أخبار سريعة
الأحد 18 اغسطس 2019

مقالات » فوائـد من وصـايا لقمـان الحكيـم

للكاتب: الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر

نسخة للطباعة

فوائـد من وصـايا لقمـان الحكيـم

 

     هذه وقفة مع هذه الوصايا العظيمة جليلة القدر، وصايا لقمان الحكيم، ويكفي شاهدًا ودليلًا على عظم شأنها ورفيع مكانتها أن الله -سبحانه وتعالى- خلَّد ذِكرها في القرآن في آياتٍ تُتلى في كتاب الله -سبحانه وتعالى-، ويكفي فضلًا لقائل هذه الوصايا أن الله -عز وجل- أخبر في هذه الآيات أنه -جل وعلا- آتاه الحكمة، وأيضا يكفيه فضلًا أن اسمه خُلِّد في سورة من كتاب الله -سبحانه وتعالى- عُرفت باسم هذا الحكيم (سورة لقمان).

وهذه الوصايا جديرٌ بالمربين -آباء وأمهات ومعلمين- أن يُعنوا بها عناية عظيمة؛ لأن فيها بيانا لما يربى عليه النشء، وفيها بيان لأسلوب التربية القويم الذي ينبغي أن يُسلك في تهذيبهم وتنشئتهم، وأشير في هذا المقام إلى بعض الأمور المستفادة من هذه الوصايا.

صحة المعتقد وحُسن العبادة

     فمن ذلكم: أن مما ينبغي بل يجب أن يُنشَّأ عليه الناشئة صحة المعتقد، وحُسن العبادة والتقرب إلى الله -عز وجل-، وسلامة السلوك، وهذه الثلاث مجتمعة في هذه الوصية العظيمة وصية لقمان لابنه؛ فقال له: لا تشرك بالله، وأمره بالصلاة التي هي أعظم الفرائض، وحذره من بعض الآداب السيئة، وتحذيره له من تلك الآداب هو في الوقت نفسه دعوة إلى التحلي بجميل الخصال وطيب الآداب.

النهي عن الشرك

     ومما في هذه الوصايا من فائدة: أن لقمان بدأ في وصيته لابنه بنهيه عن الشرك وتحذيره منه {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} (لقمان:13)، وفي هذه من الفائدة أن الشرك بالله -عياذا بالله من ذلك- هو أخطر الأمور وأشد الموبقات وأكبر المعاصي؛ ولهذا قال لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)؛ فالشرك هو أظلم الظلم وأكبر الموبقات وأعظم ذنب عُصي الله -سبحانه وتعالى- به؛ فمما يجب أن يربى عليه الناشئة أن يحذَّروا من الشرك بالله. والشرك: تسوية غير الله بالله في شيء من حقوقه -سبحانه وتعالى-، ولهذا فإن المشركين يوم القيامة إذا دخلوا النار يقولون على سبيل الحسرة والندامة {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:97-98)، فالشرك تسوية غير الله -سبحانه وتعالى- بالله في شيء من حقوق الله -عز وجل.

مراقبة الله

     ومما يستفاد من هذه الوصايا العظيمة جانب قد يغفل عنه كثير في تربية النشء: وهو تنشئة الابن على مراقبة الله -تعالى-: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (لقمان:16)، كثير من الآباء في نهره لابنه أو نهيه له عن بعض الأعمال يخوِّفه بنفسه، يعني يخوف الوالد ولده بنفسه يقول له: أنا مراقب لك وأنا متابع لك ولي عيون عليك.. إلى آخر ذلك؛ وهذا من الخطأ الفادح في التربية، فالابن يربى على مراقبة الرب -سبحانه وتعالى- الذي لا تخفى عليه خافية المطلع على كل شيء، ولهذا اتفق أهل العلم أن أكبر زاجر وأعظم رادع أن تعلم أن الله يراك، أنه -سبحانه وتعالى- مطلع عليك {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} (العلق:14)، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} (الملك:14)، {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الطلاق:12)، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر:19) فبهذا يخوَّف الابن يقول له: انتبه الله -سبحانه وتعالى- مطلع عليك ويراك. وهذه الوصية يحتاج فعلًا الأبناء في هذا الزمان أن يذكَّروا بها، ولاسيما أن هذه الأجهزة الحديثة وما فيها من سموم وشرور وبلاء مستطير وفساد عريض وأضرار فادحة إذا ذكِّر الابن بهذا الجانب ردعه عن كثير من المشاهدات السيئة والمناظر المحرمة والسماع المحرم إلى غير ذلك.

الآداب الرفيعة

     ومما يستفاد من هذه الوصية وهو جانب مهم في التربية: أن القيم العالية والآداب الرفيعة عندما تُغرس في الابن ينبغي أن ينبه مع ذلك في الوقت نفسه أن يكون داعيًا لهذا الخير، فلقمان قال لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} (لقمان:17)، وقد قيل قديما: «إذا لم تَدعُ تُدعى»، يعني إذا لم تَدعُ إلى الحق دعيت إلى الباطل، فإذا رُبي الابن على القيم الفاضلة والآداب الرفيعة العالية فإنه في الوقت نفسه يربى على الدعوة إلى هذا الخير الذي منَّ الله -سبحانه وتعالى- عليه به، ولو لم يأته من هذا إلا أن يكون ذلك حصنًا له وواقيًا من دعاة الشر أن يدعوه إلى ما عندهم من باطل لكان في ذلك كفاية،كيف وإن هذا الأمر يرجى أن يترتب عليه فوائد عظيمة من دعوته ومناصحته وتذكيره لزملائه؟!

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة