقة لها عن غيرها.

- عدم الانبهار بما عند الغرب من مظاهر التحضر المادي ، والتطور التقني ، والمتاع الجسدي، والنظر بعمق إلى ما يعانيه الغرب من الخواء الروحي، والتحلل الأخلاقي ، والتفسخ الاجتماعي .

- نقد ما يفد إلينا من أفكار ومناهج وقيم وعادات وسلوكيات وعرضها على كتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بفهم صحابته الكرام - رضي الله عنهم-   وما أجمع عليه سلف الأمة -رحمهم الله-  ورفض كل ما يخالفها.

- الانتباه لوسائل الغزو الفكري الناعم، ومحاولات اختراق المنظومة القيمية للأمة التي تختلف وتتطور مع تطور وسائل الاتصال، وأساليب التأثير

- بذل أقصى الجهد، واتخاذ الوسائل المباحة المتاحة لمنع تسرب تلك المخالفات إلى الأمة والوقوف حائط صد أو درعا واقيا أمام وسائل تمرير تلك المخالفات.

- العمل على تنقية كل ما تسرب بالفعل إلى واقعنا من تلك المخالفات في جوانب الحياة كلها وإزالتها.

الممانعة ليست رفضًا

     هذا ولا نعني بالممانعة تعميم الحكم بالرفض على كل ما عند الغرب حتى ما عندهم من وسائل ومبتكرات وأبحاث وتقنيات تندرج ضمن دائرة المباح في شريعة الإسلام، أو استعمال أساليب العنف والاعتداء والقسوة والغلظة التي تخالف شريعة الإسلام بحجة الدفاع عن الإسلام

وسائل منع الممانعة

     بدأ الصراع بين الحق والباطل مع بداية وجود بني آدم، وسيستمر إلى نهاية الحياة، وتتعدد أساليب هذا الصراع، وتختلف ساحاته، وتتطور وسائله مع مرور الزمن، ولا شك أن الباطل فقيه في الشر، يُحسن المناورة والتشكُّل حسب ظروف كل ساحة من ساحات الصراع، ومن أهم أهداف أهل الباطل قتل الممانعة عند أهل الحق كي يُسلِّموا لهم، ويسيروا في ركابهم، ويقبلوا بالأمر الواقع .

     فمنذ بداية الصراع بين الحق والباطل، والباطل أشد ما يكون حرصًا على قتل الممانعة عند حملة الحق حتى لا يقاوموه، ولا يثبتوا في وجهه، ولا يستعلوا عليه، ولا يقفوا في طريقه؛ ولذلك فهو يجتهد لقتل الممانعة؛ إنهم يمكرون، ويكيدون، ويخططون، ويرتبون الأوراق، ويضعون الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد؛ لتحقيق هذا الهدف، والوصول لهذه الغاية، ومن وسائلهم في ذلك:

أسلوب الإغراء

     حيث يقومون بإغراء الشباب المسلم وإبهارهم بما هم عليه من تقدُّم وتكنولوجيا  وحرية... إلخ من خلال إجراء بعثات للشباب تحت مسميات علمية وشهادات وما شابه ذلك، أو إنشاء جامعات ومدارس غربية في بلاد المسلمين، أو بثّ ذلك في مناهج التعليم ووسائل الإعلام؛ وذلك لعلمهم أن هذا الإبهار يقتل روح النقد والممانعة.

التحبيط والتثبيط

     محاولات تحبيط الهمم وتثبيطها، وإحداث هزيمة نفسية عند المسلمين من خلال إلصاق التخلف والرجعية بالدين، وعملوا على ذلك ونشروه بقوة في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة؛ وذلك لعلمهم أن اليائس لن يقاوم، وأن الذي ينظر لنفسه نظرة دونية لن يدافع.

الطعن في الثوابت

الطعن في الثوابت والتشكيك في المسلّمات، حتى يسهل طرح ما يخالفها.

تشويه الرموز

تشويه الرموز، ولاسيما من عُرف عنه شدة التمسك بالثوابت، وقوة المنافحة عنها حتى لا يكونوا قدوة لمن بعدهم.

اللعب بالمصطلحات

استعمال مصطلحات مثل (الاجتهاد) و(التجديد) و(مراعاة مقاصد الشرع)  و(رعاية مصالح الناس)؛ لتمرير تأويلات بعيدة تمام البعد عن فهم الصحابة وإجماع السلف، والتحصُّن بهذه المصطلحات أمام أنواع الممانعة.

تغيير الهوية

تغيير الثقافة والهوية بطريقة ناعمة طويلة المدى، من خلال الفنون ووسائل الترفيه؛ لأن المناعة الفكرية والإيمانية تضعف تحت تأثيرها؛ فيُمَرِّرُون بالتدريج ما يشاؤون من مفاهيم وقيم.

التهديد بالقوة

     أحيانا يستعملون أسلوب التلويح والتهديد باستعمال القوة، وهم طبعا قوى عظمى، ولديهم إمكانات هائلة، والأمة تعاني من فساد وفقر وجهل وبُعد عن الدين، ما تسبب في ضعفها وعجزها؛ فيسهل عليهم التهديد بالقوة التي يملكون، وهذا كان واضحًا لمن قرأ التاريخ القديم، وإلى الآن مازالت تُستعمل.

إلصاق التهم بالإسلام

إلصاق المناهج المنحرفة بالإسلام من باب التشويه، وتنفير الناس عنه وإيجاد مساحات لمناهج أخرى كما يلي:

الجماعات التكفيرية

     الباطل يظهر الجماعات التكفيرية في صورة المنتصر، ويوهم الناس بأنهم يحققون انتصارات وهمية مزعومة حتى يخدع أصحاب العواطف وعديمي الفهم؛ فينساقون وراء هذه الجماعات المنحرفة، بدافع تمني نصرة الأمة وعودة الخلافة، وعن طريق التدخل من قريب أو بعيد، يحرك بعض المشاهد والصور للترويج للتكفير، ثم بعد ذلك تفجير وتحريق وتذبيح وفظاظة وغلظة وعنف، نتيجة أراء ما أنزل الله بها من سلطان، وكل هذا يلصق بالإسلام، وتصبح التهم جاهزة لكل من يقاوم قيم الغرب أو يثبت على عقائد الإسلام، كعقيدة الولاء، والبراء وغيرها، أنه داعشي وإرهابي وما شابهها، من تهم ليستسلم كل من يحاول الممانعة أمام محاولات تمييع هذه العقائد.

جماعات الإسلام السياسي

     كذلك يعمل الباطل على دعم بعض جماعات الإسلام السياسي وتلميعها، ويعطيها مساحات لأجل ما تتبناه من أفكار شاذة الغاية منها التفريق والتشتيت والتشويه؛ وكذلك تصبح التهمة جاهزة لكل من يدعو إلى تطبيق الشريعة في كل صغير وكبير من شؤون الحياة أنه من طلاب السلطة ومن دعاة الفتنة وتقسيم الوطن.

البديل الصوفي

وفي المقابل أيضًا يضع مخرجا لمن لازال عنده بقية من معاني التدين؛ فيروج للصوفية ويدعمهم.

فكر الإلحاد والعالمانية

     كذلك يستغل الباطل أجواء الإحباط والهزيمة النفسية؛ فيقوم بدوره المشؤوم؛ فيطرح أفكارًا قد تكون على النقيض تمامًا من أفكار التشدد والغلو، مثل فكر الإلحاد ونشره، وعمل إغراءات وما شابه ذلك كي يلحد الشباب، وطرح أفكار أخرى، كالعالمانية ومحاولة فصل الدين عن جوانب الحياة كلها، والليبرالية كذلك، وبالطبع هم ليس لهم رصيد على الأرض، لكن لهم رصيد على مختلف وسائل الإعلام، وتجدهم يتحركون وينتشرون من خلالها.

رمتني بدائها

     وعلى طريقة (رمتني بدائها) يزعمون أن الصراع بين الدين والعلم الذي كان عندهم، ينطبق كذلك على الإسلام، أو ما كان من مفاسد الكهنوت وتسلط رجال الدين ودعمهم للاستبداد أن ذلك ينطبق على علماء المسلمين؛ وبذلك تصير التهمة جاهزة لمن يدعو إلى التمسك بالإسلام أنه من دعاة التخلف والرجعية، والدولة الثيوقراطية ومحاكم التفتيش وغيرها من التهم المعَلَّبة. ومن خلال التأمل في هذه الوسائل يستشعر المرء مدى شراسة الحرب التي تستهدف قتل الممانعة عند المسلمين، ولو أن هذه المحاولات انصبت على أمة أخرى من الأمم؛ لما بقي فيها فرد واحد يدافع عن ثوبتها وقيمها، ولسرعان ما محيت من على وجه الأرض، وما بقي لها من أثر.

     ولكن الله -عزوجل- قد وعد بأن يبقى في هذه الأمة من يقوم  بواجب الممانعة؛ كما قال رسول الل صلى الله عليه وسلم: « «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»؛ فوعْد الله -عزوجل- أنه وإن كان الإسلام قد أثخن بالجراح، لكنه لن يموت.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة