أخبار سريعة
الجمعة 19 يوليو 2019

مقالات » معالم التـأديب التربـوي في الحلقات القرآنية (2) فضل تعلم القرآن في الحلقات القرآنية

للكاتب: د. علي الزهراني

نسخة للطباعة

معالم التـأديب التربـوي في الحلقات القرآنية (2) فضل تعلم القرآن في الحلقات القرآنية


إن الحلقات القرآنية إحدى المحاضن المهمة في بناء الأجيال وتربيتهم وتأديبهم على أخلاق القرآن وتعاليمه، الأمر الذي جعل هذه الحلقات ضرورة شرعية لرعاية أبناء المسلمين في واقعنا المعاصر، وقد زاد الإقبال عليها، والمطالبة بها؛ لأنها ذات أثر إيجابي وكبير في تكوين الميول والاتجاهات لدى تلاميذ الحلقات، وذلك من خلال ثلاثة جوانب من وجهة نظري يُعتنى بأمرين منهما ويهمل ثالثهما؛ وهو مادفع إلى دراسة هذا الموضوع.

     إن تعلّم القرآن من أفضل القربات إلى اللَّه -تعالى-، ومتعلمه يحظى بالخيرية في الدنيا والآخرة؛ فقد روى البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول اللَّه قال: «خيركم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه»، وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أفضلكم من تعلم القرآنَ وعَلَّمه»، قال عبد الرحمن السلمي؛ فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا؛ فكان يعلم من خلافة عثمان إلى امرة الحجاج، وقد شَبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويتعلمه بالطعام اللذيذ في مذاقه، ورائحته؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب».

يرقى بصاحبه

     وتعلم القرآن الكريم يرقى بصاحبه إلى درجة عظيمة، ومنزلة رفيعة؛ حيث يرافق السفرة الكرام البررة في الجنة؛ فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، الذي يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران».

زيادة الإيمان

     ومن ثمرات تعلم القرآن أنه من وسائل زيادة الإيمان؛ فعن جندب قال: «كنا غلماناً مزاورة (أي: قاربنا البلوغ) مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن؛ فازددنا به إيماناً»، ولا يقتصر فضل تعلُّم القرآن في الآخرة فحسب، بل ينال به العبد الرقي والسؤدد في الدنيا، روى عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب اللَّه -عز وجلَّ-، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللَّهَ يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين».

من مظاهر الدعوة

     ويعد تعليم القرآن من مظاهر الدعوة إلى اللَّه -تعالى-، بل هو أشرف المظاهر قال -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَولاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، قال ابن حجر: القرآن أشرف العلوم؛ فيكون من تعلمه، وعلمه لغيره، أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه.

     ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدّي؛ ولهذا كان أفضل وهو من جملة ما عني -سبحانه وتعالى- بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَولاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} والدُّعَاء إلى اللَّه -تعَالَى- يقع بأمُورٍ شَتَّى من جملتها تعليم القرآن، وهو أشرف الجميع.

مزية عن غيره

     والقرآن الكريم يعطي لحامله مزية عن غيره؛ حيث تكون له الأولوية في إمامة الناس كما جاء في الحديث: «يؤم القومَ أَقرؤهم لكتاب اللَّهِ»، بل إن صاحب القرآن يوم القيامة تكون منزلته عند آخر آية يقرؤها، عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال: اقرأ وارتقِ وَرَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخرآية تقرؤها».

المنزلة الكريمة

     فهذا الفضل العظيم والمنزلة الكريمة التي يتطلع إليها أولو الألباب، وأهل الطموح لا يصل إليها أحد إلا إن كان من أهل القرآن المواظبين على تلاوته، الحريصين على تعلُّمه، وتدبُّره، العاملين به، المقيمين لحروفه، وحدوده ومعرفة أحكامه، وحكمه، وحلاله، وحرامه، وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسُل، وهم الكمَّل في أنفسهم المكملين لغيرهم.

استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم،

     ومن فضل تعلم القرآن وتعليمه، أن في ذلك استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «تَعَلَّمُوا القرآن فأقرئوه، واقْرؤوه؛ فإن مثل من تَعلمه فقرأه، وقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح بريحه كل مكان، ومثل من تعلَّمه؛ فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكي (أي: ربط) على مسك».

 آداب المعلمين

     وقال ابن سحنون في آداب المعلمين في أثر عن عثمان رضي الله عنه في قوله -تعالى-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينا مِنْ عِبَادِنَا} قال: كل من تعلَّم القرآن وعَلَّمه فهو ممن اصطفاه اللَّه من بني آدم، بل إن صاحب القرآن يقدم على غيره في حالة الدفن بعد الموت؛ فلو جمع أكثر من واحد في قبر، لكان أولهم وضعاً في القبر صاحب القرآن، ومن النصوص السابقة يتبين لنا، فضل تَعَلّم القرآن، سواء في الحلقات أم في المدارس أم في بيئات التربية الأخرى، وأن إعراض أي مجتمع عن العناية بتعليم القرآن «والنظر في كتاب اللَّه وتفهمه والعمل به من أعظم المناكير وأشنعها وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى».

فضل تعليم القرآن في الحلقات القرآنية

     إن القيام بتعليم القرآن الكريم، وبيانه للناس، من أعظم الأعمال، وأجل القربات إلى اللَّه -تعالى-، ومتعلمه، ومعلمه يحظى بالخيرية في الدنيا والآخرة؛ فقد روى ابن ماجة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «خياركم من تَعَلَّم القرآن وعَلَّمه»، قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا أُقرئ.

     ومما يدل على فضل تعليم القرآن في الحلقات القرآنية أو في غيرها من وسائط التربية، أن القيام بهذه الوظيفة النبوية والمهمة الربانية فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الاثم عن الباقين، أما إذا لم يوجد في المجتمع من يقوم بهذا الواجب إلا واحد أو قلة تعين عليهم.

فرض كفاية

     يقول النووي -رحمه اللَّه-: تعليم المتعلمين -أي: للقرآن- فرض كفاية؛ فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه، وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم؛ فإن امتنعوا أثموا، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين حتى إن إمام الحرمين الـجويني -رحمه اللَّه - جعل للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين؛ لأنه يسقط الحرج عن الأمة؛ فقال: فرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ من حيث أن فاعله يسد مسد الأمة، ويسقط الحرج عن الأمة وفرض العين قاصر عليه.

عظيم فضل تعليم القرآن

     وقد ذكر أهل العلم في كتبهم ومصنفاتهم عظيم فضل تعليم القرآن، قال القرطبي: قال العلماء: تعليم القرآن أفضل الأعمال؛ لأن فيه إعانة على الدين؛ فهو كتلقين الكافر الشهادة ليسلم، وقال السيوطي: اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة وتعليمه أيضاً فرض كفاية، وهو من أفضل القرب قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تَعَلَّم القرآنَ وعلَّمَه»، وفي هذا الخبر بيان من أصدق الخلق أن المشتغلين؛ بذلك هم خير الناس، بل إن مِن العلماء مَن فضل تعليم القرآن، وتعلمه، وقدمه على الجهاد في سبيل اللَّه ذروة سنام الإسلام؛ فقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني، واحتج بالحديث السابق.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة