أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

مقالات » مقبرة مأمن الله في فلسطين وقرار الإزالة

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

مقبرة مأمن الله في فلسطين وقرار الإزالة

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة؛ إذ هو بيت المسلم الميت؛ فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس، ولا يتكأ عليه عندنا وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له.

     ومن المقابر التاريخية التي تتعرض للامتهان الآن مقبرة مأمن الله في مدينة القدس، التي تعد أقدم مقبرة إسلامية في فلسطين وأعرقها، وأقيمت على أرض وقفية إسلامية، كانت مساحتها الأصلية 200 دونم (1000متر مربع) لم يتبق منها اليوم سوى 20 دونماً؛ حيث أقيمت على أرضها حديقة عامة عليها، وحول جزء منها إلى متحف، فضلا عن شق الطرقات والشوارع، مع اعتراف (اليونسكو) بها بوصفها أحد المعالم التاريخية التي يجب الحفاظ عليها.

قرار إزالة

     ولم يكتف اليهود بذلك بل أصدروا قرار إزالة للمقبرة كاملة، بحجة إقامة متحف، والغريب  أنهم أسموه (متحف التسامح) برعاية سلطة التطوير في بلدية القدس، ولم يجدوا مكاناً لإقامته إلا مقبرة (مأمن الله) التي يضم ثراها رفات المجاهدين والعلماء والصالحين من الصحابة والتابعين منذ الفتح الإسلامي إلى الحقب التاريخية التي عقبتها.

من جرائم التطهير العرقي

     فما يجري جريمة تعد من جرائم التطهير العرقي للموتى المسلمين في القدس؛ لأن هذه المقبرة مسجلة وقفية، وفيها رفات أصحاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ممن استشهدوا وبقوا في القدس في أثناء الفتوحات، ومنهم عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، فضلا عن خيار القضاة والصالحين ممن كانوا في القدس طيلة العصور الإسلامية؛ حيث يدعي القائمون على المشروع أنه مخصص للترويج للتفاهم بين الديانات المختلفة والتسامح بينها! فأي تسامح يبدأ بنبش القبور الإسلامية وانتهاك حرمتها وحرمة من فيها من الأموات، واستفزاز مشاعر المسلمين بالاعتداء على قبور أجدادهم وتاريخهم؟! وكيف ستقام منارات للسلام والمحبة وسط مقبرة للمسلمين؟! بعد أن نبشوا قبورها، وبعثروا عظامها، وحطموها وألقوها على الطرقات؟!

طمس التاريخ

     فسياسة طمس المقبرة والمعالم الإسلامية في القدس، والعمل على نبش القبور وبعثرة جماجم الموتى والموجودة منذ عهد عمر بن الخطاب إلى يومنا هذا، تُعد حلقة من حلقات طمس التاريخ والوجود على تلك الأرض المباركة؛ فتؤرقهم شواهد القبور وتاريخها التي تكشف الوجود الإسلامي.

تاريخ يهودي ومزور

     حيث أراد اليهود من حرب المقابر والتزوير في التأريخ أن يوظف ليكون أداة في يد الصهاينة لاختلاق تاريخ يهودي كاذب ومزور في فلسطين، ثم ربطه بالدولة اليهودية الحالية، وهذا ما أكدته نصّاً عالمة الآثار اليهودية (شولاميت جيفا)؛ بقولها: «إن علم الآثار اليهودي أريد له تعسفا أن يكون أداة للحركة الصهيونية، تختلق بواسطته صلة بين التاريخ اليهودي القديم والدولة اليهودية المعاصرة»؛ فالاعتداءات اليهودية لم تمس الأحياء وحدهم، بل طالت الأموات في قبورهم، كمقبرة باب الرحمة (الأسباط)؛ حيث أتت حفريات الجرافات الصهيونية على مئات القبور، وتبعثرت عظام الموتى بحجة التطوير والإعمار!

حرب القبور

     وحرب القبور ليس سيناريو لفيلم يحكي واقعاً وهمياً، بل هو حقيقة وقائعها على مشهد الجميع، فزرع آلاف القبور اليهودية الوهمية حول المسجد الأقصى المبارك، والبلدة القديمة بالقدس، مشروع تنفذه أذرع الاحتلال الصهيوني المتعددة، بدءا من بلدية الاحتلال في القدس، ووزارة السياحة بالتعاون مع جمعيات صهيونية، كجمعية إلعاد الاستيطانية وما يسمى بـ(سلطة الطبيعة والحدائق)؛ حيث تزرع هذه القبور بادعاء الترميم والصيانة، والاستصلاح والاستحداث، والمسح الهندسي والإحصاء.

     حيث يزرع الكيان الغاصب حجارة على أرض هي تراب، ليس بمكان قبر، أي ليس تحتها أي ميت مدفون، والهدف تهويد كامل لمحيط المسجد الأقصى والقدس القديمة، والسيطرة الكاملة على كل الأرض الوقفية والفلسطينية، وتحويلها إلى مقابر ومغتصبات وحدائق توراتية وقومية ومنشآت يهودية، لإيصال رسالة واضحة للزائرين من اليهود وغيرهم بأن تاريخ تلك الأرض هو تاريخ اليهود فقط، ونزع الصفة الإسلامية عن القدس كاملة؛ فادعوا المقدسات، وغيروا المعالم، وبدلوا المسميات، وهودوا التاريخ، وكأن كل المقدسات الإسلامية هي مقدسات يهودية الأصل، وأن المسلمين دخلاء على تلك الأرض! وأن القبور والتأريخ هو لليهود في الماضي والحاضر!

ادعاءات الباحثين اليهود

     وأمام هذا الواقع لا مناص من كشف زيف ادعاءات الباحثين اليهود وتبيان أن تلك القبور كانت قبل وجود اليهود على تلك الأرض المباركة، وستبقى بمشيئة الله بعد زوالهم؛ فقد استقر فيها العرب أكثر مما استقر فيها اليهود! وتمكن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية، وغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة التي حرفتها أيديهم! وسادت فيها العربية أكثر مما سادت العبرية.

حال العالم

ونتساءل أهكذا يكون حال العالم لو افترضنا أن ذلك حصل لمقبرة يهودية، أو لقبر صهيوني حاقد، هل سيبقون صامتين؟ أم يعدونه اعتداء على السامية واليهودية؟ وينتفض العالم بمنظماته ومؤسساته من أجلهم؟!

ولو كان عرقاً من أعراق اليهود قد دفن في تلك الأرض، هل يتجرأ قادة اليهود على نبش عظامه؟ يقيناً لا! لأنهم على يقين أن باطن تلك الأرض المباركة لا يحمل عظام فلاشي أفريقي، ولا قوقازي سوفياتي، ولا أشكنازي أمريكي، أو أشكنازي أوروبي!

واجب المسلمين

إن من واجب المسلمين المحافظة على حرمة من دفنوا فيها من الصحابة -رضي الله عنهم- وغيرهم من المسلمين، وعدم إسقاط حقنا بأوقافنا مهما طال الزمان، وستبقى على صفتها (أوقاف إسلامية) إلى قيام الساعة.

     وصيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك، لا يفوتني أن أوضح أن الدعوة لحماية مقابر المسلمين في القدس وغيرها من عبث اليهود، لا يعني تقديس القبور وتعظيمها والبناء عليها، والطواف حولها والتمسح بها، وتعظيم ترابها والأخذ منه للبركة، وتقديم القرابين والهدايا لها، ونثر الطيب والرسائل عندها؛ فكل هذه الأفعال جهل وضلالة في أعظم أصول الدين ومسائل العقيدة، ونحن مأمورون بتسوية القبور وعدم رفعها، وهذه وصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - «ولا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته».

ونحن مأمورون باتباع سنة النبي وهديه مع القبور، وكذلك فعل أتباعه من الصحابة وغيرهم من علماء المسلمين، ولا نتجاوز في ذلك ونبتدع.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة