أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » هل يتعارض العلمُ مع الدين؟

للكاتب: مركز سلف للبحوث والدراسات

نسخة للطباعة

هل يتعارض العلمُ مع الدين؟

لا شك أن المتابع للشبه التي يلوكها المتخرّصون اليوم في وسائل النشر المختلفة والإعلام المقروء والمرئي يلاحظ أنه قد تعرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لهذا الموضوع، وأنهم ما زالوا يلوكون هذه الشبهة المتهافتة رغم الكتابات الكثيرة والدراسات التي توضح أمر الدين وعدم تعارضه مع العلم التجريبي بل وحضه ودعوته إليه، وأن ازدهار العلوم التجريبية في عصر الإسلام قد بلغ أوج تطوره والعالم الغربي كان ما يزال يرزح في عصور الظلام في العلم الديني والعلم المادي معًا!

     وقد طرح الموضوع بعناوين متعددة، مثل: (الصراع بين العلم والدين) أو (تناقض العلم مع الدين)، ومما يدعو للعجب أن بعض المنتسبين إلى الإسلام قد خاضوا في هذا الموضوع: فمنهم من جارى الملاحدة في تصديق هذا الادعاء وقال صراحة: (العلم يُعارض الدين)، ومنهم من يقول: لا علاقة بين العلم والدين.. إلى آخر كلامهم.

     وهذا المقال المقتضب لتوضيح هذه القضية بتدرّج وهدوء نخرج بعده إن شاء الله بنتيجة عادلة لا تبرح المنصف إلا أن يعرف حقيقة هذا الادعاء، ويطمئن نفسًا بدينه وإسلامه وشريعته، وحتى تكون الإجابة دقيقة عن هذا السؤال فعلينا أولًا معرفة تاريخ العلاقة بين العلم والدين، ثم تفكيك السؤال وتحرير مصطلحاته، ومعرفة منهج العلم ومنهج الدين وطريقة حل الإشكال إن حدث تعارض ظاهر، كل ذلك لكي نستطيع فهم السؤال فلو فهمنا السؤال جيدًا سنستطيع الإجابة عنه بسهولة إن شاء الله.

مُقدمة تاريخية

     عبر التاريخ لم يكن هناك بروز لفكرة التعارض أو النزاع بين العلم والدين؛ لأنه في أحقاب كثيرة كانت الهيمنة للدين وتوجيهاته، وبداية قضية الصدام كانت في أوروبا أثناء عصر سيطرة الكنيسة، تحديدًا مع اضطهاد الكنيسة لرجال العلم التجريبي، فكانت ردة الفعل في عصر التنوير أو عصر النهضة الأوربية، وبداية الوقوف بحزم من رجال العلم ضد سيطرة الكنيسة المطلقة؛ فالكنيسة كانت بيدها كل السلطات الدينية والعلمية، وكانت كل الآراء العلمية لا تخرج ولا يعترف بها إلا بإذن الكنيسة، وكانت تُحرّم على الناس البحث وإبداء آرائهم في العلوم الطبيعية؛ إذ كان يُعدّ كفرا بالله!

دعوى التعارض

     إذاً فالكنيسة الأوربية هي المسؤول الأول عن ظهور دعوى التعارض بين العلم والدين بحماقاتها التي جعلت العلم بديلا عن الدين؛ وذلك حين حاربت العلم والعلماء، وخيرت الناس بين اتباع الخرافة للمحافظة على الدين (دينها الذي ابتدعته وشكّلته على حسب أهوائها)، فاختار العلماء الماديون العلم المادي؛ لما ثبت إليهم من حقائق؛ لأنهم يعرفون قدره، ويعلمون أنه أحق بالاتباع من الخرافة التي تمسكت بها الكنيسة.

تفسير فقط للحقائق

     والحقيقة أن العلم ما هو إلا تفسير فقط للحقائق، يفسر كيف تحدث الأشياء ولكنه لا يفسر لماذا كانت الأشياء على هذا النحو؟ أما في الإسلام فإن ما يُسمى بالنزاع بين العلم والدين أمر لم يظهر بوصفه قضية في الحضارة الإسلامية، بل قد عَدَّ العلماء الطبيعيون والفلكيون والرياضيون أنفسهم في عبادة لا تقل عن عبادة إخوانهم علماء الدين، فلقد حشد القرآن ما يقرب من خمسين آية في تحريك العقل البشري، وانتشاله من وهدة التقليد والتبلُّد، كما حشد عشرات الآيات في إيقاظ الحواس من سمع وبصر ولمس، وعشرات أخرى في إيقاظ التفكير والتفقه، فضلاً عن آيات طلب البرهان والمحبة والجدال بالتي هي أحسن، بل إن القرآن أضاف حقيقة في غاية الأهمية هي أنه أطلق كلمة العلم على الدين.

الملاحدة والعلمانيون

     ولكن من ينشر هذه الكذبة ويُروِّج لها في عالمنا الإسلامي هم الملاحدة والعلمانيون العرب، فعندما اتصل العالم الإسلامي وانفتح على الغرب، وجدوا التطور الغربي تزامن مع تركهم لخرافاتهم، عندها ظن الملاحدة والعلمانيون العرب أن دين الغرب مثل ديننا أو أن ظروفهم مثل ظروفنا، فبدؤوا في بث حركاتهم التشكيكية ومحاولة صنع صراع وهمي بين الدين والعلم.

     وفي هذا الصدد يقول الدكتور عبد الحليم محمود: «إنه لتقليد ببغاوات أن ننقل الفكرة التي نشأت في التعارض بين الدين والعلم من بيئتها الجزئية ومن ظروفها الخاصة إلى مجال الدين عامة أينما كان وفي أي زمان وُجد، وإنه لمن السخف الواضح وسوء النية المُبيّتة أن ننقل الفكرة من جو المسيحية إلى جو الإسلام الذي كانت أول كلمة في وحيه {اقْرَأْ} (العلق: 1)، الذي يصل بالعلماء إلى أن يشهدوا التوحيد مع الله والملائكة.

مصطلحات السؤال

إذا أردنا الإجابة عن السؤال فعلينا تعريف مُعطياته وهي:

أولًا: (تعارض – العلم – الدين).

ما العلم؟

     كلمة العلم المقصودة في هذا المقال يُقصد بها العلم المادي الطبيعي التجريبي فقط، على الرغم من أن معنى الكلمة في اللغة العربية أوسع بكثير ولا تقتصر على هذا ولكن ما سنتناوله هنا وما نقصده بكلمة العلم هو المعنى الشهير وهو العلم المادي التجريبي أو ما يسمى بـ(Science)، فعندئذ سيكون السؤال:  هل يتعارض العلم المادي الطبيعي التجريبي مع الدين؟

ما الدين؟

لا يصح إطلاق السؤال السابق مباشرًا هكذا حتى نميز بين أنواع الأديان:

فهناك أنواع كثيرة من الأفكار والأديان والفلسفات يُطلق عليها كلمة (دين) وربما لا يوجد قاسم مشترك بينها سوى الاسم فقط.. هناك أديان صحيحة وأديان باطلة.. وأديان سماوية وأديان أرضية.. وغيرها.

ولكن في هذا المقال الذي سنقصده بالدين دين الإسلام فقط.

وعندئذ سيصير السؤال: هل يتعارض العلم المادي الطبيعي مع الدين الإسلامي؟

منهاج العلم ومنهاج الدين

     هل كل أنواع العلم قطعية ثابتة؟ علينا أن نعلم حقيقة وهي أن النظرية العلمية التي يقوم عليها العلم هي «نموذج مُقترح لشرح ظاهرة أو ظواهر عدة معينة وبإمكانها التنبؤ بأحداث مستقبلية ويمكن نقدها»؛ فكل نظرية علمية قائمة على افتراضات، لو أثبتت صحتها فالنظرية صحيحة وقطعية، ولو لم تثبت فهي ظنية قد تكون صوابا أو خطأ، وبالتالي فيمكننا استنتاج أن هناك من العلم ما هو قطعي وما هو ظني.

     هل كل أنواع الدين قطعية؟ من المعروف لدى المسلمين مفهوم (المحكم والمتشابه)، فالمحكم هو البيّن الواضح الذي لا يلتبس أمره، وهذا هو الغالب في القرآن الكريم، فهو أمّ الكتاب وأصل الكتاب، وأما المتشابه فهو الذي يشتبه أمره على بعض الناس دون بعض، فيعلمه العلماء ولا يعلمه الجُهّال، ومنه ما لا يعلمه إلا الله -تعالى-، وأهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم، وأما أهل الزيغ فيتبعون المتشابه، ويعارضون به المحكم.

وبالتالي فيمكننا استنتاج أن من الدين ما هو قطعي الدلالة وما هو ظني الدلالة.

استحالة التعارض

كيف يمكن أن يتعارض العلم مع الدين؟ كما علمنا من السطور السابقة أن هناك قطعيا وظنيا من العلم والدين، وقد يحدث تعارض بين ظني وقطعي، وعندها:

- إذا حدث تعارض بين ظني وقطعي: التعارض بين الظني والقطعي وارد ولا مشكلة فيه؛ فعندها نقدم القطعي مطلقًا سواء أكان من العلم أم الدين.

- إذا حدث تعارض بين ظني وظني: فإننا نبحث عن مُرجح خارجي؛ بحيث تكون أدلة أحدهما أقوى من الآخر، وعندها نقدم الظني الراجح، ونترك الظني المرجوح سواء أكان من العلم أم من الدين.

- إذا حدث تعارض بين قطعي وقطعي: فإننا حينئذ نبحث في أدلة الاثنين وسنجد أن أحدهما قطعي والآخر ظني ولكنه كان يُتوهم بأنه قطعي ولابد أن نجد ذلك؛ لأن تعارض القطعي مع القطعي غير وارد وغير ممكن بأي حال من الأحوال؛ لأن الله -تعالى- خالق الكون هو الذي أنزل الشرائع وهو الذي وضع قوانين العلم المادي أيضًا، وتعارضهما يعني أن هناك تناقضاً وهذا مُحال على الله -سبحانه وتعالى.

قاعدة أساسية

     فهذه قاعدة أساسية في الفكر الإسلامي، وهي اختصار للقاعدة التي وضعها ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه الماتع (درء تعارض العقل والنقل):  «ففي الإسلام لا خلاف بين الدين الحق والعلم الصحيح، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهِمَا لَاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} الدخان: (38-39).

ضرورة واجبة

     ولقد فرض الإسلام العلم وجعله ضرورة واجبة على كل مسلم ومسلمة وليس مجرد حق من حقوق الإنسان، وشجع الإنسان على النظر والتفكير، وتآخى فيه العلم والدين، والدنيا والآخرة، ونفى التسوية بين العلماء وغيرهم من الخلق، قال -تعالى-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الزمر(9). ورفع شأن المؤمنين العلماء في درجات الحياة الدنيا والآخرة {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍَ}  المجادلة (11 )، ويروى عن الرسول -  صلى الله عليه وسلم - قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فكيف تكون للعلم كل هذه المكانة في الإسلام، ثم نجد بعضهم يدّعي وجود تعارض بينه وبين العلم!

خلاصة المقال

     إذاً فخلاصة هذا المقال كما وضحنا أعلاه، أنه إذا أتى إلينا شخص بمُعطى علمي وقال: إنه يتعارض مع الدين، أو أتى إلينا بمعطى ديني وقال: إنه يتعارض مع العلم، فعلينا أولًا وقبل أي شيء أن نبحث في كلا النصين ونستخرج منهما ما هو القطعي وما هو الظني، ثم بعد ذلك نطبق عليها قاعدة التعارض المذكورة أعلاه تحت عنوان (كيف يمكن أن يتعارض العلم والدين)؟.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة