أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

مقالات » رمضان وتربية الأبناء على خلق (التكافل)

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

رمضان وتربية الأبناء على خلق (التكافل)

 

إنّ من عظيم نعم الله -تعالى- على عباده المؤمنين، أنه -تبارك وتعالى- يربيهم بالعبادات التي افترضها عليهم أحسن تربية وأفضل تقويم؛ وذلك بما أودع في تفاصيل هذه العبادات من أسرار القوة الإيمانية، والإصلاح الخلقي في الوقت ذاته، وفي شهر رمضان؛ إذ يشترك المسلمون جميعًا في أداء فريضة الصيام، وتتحرك في نفوسهم بقوة معاني الأمة الواحدة؛ فالكل يصوم في وقت واحد: الكبير والصغير، الذكر والأنثى؛ فيستشعرون قوله -تعالى-: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}(الأنبياء: 92)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقد فتح لنا في هذا الشهر الكريم من أبواب الطاعات ما يحقق مفهوم الجسد الواحد للأمة، ويعمق مفهوم التكافل والتعاون، ويقوي الروابط والصلات بين أفرادها وإن تباعدت أماكنهم.

     ولأن مواسم الطاعات هي مواسم عالية الجاهزية لعمل المربين؛ فلابد أن نحسن استغلال هذا الشهر العظيم في تدريب الأبناء على مبدأ التكافل والتراحم بين المسلمين وأخلاقياته، انطلاقًا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول أي الناس أحب إلى الله؛ فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي له دينا أو تطرد عنه جوعا؛ ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام».حسنه الألباني.

أهمية هذا الخلق

وقد يتساءل المربي قائلًا: ما أهمية هذا الخلق للأبناء؟ وما للصغار وحمل هذه الهموم ؟

أعزائي، إن تربية الأبناء على معاني التكافل وتدريبهم عمليًا على ممارسته مع أصحاب الحاجات، يعود على بنائهم النفسي، وانضباطهم السلوكي بالعديد من الفوائد، مثل:

الوحدة بين المسلمين

     يتربى الأبناء على معاني الوحدة بين المسلمين، والشعور بالمسؤولية تجاه الجماعة المسلمة، وأن هم المسلم هو همٌ شخصي لأخيه المسلم، وأن هذا من دلائل الإيمان بالله -عز وجل-، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به». رواه الطبراني.

التخلص من الأخلاق الذميمة

     تخليص الأبناء من ذميم الأخلاق، مثل الأنانية والأثرة والبخل؛ فسلوكيات الأبناء تجاه المال غالبًا ما يتوارثوها من الوالدين، سواء الذميم منها أم الحسن، وتعويد الأبناء على أخلاق التكافل وكرم النفس وحب العطاء لا يكون إلا بالقدوة والتدريب العملي، ومن أروع ما يروى في ذلك: عن عروة بن الزبير قال: «أدركت سعد بن عبادة، ومنادٍ ينادي على أطمة - صخرة على باب بيته-  من أحب شحماً ولحماً فليأت سعدا، ثم أدركت ابنه قيسا ينادي بمثل ذلك». رواه الطبراني.

الاستواء النفسي

     يتمتع الأبناء الذين يتشربون هذا الخلق بالاستواء النفسي؛ فقد أثبتت الدراسات أن الأفراد الذين يتطوعون في الأعمال الخيرية يتمتعون بالصحة النفسية، وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال: «أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك». صحيح الجامع: 80.

أجور العبادات

     يتعلم الأبناء الترتيب الصحيح لأجور العبادات والقربات عند الله -تعالى-، وأيها أفضل وأولى ببذل الجهد؛ فنعلمهم أن العمل المتعدي في نفعه (مثل جميع صور التكافل الاجتماعي وقضاء حوائج المسلمين)، خيرٌ وأعظم أجرًا عند الله -تعالى- من العمل الذي يقتصر نفعه على النفس، (مثل الاجتهاد في نوافل العبادات)، وهذه القاعدة هي التي فهمها وطبقها الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-؛ فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، أنه قال: «لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة» .

الحكمة من التشريعات

     يتعلم الأبناء الحكم العظيمة من وراء هذه التشريعات، مثل وقاية المجتمع من الانحراف؛ لأن الفقر وقلة المال مع ضعف الإيمان؛ توقظ في النفس دواعي الرذيلة؛ ويزين الشيطان للفرد طرق الانحراف؛ للحصول على المال بطرائق محرمة، مثل السرقة والاحتيال، وإعطاء الفقراء حاجتهم من أموال الزكاة والصدقات يسد خلتهم، ويجعل نفوسهم هادئة غير حاقدة على الأغنياء،  وبهذه المعرفة تزداد محبة الأبناء لإسلامهم واعتزازهم بدينهم وتعظيمهم للشرع الحنيف.

التدريب العملي

     إذًا فلابد من التدريب العملي للأبناء على ممارسة التكافل؛ فرؤية الأبناء للوالدين وهم يعملون ويجتهدون في إعداد حاجات الفقراء له من الأثر في غرس الخلق والعادة في نفس الأبناء ما لا يقارن بعدمه، وقد دأب الصالحون على تربية أبنائهم على عادات الخير والعطاء؛ فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وفي شهر رمضان ميدان شديد التنوع من الأعمال التي يستطيع المربي أن يدرب أبناءه عمليًا عليها باصطحابه لهم أثناء قيامه بها، أو تكليف الأكبر سنًّا منهم ببعضها، مثل إعداد الطعام الجاف، أو المطهو من أجل تفطير الصائمين من غير القادرين، وتوصيل أموال الزكاة والصدقات إلى مستحقيها، وشراء الدواء للمرضى العاجزين عن تكاليفه، وزيارة ملاجىء الأيتام مصطحبين الهدايا لإدخال السرور عليهم، على أن يقوم المربي بتلاوة الأحاديث التي تنص على فضل هذه الأعمال أثناء ذلك، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من فطَّر صائماً كان له من الأجر مثل أجره، غير أنه لا ينقص ذلك من أجر الصائم شيء».

 

 

 

استشارة: كيف أوصل مفهوم التكافل لأبنائي بخطوات عملية ؟

 

الجواب: إليك أهم الخطوات العملية التي تجعل الأبناء يطبقون مبدأ التكافل ويسارعون إليه:

مداومة التوجيه

     ليكن التوجيه المستمر ملازمًا للخطوات العملية؛ فلابد أن يستمع الأبناء دائمًا للآيات والأحاديث التي تحثّ على التكافل بين المسلمين، حتى يترسخ هذا المفهوم بقوة في عقولهم، مثل قول الله -تعالى-: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}، ومثيلاتها في القرآن كثير، وكذلك من السنة النبوية الأحاديث الواضحة اليسيرة في حفظها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : «أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم».

أحوال المسلمين

     بدلًا من متابعة البرامج عديمة الفائدة، لنعد مسبقًا لمشاهدة الأبناء التقارير الإخبارية التي تنقل أحوال المسلمين المبتلين حول العالم، ما بين لاجئين، ومهجّرين، ومحاصرين، وآخرين ضربتهم الكوارث الطبيعة، حتى يعيشوا هموم أمتهم ويشعروا بإخوانهم المسلمين المبتلين في بقاع الأرض.

سؤال الأبناء

بإمكان الوالد أن يسأل أبناءه بين الحين والآخر: من منكم تصدق اليوم على مسكين؟ ربما في المرة الأولى لن يجيبه أحد منهم، ولكن عندما يعلمون أن أباهم سوف يسألهم ثانية؛ فإنهم عند ذلك سيسارعون في الإنفاق والبذل، ويتسابقون في ذلك.

الأنشطة الخيرية

إشراك الأبناء في الأنشطة الخيرية التي تعنى بكفالة الأيتام والفقراء من خلال مسجد الحي، أو الجمعيات الخيرية الموثوقة، وبذلك يتمكنون من التطبيق العملي لصور متنوعة من التكافل.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة