أخبار سريعة
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات » (سؤال للعقلاء) كيف نال صحيحا البخاري ومسلم مكانتهما؟

للكاتب: أيمن الحضري

نسخة للطباعة

(سؤال للعقلاء) كيف نال صحيحا البخاري ومسلم مكانتهما؟

 

يُخطىء من يظن أن قبول كتابي صحيح البخاري ومسلم وتعظيمهما حدث بإيجاب من حاكم، أو سلطان، أو حتى مجموعة من ذوي الشأن، استصدروا قرارًا، أو ربما عقدوا مجمعًا، ثم قرروا فرض اتباع ذلك الكتاب على أتباعهم، وأن ما فيه صار ملزمًا بقوة القرار الصادر والُمصدِّرين له؛ فهذا أمرلا يمكن أن يحدث بحال في أمة دينها قائم على ثوابت، منها: لا عصمة لأحد بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، ولا تسليم لأمر ولا نهي في دينها إلا بناء على دليل صحيح ثابت، أمة أُمرت بإعمال العقل والتفكر الدائم، أمة ترحب بالمراجعة والنقد وفق الأصول والقواعد العلمية، وأدوات النقد المعتبرة، أمة تربت على أن غاية حب النبي صلى الله عليه وسلم متابعته.

     والصحيح أن ذلك القبول لم يتم إلا بناءً على منهج علمي ثابت وهو السبر والاختبار والتدقيق، ومن ثم القبول أو الرفض، ودون الدخول في شرح لذلك المنهج، نقول: إن قبول الصحيحين تم بسبب صمودهما أمام كل محاولات النقد العلمي والتدقيق من أهل الحديث وعلمائه على مر العصور من لدن تصنيفهما إلى الآن.

     فدائما لا يخرج إنسان عملا متقنًا، إلا وحاول أقرانه وأترابه وأساتذته وتلاميذه إعمال المنهج النقدي والاستدراك عليه، وتبيين خلله وإكمال نقصه، وهذا ما وقع مع الكتابين الجليلين، ولكن ما خرج من ذلك نذر يسير - أبى الله الكمال إلا لكتابه- ولكنه لا يساوي نسبة تذكر بضعة أحاديث من آلاف الروايات عند البخاري ومسلم، وجل الاستدراك كان في مخالفة الشرط وليس كون الحديث ضعيفا، فضلا عن أن يكون موضوعا؛ فلم يقلل ذلك من قيمة العمل، بل العكس؛ فقد زاده قيمة وثقة؛ فلا شك أن العمل بعد نقده ونخله واختباره يصير أكثر مصداقية واعتمادية .

     فالبخاري -رحمه الله - عرض صحيحه على علماء أفخاذ، أمثال يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، الذي حين سُئل عن والده، وهل هو ثقة؟ قال: «هذا هو الدِّين، أبي: ضعيف»؛ فهل ترى أنه يجامل صاحبه البخاري؟! وعرضه على غيرهم؛ فأقروه وشهدوا له بالصحة؛ قال العقيلي: «فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، والقول فيها قول البخاري»، ومسلم عرض صحيحه على أبي زرعة الرازي ، ومحمد بن وارة، وغيرهما من أئمة الحديث؛ فأقروا له بهذا العمل، وشهدوا له بالصحة .

من هنا: نشأ إجماع الأمة على قبول أحاديث الصحيحين، وعدُّهما مؤلفات رصينة محكَّمة، مقبولة بالاتفاق .

ونقل ذلك الإجماع ابن الصلاح - في مقدمته الشهيرة في علم المصطلح - عن أبي نصر السجزي، ونقل الإجماع أيضا أبو إسحاق الإسفراييني، والإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم .

     بل ما قد يدهشك أن ذلك النقد والاستدراك المبني على منهج علمي صحيح لم يمنعه أحد من العلماء حتى وقتنا الحاضر؛ فمرحبا بكل باحث متخصص يقدم دراسة نقدية للصحيح بشروط محددة وهي: أن يكون دارسًا متخصصًا في هذا العلم، أن يلتزم المنهج العلمي بضوابطه، ألا يردهما جملة لمجرد أن هواه وميله كذلك، والعقلاء اتفقوا على الرجوع في كل فنٍّ إلى أهله، ورحم الله الشيخ طاهر الجزائري (ت1388هـ)؛ إذ يقول: «مزية الصحيحين ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، ولا ينكرها إلا غمر يزري بنفسه وهو لا يشعر».

     وأخيرا؛ فإن أعتى أعداء الإسلام وشانئيه، قد شهدوا لهذه الأمة بثبوت كتابها، وسلامته من تحريف الأجيال المتعاقبة، وبمنهجية علوم الإسناد والرجال وما حولهما التي لا نظير لها في دين ولا تاريخ ولا حضارة، بل حتى نظم التوثيق المعتمدة حديثا، تعتمد كلية على الوسائط الملموسة بأنواعها المختلفة، ولا يمكن بحال ان تصل إلى ما كان عليه من ضبط الحفاظ الذين لا يجري على حفظهم فساد ولا هلاك ولا تزوير .

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة