أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » براهين رسالة النبي صلى الله عليه وسلم

للكاتب: الشيخ: محمد محمود محمد

نسخة للطباعة

براهين رسالة النبي  صلى الله عليه وسلم

إن البراهين الدالة على رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، تحمل في طياتها الرد الحاسم على المناوئين للإسلام من الملحدين وغيرهم، ليس فقط من جهة إثبات صدق نبوته[، ولكن أيضًا من جهة عناية الخالق -جل جلاله- بخلقه، وقيامه -سبحانه- من خلال هذه البعثة الشريفة بمقتضيات إلهيته وربوبيته.

     ثم إن خطر الإلحاد لا يتوقف على إنكار وجود الخالق -جل في علاه- مباشرة، بل خطره الأعظم هو فيما يبثه من شكوك، وأوهام، تتعلق بالقرآن والسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فهو يعتمد في جذب ضعاف العقيدة إليه من خلال التشكيك في الثوابت، وخلخلة المفاهيم، وهذا ظاهر بجلاء في منشورات الملحدين العرب جميعهم، ودورياتهم، وقد سبق في مقالات سابقة الإشارة إلى أن أكثر شبهات الملحدين ما هي إلا تكرار وترديد لأباطيل المستشرقين، وشبهات المرجفين، على مدى العصور؛ ولذلك فإن رد هذه الشبهات عن ثوابت الإسلام، هو في الحقيقة أبلغ إثبات على وجود الله -سبحانه-، كما أن إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم  وصدق رسالته يحمل المعنى ذاته.

الصحابة والقرآن شهادة وبرهان

      لقد وصل الإسلام إلى عقول الصحابة -رضي الله عنهم-، وملك عليهم قلوبهم؛ لأنه كان يعتمد في الوصول إليهم على مبدأ إقامة الدليل الذي يدل من أقصر طريق على نسبة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الله -تعالى-؛ فإذا به يقيم بالحجج البينة، الواحدة منها تلو الأخرى، أدلة على جميع قضايا العقيدة، في عبارات قصيرة واضحة مفحمة.

     فيقول مثلاً: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(الروم: 40)؛ فتجده قد اختزل في الآية الواحدة التي لا تتجاوز مساحتها على الورق سطرين، خمسة أدلة غير قابلة لإثبات العكس؛ فيقيم دليلاً يثبت وجود الله -تعالى- (وهو دليل العناية)، ودليلاً يثبت إلهيته -سبحانه- وربوبيته (وهو دليل الخلق، والرزق)، ودليلاً يثبت البعث (وهو دليل الإحياء والإماتة).

     كما يثبت بالقدر ذاته صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  ؛ لأن ما ورد بالآية ليس مجرد ادعاء، ولكنه (إعلان مصحوب ببرهان)؛ فدليل أن الله -تعالى- موجود أنه هو القائم على عباده بالخلق والرزق والحساب؛ فلا معبود غير الله -تعالى- قد زعم لنفسه أنه يفعل ذلك بمن يعبدونه، ولا أرسل رسولاً يخبر عن نفسه بذلك، في زمن من الأزمان، أو في أي مكان من العالم، {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْء}؟.

     فلذلك، وبمثل هذا الوضوح والبساطة والتركيز، وصل القرآن الكريم إلى أفهام العقلاء، من الصحابة، وغيرهم؛ فهو المعجزة الكبرى التي أخذت بتلابيب قلوب فحول البيان في عصر المعلقات السبع، وسجع الكهان، وجهابذة الحكمة كأبي الدرداء، والأحنف بن قيس، ولبيد بن ربيعة -رضي الله عنهم-؛ فإذا بالقرآن يستولي بتأثيره العقلي والنفسي وبلاغته على مجامع قلوبهم وعقولهم، ولا يملك أحد منهم إلا الإقرار بصدق نسبته إلى الله -تعالى-، وعجزهم عن الإتيان بمثله، أو إبطال حجته، ذلك أن كل آية من آياته جمعت بين أسباب الإقناع، وأساليب الفصاحة، بين الجزالة والبساطة والإحكام؛ ولذلك كان في إسلام أمثال حسان بن ثابت وكعب بن زهير، والخنساء، من فحول الشعراء، ومن سبق ذكرهم من الحكماء، فضلاً عن غيرهم، من أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عنهم-، أبلغ شهادة للقرآن بفوقيته، وأعظم دليل عملي على تناهيه في العلو على قدرات البشر، في مجالي الفصاحة، والإقناع، وإن حال الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك ليشبه حال سحرة فرعون الذين عَرفوا الحق بمجرد إلقاء موسى -عليه السلام- للعصا؛ لأن إسلام أكثر الصحابة كان يحصل بمجرد سماع القرآن، لا غير، وبقدر ما في هذا المسلك من شهادة للقرآن، بقدر ما فيه من شهادة لهم بقوة عقولهم، وكمال ذائقتهم اللغوية، وامتلاكهم لناصية البيان.

النبوءات دليل قرآني دامغ

     إن القرآن مع ما فيه من حكمة وبلاغة،  لكن التحدي به لم يقف على ذلك؛ فقد تحدى أيضاً بالإخبار عن أمور ستحصل في المستقبل، أمور عامة وخاصة، بعضها قد يمكن التنبؤ به وفق معايير علمية ومقاييس حديثة، لم يكن شيء منها موجوداً عند البعثة، ولا بعدها بقرون، وبعضها لا يمكن حصول ذلك بخصوصها مطلقا؛ فهزيمة الفرس في المستقبل القريب، وانتصار الروم المهزومين عليهم، في سورة الروم، وموت أبي لهب وزوجه كافرين في سورة المسد، وأيضا موت أبي جهل، وأمية بن خلف كافرين، في سورتي العلق والقلم، والإخبار بأن أحداً لن يسلم ممن عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد إلههم عاماً ويعبدون إلهه عاماً، في سورة الكافرون، أمور أخبر بها في أول الدعوة، ولم يتخلف عن تحقق أي منها شيء ولا مرة واحدة، بل حصل كل ما أخبر به على نحو ما نزل، بلا زيادة ولا نقصان، وهذا من أعظم الأدلة على أنه من عند الله -تعالى.

تعدد الأساليب دليل المغايرة

     فقد لاحظ المنصفون من غير المسلمين من المستشرقين والباحثين، أن القرآن الكريم له أسلوب متميز عن السنة النبوية، وعن الحديث القدسي، وهذا التمايز البياني بين الأساليب، قد ورد على غير مثال سابق؛ فقد عرف العرب الشعر، بأوزانه كافة، والنثر بألوانه كافة، وإن بعض الناس قد يُعطى إلى جانب القدرة البلاغية على التعبير الرصين نثراً، قدرةً على إبداع الشعر أيضاً، وقد يملك بعضهم القدرة على التنويع في أوزان شعره وأغراضه، ويملك كذلك القدرة على تبسيط البيان نثرا، بالإيجاز، وعلى تعقيده أحياناً، بالتقعر والإغراب، ولكن لم يسبق أن ملك أحد من البشر ثلاثة أساليب نثرية، تامة التمايز على هذا النحو الوارد فيما يتعلق بالقرآن الكريم والحديث القدسي والحديث النبوي؛ فليس واحد من هذه الثلاثة منتمياً إلى أي مما عرف الناس من الأساليب الكلامية، وذلك يؤكد أن مصدرها ليس بشرياً، في الجملة، وأننا مضطرون -إذا كنا عقلاء حقا- إلى الإنصات إلى ما يدلنا عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإذا قال هذا كلام الله، سلمنا له ذلك، وإذا قال هذا كلامي سلمنا له أيضاً بذلك، لا نستطيع (إذا تجردنا من الأهواء، وحكمنا عقولنا بإنصاف) أن نجادل؛ لأننا لا نملك من الحجة ما يبطل هذا القول أو ذاك؛ فإذا اعترض أحدهم بأن هذا لا يعد دليلاً؛ فعليه أن يثبت أن هذه الملكة قد وجدت عند أحد من الخلق غير محمد صلى الله عليه وسلم في أي مكان أو زمان، ولكن ذلك ما لم ولن يسع الحانقين على الإسلام من المستشرقين والملحدين إثباته.

الخطة العلمية للقرآن

     في القرآن معارف تجاوزت حدود الثقافة البشرية والمعرفة الإنسانية لجميع الناس وقت نزول القرآن الكريم وإلى قرون طويلة بعده؛ فكيف حصل له الوصول إلى أن من يصعد إلى السماء يضيق صدره، (آية 125 سورة الأنعام)، وكيف تمكن من معرفة مراحل تكون الجنين في بطن أمه، (آية 5 سورة الحج، والآيات من 12 إلى 14 سورة المؤمنون)، ومن الذي أخبره بأن في أسفل الظهر، عظمة لا ترى بالعين المجردة، يقال لها عجب الذنب، لا تبلى، حديث: «ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب» البخاري ومسلم.

إن هذه المعارف التي اشتمل عليها القرآن والسنة، تثبت أن الله خلقنا، وأنه -سبحانه- قائم علينا بما يصلحنا، وأنه لذلك تكلم بالقرآن وأرسل به محمدا صلى الله عليه وسلم .

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة