أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

مقالات » تربية الأبناء على الأصالة والاعتزاز بالدين

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

تربية الأبناء  على الأصالة والاعتزاز بالدين

 

إن الله -سبحانه وتعالى- اختار لنا الإسلام دينا كما قال -تعالى-: {إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران: 19)، ولن يقبل الله -تعالى- من أحد دينا سواه، كما قال -تعالى-:  {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران: 85)، وقال النبي[: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»(رواه مسلم 153)، وكل الأديان سوى دين الإسلام، أديان باطلة لا تقرب إلى الله -تعالى-، بل إنها تزيد العبد بعدا منه -سبحانه وتعالى- بحسب ما فيها من ضلال. 

     وإنّ من أكثر المواقف التي تمرّ على المربي ألمًا عندما يرى أبناء المسلمين وقد غاب عنهم هذا المعنى، ويستبدلون بالسمت الإسلامي الأصيل موضات الشرق والغرب، وليس ذلك في السمت الظاهر فحسب بل في الأفكار والعادات والتقاليد، حتى الأعياد المحدثة التي تدعو إلى المخادنة والعلاقات المحرمة، لم يسلم الشباب والفتيات من الافتتان بها! ولو سألنا أنفسنا عن السبب لكان الجواب هو غياب التربية على الأصالة والاعتزاز بالدين وشعائره الظاهرة والباطنة. فهل من سبيل إلى العودة بأجيالنا القادمة إلى الاعتزاز بدينهم والتمسك بهويتهم وأصالتهم ؟

مسؤولية كل مرب

فكل مولود يولد على الفطرة السليمة كالصفحة البيضاء في يد والديه، وهما اللذان يتوليان توجيهه، والاعتزاز بالدين أعظم القيم التي يتشربها الطفل، من رؤية تصرفات والديه، ومن بيئته الأُسرية التي ينشأ فيها.

دينه مصدر عزّته

     إن أول ما ينبغي أن يشبّ عليه الصغير هو أن دينه مصدر عزّته، وأنّ اعتزازه بنفسه، إنما يرجع لكوْنها نفسٌ مسلمة، وحبذا حفظ الصغار هذا الأثر العظيم عن الفاروق رضي الله عنه لما قدم عمر الشام، عرضت له مخاضة؛ فنزل عن بعيره، ونزع موقيه؛ فأمسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره؛ فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره، وقال: أَوَّهْ..!، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام؛ فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله.

ربط الأبناء بالقرآن والسنة

     ربط الأبناء بالقرآن والسنة والتمسك بهما: وذلك علمًا وعملًا وتعظيمًا لهما، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- حديث حجة الوداع، وفيه أن النبي[ خطبهم بعرفة وقال : «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ»، (رواه مسلم)؛ ولذلك تكفل الله -تعالى- بحفظهما إلى يوم القيامة؛ نظرًا لما يمثلانه من مصدريْن أساسين لانتماء المسلمين وهويتهم، قال -تعالى-: {َقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، وقـال -سبحانه وتعـالى-: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} إلى ضرورة التمسك بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة؛ لأن فيهما العزة، والرفعة، للإنسان المسلم؛ ولهذا فهما موضع الفخر، والاعتزاز بهما.

الصلة بين الأجيال وبين القرآن

     ولنعلم جميعًا أن الصلة القوية بين الأجيال الصاعدة، وبين القرآن الكريم والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، كلُّ ذلك مستهدف من أعداء الإسلام؛ لأنهم يعرفون جيدًا أهمية هذه الأصول في تكوين الشخصية المسلمة القوية، يقول المستشرق الغربي (شاتلي): «إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتكسروا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كلّ العقائد السابقة واللاحقة لها، التي كانت السبب الأول والرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم، والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم، وكتابهم (القرآن) وتحويلهم عن كلّ ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي».

جُحْرُ الضَبِّ

     إنّ المحافظة على هوية الأبناء وغرس روح الأصالة في نفوسهم، لا تتم إلا بتربيتهم على نبذ التقليد الأعمى والترفع عنه، كيف لا؟ وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم  منه أشد التحذير، عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى قال: «فمن؟»، وقد بيّن لنا  صلى الله عليه وسلم أن هذا التشبه والتقليد يرتكس بالمرء إلى دركات من هم دونه فيصير منهم، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من تشبه بقوم فهو منهم».

     والعجيب أن يرى المرء في المجتمعات غير المسلمة قوة وصلابة تمسّكهم ومحافظتهم على هويتهم التي يتميزون بها من عادات، وتقاليد وطقوس ورثوها من أسلافهم، وقد تشعر في بعض ما يعتزون ويفتخرون به، بل ويقدسونه عجائب، وغرائب قد يصل في بعضها إلى السخافة، والتفاهة، ولكن على الرغم من ذلك تجدهم متمسكين بها، ويصرون على إبرازها، وتخليدها بالوسائل المتاحة، وقد أدى ذلك لبروز هويتهم الخاصة التي تميزهم عن غيرهم.

المسلم على الحق

     والمسلم أوْلى بهذا التمسك؛ لأنه على الحق وما سواه باطل، قال -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}(لقمان: 62)، ولقد ميز الله -تعالى- المجتمعات الإسلامية بهوية فريدة في مصادرها، وأصولها وفروعها، وكل متعلقاتها، ومن عايشها، وفهمها، والتزم بها سعد في الدنيا والآخرة، ومن هنا يتضح أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تشبه المسلم بغيره هو قمة التوجيه في الاعتناء بالهوية الإسلامية والاعتزاز بها والمحافظة عليها.

ضبط القدوة لدى الأبناء

     ويجب أن يتربى الأبناء على أنّ رأس الاقتداء إنّما يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو الأسوة التي سمّاها الله وعيّنها لنا نحن المسلمين، وأمرنا بالاقتداء به في أمرنا كله، قال -تعالى-: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}(الأحزاب: 21)؛ فيتعرض الأب لولده بأفعال السنة وأقوالها، مستثيرًا ومحفزًا له كي يسأل ويستعلم عن سبب قيام والده بذلك؟ فيجيب؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم  كان يفعلها وهو قدوتنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم ! (د.عدنان باحارث: مسؤولية الأب المسلم في تربية ولده بتصرف).

شخصية النبي صلى الله عليه وسلم 

إنّ تعلق الطفل بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم يجعل منه إنساناً سوياً صالحاً متدينا؛ فإذا أحب نبيه صلى الله عليه وسلم  أحب دينه، وعظمت عنده سنة نبيه؛ فيمثّل له هذا الاقتداء حصناً حصيناً ضد المؤثرات السلبية والقدوات السيئة.

السيرة النبوية

     ولا يتم ضبط عملية الاقتداء إلا بتعليمهم السيرة النبوية والمغازي المباركة، وقصص العظماء، وأخبار كفاحهم لصنع النجاح والاحتفاظ به؛ فعن سعد بن أبي وقّاص أنه قال: «كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما نعلمهم السورة من القرآن»، وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبى وقّاص -رضى الله عنهم- قال: « كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول : «يا بُنيّ، إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها»؛ فتلقين الأبناء هذه السيرة المباركة هو من أحسن الأساليب لتكوين شخصياتهم على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، مصطبغة بالصبغة الإسلامية الأصيلة.

ويجدر بالمربي أن يوفر لأبنائه -ولاسيما الصغار منهم- الوسائط التي تقرّب لهم هذه القدوات وتصورها لهم بطريقة حية وجذّابة ومناسبة لهم، وقد باتت كثيرة ومتوفرة بحمد الله -تعالى- مثل: الأقراص المدمجة والقصص المطبوعة للأطفال ذات الألوان الجذابة.

المحافظة على هوية الأبناء

وأخيرًا عزيزي المربي: إنّ قضية المحافظة على هوية الأبناء وأصالتهم، هي في حقيقتها محافظةٌ على الدين نفسه، ومسؤوليتها أمانة في أعناق المربين وقيامهم بها هو خير جواب للسؤال غدا بين يدي الله -عز وجلّ.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة