أخبار سريعة
الأحد 18 اغسطس 2019

مقالات » في رمضان.. كيف نربي أبناءنا على خلق الأمانة؟

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

في رمضان.. كيف نربي أبناءنا على خلق الأمانة؟

لا نزال متنعمين بشهر رمضان المبارك ونفحاته التربوية الرائعة، فعبادة الصيام التي فرضها الله -تعالى- على عباده في شهر رمضان تعد بحق مدرسة لتربية المؤمنين على أسمى المعاني الإيمانية وأرقى القيم الأخلاقية، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).

     ولا شك أن شهر رمضان المبارك بهذه الخصائص التربوية العظيمة التي أوْدعها الله -تعالى- في أعماله التعبدية، يُعد غنيمة لكل أب وأم ولكل مربٍ، ومن أهم الأخلاق التي تهيء أجواء شهر رمضان لغرسها في نفوس الأبناء خلق (الأمانة)؛ لأنها من أمهات القيم التي يتفرع عنها الكثير من القيم الأخرى، فالصدق أمانة الحديث، وغض البصر أمانة النظر، وترك الشتم والسب أمانة اللسان، والإتقان أمانة أداء العمل، مما يعني أن التربية على الأمانة باب عظيم تدخل منه الكثير من الأخلاق الإسلامية الرفيعة، ومن تربى عليه فقد حاز النصيب الأوْفى من الخلق الحسن.

تعريف الأمانة

ومعنى قيمة خلق (الأمانة): هي كلُّ حقٍّ لزمك أداؤه وحفظه، وقيل في تعريفها: (التَّعفُّف عمَّا يتصرَّف الإنسان فيه مِن مال وغيره، وما يوثق به عليه مِن الأعراض والحرم مع القدرة عليه، وردُّ ما يستودع إلى مودعه).

ومن الناحية الشرعية الدينية عرّفها (الكفوي) فقال: «كلُّ ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار».  

ضرورة تعليمها وتعلمها

     لماذا يتوجّب علينا أن نعلم أبناءنا خلق (الأمانة)؟ إن أكثر مخاوف الآباء والأمهات تكون مما قد يقع فيه الأبناء بعيدًا عن ناظريْ الوالديْن، سواء منفردين أم تحت تأثير رفقاء سوء، أو بصحبة وسائل التقنية الحديثة، التي يصعب على الوالدين السيطرة عليها أو مراقبتها طوال الوقت، وليس من الحكمة منع الأبناء من اقتنائها أو استخدامها منعًا باتًا، فإن لذلك آثار سلبية كثيرة، والحل الوحيد لهذه الحيرة وتلك المخاوف التي قد تصيب الآباء في مثل هذا الموقف هو غرس خلق الأمانة مقترنًا بمراقبة الله -عزّ وجل- مبكرًا في نفوس الأبناء، فيتربى بداخلهم (الضمير الذاتي إيمانيًا وأخلاقيًا) الذي يمثل البوصلة التي تحدد للابن السلوك الذي يصلح أن يفعله وهو ما يرضي الله -عزّ وجل-، من السلوك الذي لا يصلح أبدًا أن يفعله وهو ما يغضب الله -عزّ وجل- حتى لو كان منفردًا، فيعرف الابن مثلًا أن مسؤولية استخدامه لهاتفه النقّال أمانة، وثقة والديه فيه أمانة، واحترام سمعته وسيرة والديه وأسرته أمانة أيضًا، وهكذا.. إذا تلقى الابن هذه المفاهيم استشعر أمانة المسؤولية عن أفعاله أمام الله -عزّ وجل.

خطوات التربية

أهم الخطوات في تربية الأبناء على خلق الأمانة:

القدوة الحسنة

     دائمًا نذكّر ونكرر أن القدوة الحسنة هي أول خطوة في طريق التربية، فالقدوة الصالحة المواظبة على الفعل الصحيح والخلق الحسن، والمنضبطة بما شرع الله -عزّ وجل- هي أقوى وسائل التربية الأخلاقية للأبناء، حتى ولو لم يتكلم الوالد المربي مع أبنائه كلمة واحدة عن خلقٍ من الأخلاق هو ثابتٌ عليه ملتزمٌ به في كل المواقف والأحوال، وعليه فإن مشاهدة الأبناء لتطبيقات الوالدين لخلق (الأمانة) بمعناها الشامل في مواقف الحياة المختلفة على مدار اليوم والليلة؛ ينقل إليهم معنى الأمانة فتتشربه نفوسهم ولا يعرفون غيره ولا يحسنون ذميمة الخيانة وما شابهها من أخلاق ولا تطاوعهم أنفسهم عليها أبدًا.

استشعار معناها

     تعليم الأبناء أن الأمانة خلق عظيم أمرنا الله -تعالى- به في قوله -عزّ وجل-ّ: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (النساء:58)، وهي من أخلاق الأنبياء الذين هم أكمل البشر أخلاقًا، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بين قومه بـ(الصادق الأمين)، وكذلك وُصِفَ نبي الله موسى الكليم في القرآن الكريم بالقوة والأمانة، قال -تعالى-: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} (القصص:26).

من التكاليف الشرعية

     من المهم جدًا أن نجعل مفهوم الأمانة يرتبط في ذهن الأبناء بجملة التكاليف الشرعية، قال -تعالى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب:72) ففي هذه الآية العظيمة: «عظَّم -تعالى- شأن الأمَانَة، التي ائتمن الله عليها المكلَّفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السِّرِّ والخفية، كحال العلانية»، (تفسير السعدي:887)، وبذلك يدرك الأبناء أن التزام المسلم بأداء كل ما أمر الله -تعالى- به والإنتهاء عن كل ما نهى عنه من صميم معنى الأمانة.

ربطها بالصيام

     الربط بين عبادة الصيام وخلق الأمانة، فالمسلم حال صومه يراقب الله -تعالى- ويمتنع عن المباحات المتاحة أمامه، ولا يوجد ما يمنعه من التخفّي بالفطر إلا مراقبة الله -تعالى- وصيانته لأمانة التكليف بعبادة الصوم، ولذلك جعل الله -عزّ وجل- جزاء الصوم عظيما لا يعلم قدره إلا الله -تعالى-، عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (رواه البخاري).

ترغيبهم فيها

     ترغيب الأبناء في خلق الأمانة، فقد وصف الله -تعالى- عباده المفلحين بأنهم يحفظون الأمانات، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون:18) أي: «مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه، كالتَّكاليف السِّرِّيَّة، التي لا يطَّلع عليها إلَّا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار» (ابن سعدي:887).

ترهيبهم من الخيانة

     ترهيب الأبناء من خيانة الأمانة، لقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال:27)، ولأن خيانة الأمانة من أخلاق المنافقين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»  (رواه البخاري).

معناها الشامل

     كذلك على المربي أن يشرح مفهوم الأمانة للأبناء بمعناها الشامل، فليس المقصود بالأمانة هو حفظ الودائع فقط، ولكن خلق الأمانة متغلغل في جميع أعمال وسلوكات المسلم، مثل أن نؤدي الحقوق التي يجب علينا أداؤها في حق أنفسنا وربنا ومجتمعنا، فالجسم أمانة ولا يترك للسهر والتعب والغذاء الضار، والوقت أمانة يجب أن يقضيه في القيام بما هو مفيد، والوالدان أمانة يجب طاعتهما وبرهما، والمنزل الذي يعيش فيه أمانة لا يصح العبث بأثاثه وتخريب جدرانه، وأيضًا يتلازم خلق الأمانة مع أخلاقيات أخرى كثيرة، مثل صدق الحديث، وحفظ الأسرار، وحفظ أحاديث المجالس، والكف عما حرّم الله -تعالى- في الخلوات، وإتقان الأعمال «والمذاكرة بجد واجتهاد هي عمل الأبناء ومسؤوليتهم لسنوات طويلة من أعمارهم، لذلك ينصبّ عليها أيضًا خلق الأمانة من حيث إتقانها وبذل الجهد في التفوق فيها، ومجانبة الغش أو الإهمال في أدائها».

أسلوب القصص

     يستخدم المربي أسلوب القصص الرائع والمؤثر في توصيل المفاهيم الأخلاقية للأبناء وكيفية تطبيقها من خلال القصة، وهناك الكثير من القصص التراثية مثل قصة ابنة بائعة اللبن مع الفاروق - رضي الله عنه -، وقصة خشبة المقترض الأمين، وغيرها كثير، أو يقص على الأبناء قصصًا واقعية – والخير كثير في أمتنا ولله الحمد – مثل قصص من يعثرون على أموال أو أشياء باهظة الثمن ويسلمونها للشرطة أو لأصحابها.

أخطاء تربوية

تخطئ بعض الأمهات في إيصال قيمة الأمانة إلى فهم أبنائهن، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

- تتحدث الأم مع صديقتها وتبالغ في سرد الأحداث أو تبالغ في المشتريات على مسامع طفلها الذي يعلم أن حديثها مخالف للحقيقة. وعندما يتطوع هذا الأخير لتصحيح المعلومة، ينال عقابه؛ لأنه تسبّب في إحراجها، ما يُحدث ارتباكاً في القيم لديه. فالأمانة التي نريد أن نبثّها في الطفل يجب أن تكون متوفّرة في محيطه أولاً.

- تترك الأم ابنها يعبث ويأكل من المعروضات في المتجر، فحتى وإن كانت ستدفع قيمتها عند مغادرتها، إلا أنها بهذا التصرّف تخلّ بمبدأ الأمانة عندما تسمح لطفلها بالحصول على شيء قبل دفع قيمته، وتضرب له قدوةً سيئةً في الاستيلاء على ممتلكات الغير!

- تتّهم ابنها بالسرقة أو الكذب أو الخيانة، وتتعامل معه وفق هذا المنظور، إذ إن إلصاق هذه الصفات فيه يدمّر نفسيته، ويعرقل فرصة إصلاح الخطأ في سلوكه.

- تقسو عليه بصورة مبالغ فيها حيث ترهبه وتبعده عن الصدق وتدفعه إلى الكذب، علماً أن الحرمان الزائد يدفعه إلى السرقة أو التدمير، وكذلك التدليل الزائد يشوّه المعايير الأخلاقية لديه، فيجعله يعد كل شيء مباحاً، ومن حقه أن يفعل ما يشاء.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة