أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » الوحدة الإسلامية أدلتها.. سماتها.. وسائل تحقيقها (3)

للكاتب: د. أحمد محمد لوح

نسخة للطباعة

الوحدة الإسلامية أدلتها.. سماتها.. وسائل تحقيقها (3)


استكمالا للحديث الذي بدأناه عن الوحدة الإسلامية وأدلتها من القرآن والسنة نقول: إن قضية الوحدة تعدُّ من القضايا المصيرية المهددة بالتحديات الحزبية والمذهبية والعنصرية العرقية والوطنية، ولا يكفي لمعالجة التمزق الوصفةُ المثاليةُ التي تواجه المشكلة بالاستهانة بها، وبعدِّها مشكلة سهلة عارضة يمكن للزمن أن يتكفل بالقضاء عليها، فتنحل بنفسها؛ فلقد أمر الله -تعالى- بالاجتماع، ونهى عن التفرق، قال -تعالى-: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 105)، وفي هذا المقال حصر لأهم الوسائل العملية المؤدية إلى تحقيق الوحدة الإسلامية المنشودة.

     لاحظنا مما تقدم أن الوحدة الإسلامية لا تتحقق في الواقع إلا في إطار رسالة الإسلام؛ لأن هذه الرسالة هي القادرة على تربية الفرد والمجتمع وفق قيم ومعايير تزول معها ألوان الصراع المصلحي المادي كلها بين بني البشر، ولا يعني هذا أن الإسلام يستهدف إيجاد نوع من المصالحة بين الظالم والمظلوم، وبين الصالح والطالح في المجتمع الإنساني، ويرضى بأنصاف الحلول التي تُبقي المشكلة وتسعى للتأقلم معها، بل إنه يرفض الظلم والظالمين، ويصنع بين الفرقاء وحدة في القلوب والأفكار، ووحدة في الهدف والمصير، ووحدة في المصالح والطموحات، تكون كافية لتغيير المسارات النفسية والخلقية والسلوكية؛ ليصنع بذلك أمة واحدة تعبد ربا واحدا، وتتأسى بقدوة واحدة.

المصدر الأساس للحق

     وحيث إن الكتاب والسنة هما المصدر الأساس للحق، والمنبع الصافي لدين الإسلام، والمنهج الكامل لحياة البشر، والميزان الصحيح الذي توزن به الأقوال والأفعال؛ فقد جاءت الأدلة في الحث على اتباعهما، والاعتصام بهما، والرد إليهما عند التنازع والاختلاف؛ إذ لا يكون للمسلمين شأن، ولا عز ولا نصر، ولا فلاح في الدنيا، ولا نجاة في الآخرة، إلا بامتثال أوامر الله -تعالى- وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فالمؤمن مأمور بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذا التمسك صمام أمان ووقاية من الوقوع في التفرق، وإذا وقعت الفرقة؛ فلا سبيل للخروج منها إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، قال -تعالى-: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى: 10)، وقال -تعالى-: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء: 59).

     فربط -سبحانه وتعالى- الإيمان بوجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف، ولو أن المسلمين -أفرادا وجماعات- التزموا بهذا المبدأ لوجدوا من كل خلاف مخرجا، لكن أبى كثير من الناس –وفيهم طلبة علم -مع الأسف- إلا التراشق والتنابز، وتبادل السباب، والشتائم عبر وسائل الإعلام المعاصرة، وخلف كل فئة جماعة محركة ترمي بالحطب في النار، وتسد على المختلفين كل باب يؤدي إلى الإصلاح والرجوع إلى الحق .

     وقال -تعالى-: {كان النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}(البقرة: 213)، وقال -تعالى-: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(آل عمران: 10)، وقال -تعالى- بعده: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران: 103).

     قال ابن كثير -رحمه الله-: «وقد ذكر محمد بن إسحق بن يَسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هُمْ عليه من الاتفاق والألْفَة؛ فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعَاث وتلك الحروب؛ ففعل، فلم يزل ذلك دأبُه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فأتاهم فجعل يُسكِّنهم ويقول: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ » وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح».

تطبيق عملي

     وهذا تطبيق عملي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  في استخدام هدي القرآن والسنة، لإخماد نار اختلافٍ وتمزقٍ كادت أن تقع بوجود من أججها، وقال صلى الله عليه وسلم : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي»، وهذا نص صريح في أن الاعتصام بالكتاب والسنة هو سبيل النجاة من الضلال، وأي ضلال أشد وأنكى من تفرق الأمة إلى فرق وأحزاب؟! كل حزب بما لديهم فرحون.

     وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم   يتخلَّلُ الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ يمسح  صدورَنا  ومناكبَنا ويقول: «لا تختلِفوا فتختلفَ قلوبُكم.»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن وحدثت البدع والفجور ووقع الشر بينهم».

     وقال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله تعالى-: «فكل أنواع الفتن لا سبيل للتخلص منها والنجاة منها إلا بالتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم  ومعرفة منهج سلف الأمة من الصحابة -رضي الله عنهم- ومن سلك سبيلهم من أئمة الإِسلام ودعاة الهدى.»

خلاصة الكلام

     إن هذا الإسلام الذي انطلق من أرض تسودها ألوان الصراع القبلي والعنصري والطبقي؛ فحول أهلها إلى مجتمع رافض لكل تمييز عنصري أو طبقي أو حزبي، هو وحده القادر على إعادة المسلمين إلى سابق عهدهم قوة وتماسكا وترابطا، «ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.» 

     إن التعاون على البر والتقوى مبدأ شرعي، وواجب عام بين المسلمين بنص القرآن الكـريـــم، قال الله -تعالى-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(المائدة: 2)، والبر إذا اقترن بالتقوى قُصد به مــا تـعـــدى نفعـه إلى المسلمين من الأعمال المشروعة، والتقوى تختص بما يقتصر نفعه من الأعمال الصالحة على خاصة الإنسان.

من أفضل العلاجات

     والتعاون على البر والتقوى -بعدِّه من أفضل العلاجات- أمرٌ ممكنٌ مع وجود الخلاف، لكن كثيرا من الناس لا يعرفون إلا حالتين: إما التعاون الشامل، والوحدة الكاملة، وإما التنازع والخصومة والمواجهة، وهذا التقسيم فيه من القصور، وضيق النظر وغياب الحكمة، وقلة المعرفة بقواعد الشريعة وأحكامها، وقد يعذر بعض العامة والجهلة على هذا القصور، ولكن اللوم والتثريب يقع على من يتصدى للدعوة والتربية والتوجيه، كيف يحجّر سبل التعاون الواسعة، جاعـلاً الناس قسمين: إما موافقاً لـه متبعاً لقولـه فيواليـه، وإما جَعَلَه خصمـاً لـه فيعاديـه، على قاعدة من ينهج منهج (إن لم تكن معي فأنت ضدي) وهو أهون من منهج من يقول:(إن لم تكن معي فأنت عدو الله).

ميزان شرعي دقيق

إن التعاون مع وجود الخلاف ممكن، غير أن ذلك ينبغي أن يضبط بميزان شرعي دقيق، يقدر حجم الخلاف، ويدقق في أسبابه، وطبيعته وجذوره؛ وفيما يلي توصيف فقهي دعوي مختصر للخطوات التأصيلية الضرورية في هذا السبيل:

حـجــم الخلاف وطبيعته

- الأصل الأول: تقييم حـجــم الخلاف وطبيعته الذي يوجب الإسلام التعاون رغم وجوده، وذلك بتحديد نوعه هل هو خلاف تنوع أم خلاف تضاد؟  وتحديد موضوعه هل هو خلاف مسائل وفروع، أم خلاف مناهج وأصول؟ ومن ثم تحديد حكمه هل هو خلاف مذموم أم غير مذموم؟ والناظر في الخلافات الدائرة بين الدعاة اليوم يجد أن معظمها راجعة إلى: الاختلاف في مسائل فرعية من الشريعة، الاختلاف في مسائل اعتقادية، ولكنها مما خفي دليلها،  الاختلاف في مسائل اجتهادية عدها أحد الأطراف بدعة وضلالة وليست كذلك، والاختلاف في مسائل حادثة من النوازل الواقعة التي لم ينقل فيها نص أو إجماع أو اتفاق، إنما اعتمد كل طرف فيها على نصوص عامة من الكتاب والسنة؛ فمتى كان الخلاف مما ذكرناه كان خلافا سائغا لا يقتضي التفرق.

الاختلاف طبيعة البشر

- الأصل الثاني: أن يعلم أن الاختلاف من طبيعة البشر ولا يمكن التخلص منه في العادة، قال الله -تعالى-: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}(هود: 118-119) ، قال الشاطبي -رحمه الله-: «فتأملوا  رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالاً في العادة؛ ليصدق العقل بصحة ما أخبر الله به»؛ فاشتراط رفع الخلاف لحصول التعاون فيه تعطيل لمبدأ التعاون الذي دلت على مشروعيته نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.

التعاون مع وجود الخلاف

- الأصل الثالث: أن قبول التعاون مع وجود الخلاف - الذي لا يقتضي التفرق- لا يعني بالضرورة المطالبة بأعلى صور التعاون دفعة واحدة، بل تكون البداية من الحد الأدنى من التعاون يتحقق فيه الواجب والمندوب، ويزول فيه المحذور والمكروه،ثم يترقى في النهاية إلى صور تعاونية أقوى، علما بأن بلوغ أعلى أنواع التعاون وإن كان محمودا، لكنه عزيز الوجود، ولاسيما وقد بَعُدَ أكثر الناس عن نهج النبوة في التسامح واتساع الصدور.

تضييق شقة الخلاف

الأصل الرابع: العمل على تضييق شقة الخلاف: وذلك ممكن بالخطوات الآتية:

1. السعي إلى زيادة الألفة، وتنمية المحبة، والتغاضي عن بواعث الفرقة والعداوة.

2. عدم إشغـال عـامـة الناس، وصغار الطلبة، وضعاف الإيمان، بتلقي التهم وسماعها وتداولها، وإشغالُهم بدلاً عن ذلك بقضايا العلم النافع والعمل الصالح.

3. إشغال أصحاب الطـاقــــات المتميزين بالكتابة والخطابة والحجة والبيان، بما هو مفيد ونافع لخدمة الإسلام وأهله، ورصـد الباطل وصده، ودحض الفساد والانحراف من البدع والمنكرات.

4. سد الباب على المنافقين والمرجفين الذين يفرحون بإشاعة العيوب، وتشكيك الناس بدعوة أهل السنة والجماعة، والذين يفرحون بالشماته بالمصلحين.

5. حسم مادة الخلاف وإزالة بذور الشقاق، لكي لا يثيرها من شاء من المرجفين.

6. إغـاظـــة أصحاب الفساد الذين يفرحون بتفرق الجهود الإصلاحية في ظل انشغال أهل الحق بعضهم ببعض، لينفذوا أغراضهم الـسـيـئـة بـيـســــر وسهولة.

7. تنسيق جهود أهل السنة في العمل الدعوي والتعليمي، وفي مجال الإفتاء، وهذا له أثر بالغ في دحض الباطل وأهله، وإرغامهم على إظهار تعظيم شعائر الله واحترام الدين وأهله.

التعاون على البر والتقوى

- الأصل الخامس: تطبيق التعاون على البر والتقوى، وإنزاله على الواقع المعاش بين الأفراد والجماعات، ولابد من مراعاة المرحلية في ذلك، من الحد الأدنى إلى الأعلى على النحو التالي: حسن الظن، والإعراض ،وكف الأذى، ثم المحبة والاحترام والتشاور وتبادل المنافع، ثم التعاون الوثيق والمشاركة الفعالة، وأخيرًا التعاون الشامل والوحدة الكاملة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة