أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » تحرري من القيود الثلاثة هوى النفس والشيطان ورفقاء السوء

للكاتب: هناء الأيوب

نسخة للطباعة

تحرري من القيود الثلاثة هوى النفس والشيطان ورفقاء السوء

حاورتني إحداهن، وقد بدا عليها شيء من الضيق والتوتر الممتزج بالتعجب والدهشة، قالت: ما سر الابتسامة الدائمة على محيّاك، والهدوء النفسي الظاهر عليك؟ قلت: السر في ذلك هو شعوري بالأمان، والراحة والسلام، لتحرري من القيود الثلاثة، قالت باستهزاء: هه!  تحرر؟ أي تحرر تعنين وأراك متزمتة مكبلة بالسواد، قد حرمت نفسك من كثير من متع الدنيا ولذاتها! قلت: نعم، أنا المتحررة من سيطرة هوى النفس، ورِقِّ الشيطان وتأثير رفقاء السوء، ولا زلت أصارعهم، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ}(القصص: 50).

تلك القيود الثلاثة التي أراها تكبل ذوات كثير من مُدَّعي التحرر والانفتاح؛ فعاشوا في سبات عميق، وحرموا أنفسهم من الشعور بالسعادة الحقيقية، لا الوقتية الزائفة؛ فلم يحرروا قلوبهم من غلبة الشهوات، ولا جوارحهم من رِقِّ المحرمات.

- قالت: وما علاقة ذلك بالشعور بالسعادة؟

- قلت: السعادة هو ذلك الشعور بمعية الله، حين تنقاد ذواتنا لخالقها فتسلم وتنعم، لا أن ندع أنفسنا عرضة لتقلبات الهوى، ووساوس الشيطان، وشطحات العقل، تتقاذفها أينما شاءت، وتقودها كيفما أرادت؛ فإن مفتاح السعادة يكمن في القدرة على مواجهة الهوى، وعدم الاستسلام له، لقوله -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُون}(الجاثية: 23).

فقد يتوهم بعض الناس أنه سعيد بتحقيق رغباته المخالفة، وما علم أنه خادع نفسه بانقياده لهواها، ومن صريح ماقيل في ذلك:

هواك ولا تكذبْ عليك أميرُ

                                 وأنت رهين في يديه أسير

يسومك عصياناً وأنت تطيعه

                                  وطاعتُه عارٌ عليك كثير

كيف أتحرر؟

- قالت: وكيف أجعل نفسي تتحرر من سيطرة الهوى وتنقاد لربها؟

- قلت: الانطلاق يكون من الصدق في محبة الله -تعالى- وقوة الإيمان به، مع دوام الاستعانة به والتوكل عليه؛ فالسعادة الحقيقية تكمن في أن نضع ثقتنا بربنا القادر على كل شيء، لا بقدراتنا المحدودة! ثم التمتع بتلك المعية الربانية التي تضفي على الحياة طعمًا جميلًا لا يتذوقه إلا المتحررون من تلك القيود الثلاثة.

تعبير الثقة بالنفس

- قالت: أراك بذلك تنسفين كل ما يقال حول الثقة بالنفس، وإطلاق القدرات الخفية واللا محدودة و..و...وغيرها؛ مما تعج بها المؤلفات، وتعقد حولها الدورات باسم تنمية الذات!!

- قلت: لا، ليس ذلك على إطلاقه، ولكني أتحفظ على تعبير الثقة بالنفس بمفهومه المتداول في كثير من هذه الدورات، الذي يرمي إلى تضخيم الذات، وقبول كل مطالبها، والثقة الكبيرة بالقدرات الذاتية؛ مما قد يوقع الإنسان في المهالك لإعراضه عن كل دعوة تخالف هواه؛ فلا موعظة تؤثر فيه، ولا نصيحة تثني رأيه؛ فهو يرى الصواب في كل ما يُقْدِم عليه مغترًّا بنفسه، مستغنيا بها عن ربه. إن الثقة بالنفس بمفهومها الصحيح لابد وأن يكون منطلقها الثقة بالله، وحسن التوكل عليه، ثم تقوية العزيمة والثقة، بإمكانية الصمود في إصلاح الذات التي قد أسلمت أمرها لخالقها، وعملت بما يرضيه، يعقب ذلك الاستسلام رضا لكل ما يقدره الله؛ فهو الأصلح وإن غابت عنا الحكمة في ذلك، هذا هو المفهوم الصحيح للثقة بالنفس للمضي بخطىً ثابتة نحو تحقيق الغايات في الدارين.

تنمية الذات

- قالت: إذاً ماذا تعني لك تنمية الذات؟

- قلت: تنمية الذات هي أن نسعى بأنفسنا نحو صلاحها وفلاحها؛ وذلك بتربيتها وتزكيتها للوصول بها إلى غاياتها المرتقبة على المدى القريب والبعيد، ومصالحها الدائمة لا المؤقتة، تلك الغايات والمصالح التي بدايتها السعادة بالعيشة الراضية في الدنيا، ولا تنتهي بانقضاء الأجل، بل هي متدفقة ومستمرة حتى الفوز في النعيم المقيم في جنة الفردوس الأعلى؛ فليس من التنمية الذاتية تلبية رغبات الذات، وإشباع متطلباتها، ومحبوباتها في هذه الدنيا الفانية، أوالسماح لها بإطلاق حريتها، وعدم كبح جماحها لتنعم فيما تبقى لها من سنوات أو أيام معدودات في الدنيا، ثم تكابد في الآخرة وتشقى.

الحرية الشخصية

- قالت: فأين إذاً الحرية الشخصية؟

- قلت: الحرية الشخصية قد كفلها الله -تعالى- في اختياراتنا من المباحات في المأكل، والمشرب، والملبس الشرعي، والهوايات، والتخصص الدراسي وغيرها، أما في الأمور العقدية والتعبدية والأخلاق والتعامل مع الآخرين؛ فلا ينبغي اتباع الهوى في ذلك؛ فنحن مسودون لا سادة، وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- عن قول العاصي عند الإنكار عليه: «أنا حر في تصرفاتي» أن يقال له أنت لست حرًا في معصية الله، بل إنك إذا عصيت ربك؛ فقد خرجت من الرِّق الذي تدعيه في عبودية الله، إلى رق الشيطان والهوى».

     ألم تَر أن الله -تعالى- جعل أولى الكفارات عتق الرقبة؟ كما سعى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، وعبودية غير الله -تعالى- ليعيش هذه الحرية، وينعم بهذا التكريم، قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}( الإسراء:70).

قيادة الذات

- قالت: إذاً أنت ترفضين الدعوة إلى قيادة الذات؟

- قلت: بل أنا أدعو إلى قيادة الذات نحو انقيادها لرب العباد، تزكيةً لها وتكريما، وأرفض قيادة الذات وفق الأهواء والعجب بالآخرين، دون تمييز بين الغث والسمين، إن الانقياد لله وحده، يعني الإذعان، والخنوع، والانكسار له -جل في علاه-؛ فعزة الإنسان تكمن في التذلل لمالك الملك، والاستغناء به عمن سواه، وطلب العون منه وحده لا شريك له، واتباع هدي خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم .

     هذا هو التحرر بعينه، حين ننأى بأنفسنا عن دوائر مغريات الهوى، ووساوس شياطين الإنس والجن، وحين ننقاد للمولى -عز وجل-؛ فندخل في حماه؛ فإنه لا ملجأً ولا منجىً منه إلا إليه؛ فنحن الفقراء إليه، وهو أغنى الأغنياء عنا، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(فاطر: 15).

الإقبال على الحياة

- قالت بدهشة: ألا ترين أن ذلك يجعلكم أقل انطلاقا وإقبالا على الحياة؟

- قلت: بل نحن مَنْ فَهِمَ حقيقة الحياة الدنيا؛ فجعلناها ما تستحق من الاهتمام؛ معتبرينها مزرعة ليوم الحصاد؛ فنزرع فيها ما يسرنا أن نجنيه لاحقا؛ فننطلق من الدنيا للآخرة، داعين الله التوفيق والقبول والمغفرة عن تقصيرنا، ولا يمكننا أن نقوم بهذه المهمة إلا إذا تحررنا من سيطرة تلك القيود الثلاثة على ذواتنا.

أليس هذا تزمتًا؟

- قالت: ألا تعدين ذلك تزمُّتًا وغلوًّا في الدين؟

- قلت: لا، بل إنه الاعتدال بعينه؛ فإسلامنا هو دين الوسط، لا غلو فيه ولا انفلات، لقوله -تعالى-: {وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(البقرة: 143)، أما التزمت فهو لفظ يطلق تعسُّفًا على الملتزمين بشرع الله، الذين ابتغوا الدار الآخرة فنبذوا الفساد، ولَم ينسوا نصيبهم من الدنيا، لقوله -تبارك وتعالى-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص: 77).

بدأت أغير رأيي

- قالت: كنت أظن أن الالتزام يعد تخلفًا وجمودًا، ولكن الآن بدأت أغير رأيي.

- قلت: بل ذلك قمةً في الرقي والتقدم؛ لأنه التزام بشرع الله وسير على هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم -قدوتنا، وقائدنا، وخير البشرية بلا منازع- من كان خلقه القرآن، ومن علَّمنا الرقي في كل شيء، حتى في الأكل والنوم، فضلا عن أصول التعامل مع الآخرين، سكتت محاوِرتي برهة تفكر فيما سمعت.

- فقلت: هل عرفت الآن لِمَ نشعر بانشراح في الصدر، وارتياح في القلب، وسكون في النفس؟ لأننا في سعي دائم لإرضاء ربنا فأرضانا، نعم، نحن سعداء بهذه الطاعات التي يسمِّيها الكثير قيودًا وضغوطا، بل إن تلك الطاعات والعبادات التي نجاهد أنفسنا للحفاظ عليها، والاستزادة منها، والاجتهاد فيها، هي مصدر سعادتنا وانبساطنا وانشراحنا.

دعيني أعيد حساباتي

أطرقت محاوِرتي رأسها برهة من الزمن، ثم تنهدت وقالت: إذاً دعيني أعيد حساباتي، وأراجع قناعاتي؛ لأنه يظهر لي أننا قد خدعنا أنفسنا؛ فشكرًا لك على توضيح الأمر.

     وهكذا انتهى الحوار مع محدثتي حول بعض المفاهيم التي يكثر حولها الجدل، مثل التحرر، والسعادة، والوسطية، وتنمية الذات، والثقة بالنفس، وأحمد الله على التوفيق؛ فقد ظهر لي أن الحوار ترك في نفسها انطباعًا إيجابيًّا لم تكن تعهده من قبل حول تلك المفاهيم، أسأل الله -تعالى- لي ولها القبول والهداية والثبات على الحق.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة