أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » الضابط السابع - الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية - ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

الضابط السابع - الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية - ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا

باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه؛ ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم ذلك كله على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله-، واليوم مع الضابط السابع وهو صحة ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً.

     ذكر هذه القاعدة العلّامة السيوطي -رحمه الله- وغيره، وقد ذُكرت عندهم بهذه الصيغة، معلِّقةً الفضل على تكرار الفعل، وقد فضّلتُ إيرادها ضمن الضوابط الوقفيّة؛ لأنّها تحكُم على كلِّ مقاصد الواقفين، وتوجُّهاتهم، وتصرُّفاتهم عند إنشاء الوقف، وكذا على تصوُّر القاضي والنّاظر عند القيام بتصرُّفاتهم الاجتهاديّة المأذون لهم فيها فيما يخصّ الوقف، وتضبط معايير الأطراف كلها التي لها صلةٌ بتنمية الوقف إذا أرادوا تحقيق المستوى الأعلى من المنافع والمصالح المستفادة منه.

تقييد مهم

     وقد جعل كثيرٌ منهم مستندها قولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إنّ لك من الأجر على قَدْر نَصَبِك ونَفَقَتِك»، قال المُناوي: «لأنّ الجزاءَ على قَدْر المشقّة غالبًا، وفيه: أنّ ما كان أكثر فعلاً كان أكثر فضلاً»، وقال النووي: «هذا ظاهرٌ في أنّ الثواب والفضل في العبادة يكثُر بكثرة النَّصَبِ والنفقة»؛ ولذلك كان من المناسب توضيح هذا التقييد المهمّ؛ فنقول:

     تعقّب الحافظ ابن حجر كلمة العلّامة النّووي السابقة بقوله: «وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطّرد؛ فقد يكون بعض العبادة أخفّ من بعض، وهو أكثر فضلاً وثواباً بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليالٍ من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان، كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو أطول من قراءتها ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في القواعد».

معالم ومميزات

     وهنا نقول: من المعالم والمميّزات التي يختصّ بها التشريع الإسلاميّ: انسجامُه مع نفسيّة المكلّف وطبيعته الإنسانيّة، التي تميل دوماً إلى استشراف الحِكَم والمنافع المترتّبة على التشريعات والقوانين، وتنفرُ بطبعها السليم من الاعتباط والعبثيّة وما لا حكمةَ فيه، ولا مصلحة تتحقّق به.

العلاقة بين الأجر والمشقّة

     وممّا يرتبط بموضوع هذه القاعدة، أنّ بعض الأفهام التي لم تتميّز لها جادّة التشريع في باب العلاقة بين الأجر والمشقّة، قد اعتقدت حتميّة الارتباط بينهما ارتباطَ السبب بالمُسبَّب، والعلّة بالمعلول؛ بحيث إنّ المشقّة في الطاعة، حيثما وُجدت، استوجبت أجرًا على قدْرها بالضرورة، وهذا وإن كانت ظواهر بعض النّصوص تحتمله، إلّا أنّ الذي لا تحتمله النّصوص ولا تدلّ عليه هو اختراع المشقّات واستجلابها وتكلُّفُها، وإحداثُها لكي تُؤدَّى الطاعة في ظلِّها، بزعم أنّ ذلك يُضاعف الأجرَ ويزيد الثواب! ولا شكّ أنّ هذا فهم مغلوطٌ جدًّا.

     عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بينا النبي  صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائمٍ؛ فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نَذَرَ أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلم، ويصوم! فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «مُرْهُ فليَتَكَّلَم، وليستظلَّ، وليقعد، وليتم صومَه»، وقد وردت نصوص أخرى كثيرة في النهي عن تكلُّف المشاقّ على هذا النحو، قال الكِرْماني: «الشخص لا يملك تعذيبَ نفسه، ولا التزام المشقّة التي لا تلزمه؛ حيث لا قُرْبة فيها».

مطلوب الشرع

     وقال العزّ بن عبد السلام: «قد علِمْنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وليست المشقّة مصلحة، بل الأمر بما يستلزم المشقّة بمثابة أمر الطبيب المريض باستعمال الدواء المرّ البشع؛ فإنه ليس غرضه إلا الشفاء».

المقاصد معتبرة

     وقال الشاطبي: «ليس للمكلّف أن يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عظم أجرها؛ فإن المقاصد معتبرة في التصرفات؛ فلا يصلح منها إلا ما وافق الشارع، فإذا كان قصد المكلف إيقاعَ المشقّة؛ فقد خالف قصد الشارع؛ من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفسَ المشقّة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل؛ فالقصد إلى المشقّة باطل؛ فهو إذاً من قبيل ما يُنهى عنه، وما يُنهى عنه لا ثواب فيه، بل فيه الإثم إنْ ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم؛ فطلب الأجر بقصد الدخول في المشقّة قصدٌ مُنَاقِض».

ولا يخفى على أحدٍ أنّ المُفاضلة بين الأعمال قواعدُها واعتباراتُها كثيرة، وأنّ التعدُّد والتكرار ومقدار النّفع هو واحدٌ من هذه الاعتبارات فقط.

معنى الضابط

     ومعنى الضابط بعد هذا الإلماح، هو ما عبّر عنه ابن رجب: «إذا تقابل عملان، أحدُهما ذو شرف في نفسه ورِفعة، وهو واحد، والآخَر ذو تعدُّد في نفسه وكثرة؛ فأيهما يُرجَّح؟ ظاهر كلام أحمد ترجيح الكثرة»، أو: «العمل العِبَاديُّ إذا كان أكثر فعلاً من غيره من جنسه، كان أكثر فضلاً وأعظم ثواباً»، وقال القَرَافي: «الأجر في التكاليف على قَدْر النَّصَب إذا اتّحد النَّوع».

     فالمقصود تقابُل عملين من الجنس نفسه أو النَّوع، كأن يكون كلاهما ببذل المال، أو الصلاة، أو النُّسُك؛ فيُرَجَّح حينئذ العمل الذي يتكرّر ويكون أكثر فعلاً؛ لأنّ ثمّة تلازُماً بين التكرار، وبين ازدياد النَّصَب من جهة، وتكرار حصول المنفعة كلّما تكرّر الفعلُ ودام واستمرّ من جهةٍ أخرى، والترجيح على هذه الصورة يكون بعد قطع النّظر عن نيّة العامل وحاله؛ من حيث القُدرة والعجز، وكذا بعد قطع النّظر عن اعتبارات الزمان والمكان، وإلّا فكلُّ ذلك قد يكون مرجِّحات أخرى تنعكس بها نتيجة المفاضلة.

     وأمّا اتّصال هذا الضابط بمسائل الوقف فهو ظاهرٌ جدًّا، بل هو مستغرقٌ لأبواب الوقف جميعًا؛ من حيثُ اختيار نوعه، ومصرفه، وناظره، ومكانه، وزمانه؛ فإنّ كلّ ذلك فيه ما هو فاضلٌ وما هو مفضولٌ؛ فيدلُّ هذا الضّابط على حتميّة تحرّي ما كانت منفعته عامّة منتشرة شاملة متعدّية إلى الغير، ودائمة مستمرّة ما أمكن، على خلاف ذلك.

تفضيل وقف على وقف

وفي الجملة؛ فيرجع تفضيل وقف على وقف إلى سببين:

- الأول: أن يكون أكثر دواماً وبقاءً، وأعم نفعاً.

- والثاني: أن يكون أشدّ تلبيةً للحاجات الملحّة الراهنة، وأكثر تحقيقاً للكفاية

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة