أخبار سريعة
الأربعاء 16 اكتوبر 2019

مقالات » قراءة شرعية في رواية (قواعد العشق الأربعون)

للكاتب: أبوبكر القاضي

نسخة للطباعة

قراءة شرعية في رواية (قواعد العشق الأربعون)

كان الأدب -وما زال- سلاحًا بتَّارًا في معركة الوعي بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل في ساحة المعركة، والكلمة والقلم أدوات هذه الرؤى، والعقائد والأيدلوجيات قربت أو بعدت عن الحق المطلق من الوحيين الكتاب والسنة، ونحن لا نهيب الناس بالتقوقع والتحوصل دون القراءة والاطلاع والبحث حتى نحميهم من الكم الهائل من الشبهات والشهوات والفتن التي تتسرب إليهم باسم الفن والأدب والثقافة، ولكن نهيبهم بالتحصن أولًا ثم الانفتاح والاطلاع وتوسيع الآفاق والمدارك.

     والتحصن يكون من خلال طلب العلم النافع من الكتاب والسنة مما يلزمه فهمه من مراتب الدين الإسلامي بأركانه الخمسة، والإيمان بأركانه الستة، والإحسان بركنيه، أن نصنع شخصية إسلامية مثقفة غير مشوهة ولا مخوخة ولا معوجة، تستقيم لها التصورات والرؤى والمفاهيم، ومِن ثَمَّ الأخلاق والسلوك والممارسات في شتى المجالات.

الرواية في سوق الأدب

     وفي هذا العصر تحتل الرواية في سوق الأدب والثقافة مكانة الذروة، وترتفع فوق الصحافة والقراءة العلمية والفكرية، حتى الدراسة والتحقيق، بعض الروايات تكون صادقة حية حارة بمعانيها وبأنفاس الكاتب، ولغته الرشيقة، ترسخ ما في نفسه في نفس القارئ من حق وباطل، وبعضها تافه سفيه مبتذل لا قيمة له إلا ترسيخ مبدأ السبهللة والفراغ الذهني والفكري والإيماني والوجداني، والحالة العدمية التي يحياها مجتمعنا؛ مستهدفًا الشهرة والربح والانتشار فقط على سبيل المعنى والمضمون.

هل الروايات خطوة في الثقافة؟

     يتضح من خلال هذه السطور إجابة هذا السؤال الذي يطل برأسه في ساحتنا الثقافية اليوم وهو: هل الروايات خطوة في الثقافة؟ مع هذا الكم الهائل الذي يغرق الأسواق من الروايات باللغات المختلفة والمترجمة التي تصل إلى حد الماركة المسجلة والأعلى مبيعًا وتداولًا حتى غابت -أو كادت- القراءة المنهجية العلمية والفكرية والإيمانية، فضلًا عن مفهوم الثقافة الإسلامية، فضلًا عن مفهوم الثقافة أصلّا الذي هو من الثقف الوجد والإدراك، وهو يتنوع ويتفاوت ويكتسب أهميته من المثقوف والمُدرك والمعلوم وفي هذا التحدي ينبغي أن تتضح الإجابة.

شروط الرواية

     إن الرواية إذا توفرت فيها شروط الذوق اللغوي الرفيع والنحوي والمُحتوى الهادف الذي يرسخ قيم الحق والخير والجمال والمنظور الحق للموت والحياة بآلامها وآمالها وخيرها وشرها، فهي خطوة جادة للتعوُّد على القراءة وصناعة الوعي والخيال الخصب، ولا يُكتفى بها، بل هي خطوة على الطريق لتحبيب القراءة للنفوس، وهي شرعًا لا حرج فيها من باب ضرب الأمثال؛ فإذا غابت اللغة وأصبحت لغة مبتذلة وعامية، والفحوى ما بين العدمية وما بين الانحلال والانحراف والشبهات والشهوات، فلا شك أنها ليست خطوة على مضمار الثقافة، بل تصبح أداة للتسفيه والتجهيل والتغييب عن قضايا الأمة ونصرة الحق والإغراقات في حالة عدمية وفراغ ثقافي وإيماني وغفلة عن مخططات الأعداء الداخلية والخارجية في شكل كتاب وورق فاخر وأغلفة جذابة.

من أكثر الروايات مبيعًا

     بين أيدينا في هذه السطور رواية، وجدت رواجًا وتداولًا حتى أصبحت من أكثر الروايات مبيعًا، وهي رواية: (قواعد العشق الأربعون) لإليف شفاق -كاتبة روائية صوفية-، وتعتقد في كلام ابن عربي الأندلسي وجلال الدين الرومي أن الله يحل في الإنسان ويقبع داخله.

حبكة درامية

     تضمنت الرواية حبكة درامية وشخوصًا وأحداثًا في خطين من الزمن: متقدم ومتأخر متوازيين متبادلين، وهي رواية فكرية فلسفية وجودية من الطراز الأول، وخطرها في تمرير عقائد وأفكار منحرفة من خلال لغة الحب والعشق الخلابة التي تستلب الأسماع والأبصار، وتأسر المشاعر، وتستولي على مجامع النفوس كالسم الزعاف في العسل اللذيذ.

نظرة كلية لأحداث الرواية

     رواية تتضمن خطين زمنيين أحدهما في القرن الواحد والعشرين، والآخر في القرن الثالث عشر، ومحورها الأصلي حياة شمس التبريزي- صاحب مدونة (قواعد العشق الإلهي الأربعون)، وهو رجل من الصوفية المتفلسفة الإباحية التي تدين بعقائد الحلول  والاتحاد،  ورفع التكاليف الشرعية عن الأولياء، واستباحة الحرمات بالوصول إلى حقيقة الحب الإلهي والفناء، واستواء الأديان والشرائع إذا تحقق جوهر الدين من المحبة والعشق، وهذا يتطلب تفسيرًا باطنيًّا للقرآن، فضلًا عن إهمال السنة، وتقليل شأن النبوة والاحتياج إليها في تفسير الشريعة؛ لأنه -في زعمهم- يغني عنها الحقيقة التي يجدها الولي في قلبه من تحديث الله (حدثني قلبي عن ربي)، وحقيقة الفناء والاتحاد الذي تحدث بين الرب والعبد؛ فيصير الرب عبدًا والعبد ربًّا حتى ينقل ويستدل بكلام البسطامي: (الله في عباءتي)!

شمس التبريزي

     شمس التبريزي حياته في الرواية تظهر من خلال رواية تقرؤها بطلة الرواية (إيلا) في العصر الحديث، وهذه الرواية بعنوان: (الكفر الحلو) تجد فيها (إيلا) ملجأ لها في هذا الفكر الصوفي الروحاني من مادية حياتها وروتينها، وأنواع التدني الخلقي، والمفارقات، والاختلافات، وعتمة الروح من الفواحش والمعاصي؛ فتجد في (شمس) نموذجًا للشخص المتدين الذي يفهم الدين على الحقيقة وقد وُلد قبل زمانه، فهو أنضج من عصره؛ فيستشعر بالغربة الشديدة والاستيحاش بين أهل الدين الظاهر، والالتزام بالشريعة الحشوية، الذين يظهرون في الرواية أنهم أصحاب بطون جائعة، وشهوات مشتعلة، وقلوب قاسية، وخدم للسلطان والسياسة، وعُبَّاد المناصب والرياسات، وغافلون تمامًا عن دعوة الخلق وخدمتهم ومشاركتهم آلامهم وحاجتهم النفسية والروحانية والمادية.

البطل المغوار

     و(شمس) يظهر في صورة البطل المغوار الدرويش الذي يتحقق  بمذاقات الدين، وأشواق الروح، والعارف الفاهم لمقاصد الشرع الذي تجري على لسانه الحكمة، ويبدأ في رحلته البحث عن رفيق في رحلته الروحانية، مستمدًّا من قصة موسى -عليه السلام- والخضر القدوة والأسوة؛ فيطرق مسامعه ذكر جلال الدين الرومي -أحد فقهاء الأحناف وعالم بالشريعة الظاهرة، خطيب مؤثر يزلزل القلوب والمنابر بخطبه الرنانة-؛ فيرحل إليه ليكون رفيق دربه في رحلته الروحانية في سبيل العشق الإلهي، وفعلًا في طريقه يلتقي ببغي وسكير ممن تصورهم الرواية أنهم يعبدون الله في أعماقهم، ولكن قد دُفن النور داخلهم بدخن الشهوات، ويحتاجون لاستنقاذ ورحمة، وأن أهل الدين الظاهر ظلمة جفاة جهلة، يقسون عليهم قسوة عارمة، ولا يمدن لهم يد العون إلا (شمس).

بين الشريعة والحقيقة

ينطلق شمس إلى مجلس الرومي ويلتقيه ويبغته بسؤال: هل النبي أفضل أم أبو اليزيد البسطامي؟ في مواجهة واضحة صريحة بين الشريعة والحقيقة، وأن الأولياء يسبقون الأنبياء بدلالة قصة موسى والخضر ومفهوم الصوفية المنحرفة لهذه القصة .

     ثم يتكلف الرومي الجواب المتنطع غير المنطقي، ثم يفهم الرسالة، ويتواصل مع (شمس) في خلوات روحانية بعيدًا عن الناس، يصبح فيها شمس معلمه وشيخه وملهمه الأوحد، يتحول فيها الرومي من عالم بالشريعة إلى عارف بالحقيقة، يرمي كل كتبه في الماء، ويعتزل الناس حتى زوجه وأولاده؛ مما يثير الأحقاد والشكوك، وتبدأ حملات شرسة من الهجوم والنقد لشمس والرومي، وإشاعات الرذيلة والزندقة والكفر.

     ويختلط شمس بعائلة الرومي كيرا زوجته، وسلطان ولد وعلاء الدين وكيميا اليتيمة التي يرعاها، ومنهم من يعاديه، ومنهم من يُعجب به، ويتبين في سياق الرواية أن (شمس) مظلوم وقد أساؤوا به الظن، وهو لا يريد إلا الخير لجلال الدين، وتُظهر الرواية أن شمس وجلال اتحدَا روحيًّا حتى أصبحا واحدًا من خلال طريق العشق، وأنه إذا تدمر أحدهما تدمر الثاني، وهذا نص كلام شمس لعلاء الدين ابن جلال وهو معارض ومعادٍ له.

نبذ الأحكام الظاهرة

     يتماهي جلال الدين تمامًا مع شمس في نبذ الأحكام الظاهرة والغرق فيما يزعم أنه حقائق الدين من التماهي مع العصاة لرحمتهم والقرب منهم والرقص والموسيقى (تتبلور فكرة رقصة سما المولوية) يتحد فيها الراقص بذرات الكون، يرفع يدًا ويخفض أخرى ليأخذ الحب من السماء وينشره في الأرض، وهنا تحتد المواجهة الصريحة بين الشريعة والحقيقة التي يزعمون؛ فالصوفية افتعلوا صراعًا، ونصروا حظوظهم وأذواقهم الشاذة وأهواءهم في هذه المعركة في الحقيقة!

التفسير الباطني للقرآن

     تنتقل الرواية في البلورة الفكرية لفكر (شمس) في التفسير الباطني للقرآن الذي يظهر في حواره مع كيميا في آيات من سورة النساء، ومساواة الأديان، وأنها أصابع ليد واحدة في حواره مع كيرا التي كانت نصرانية وأسلمت وتزوجت من جلال الدين، وأنها تستطيع أن تحتفظ بعبادتها لمريم -عليها السلام- (وهذا شرك) مع الإسلام، ونبذه للتعبد لله خوفًا ورجاءً وإنكاره؛ لذلك حتى قال: «وددت أني أحرقت الجنة وأطفأت النار حتى يعبد الناس الله حبًّا فيه»، وتحلله من الشريعة بأخذه لجلال لدور الخمر والبغاء وأمره بشربها.

     يهجر (شمس) (جلال)، مرتين لشدة الهجمة عليه من الناس الأولى لشره، ثم يأتي به سلطان ولد والثانية تكون فيها مقتلة ونهايته، هذا يُذكي نار العشق والشوق في قلب جلال؛ فيهرف بالشعر والتغزل في شمس (هذا مما أثار الشكوك حول علاقتهما واتهامهم بالفاحشة)، والخلط بين شخصه وذات الإله، والتوجه إليه كالتوجه إلى الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

ينشئ كتبه ويصير جلال الدين عاشقًا وفارسًا للعشق الإلهي ومولى العاشقين عبر الزمان من خلال هذه التجربة الروحية المنحرفة، ويُقتل شمس التبريزي اتهامًا بالزندقة، وتظهره الرواية أنه مظلوم.

البُعد الفلسفي والعقدي في الرواية

تتمحور الرواية حول إظهار الفكر الصوفي الفلسفي، وأن فيه حقيقة التدين والأخلاق والسعادة والسلام العالمي من الحروب الدينية والسلام النفسي على مستوى الأفراد والشعوب، متجاوزًا حقائق الشرع كلها من الاعتقادات والتحرر من العبادات.

احتقار الشريعة

     افتعال الصراع بين الحقيقة والشريعة وانتصار الحقيقة، وازدراء الشريعة واحتقارها مع ازدراء أيضًا حاجة العباد إلى النبوة في تفسيرها مع احتقار من يعلمها ويدرسها ويطبقها، وإظهار حاجة الناس إلى الدراويش الذين هم الأولياء العارفون الحكماء -في زعمهم- دون أهل الظاهر الذين يلتزمون بالأحكام الشرعية الظاهرة.

عقيدة الحلول

     عقيدة الحلول ظاهرة في الرواية، وتذويب قضايا الكفر، والإيمان، والولاء،  والبراء،  ومساواة الأديان، ومساواة الكفر بالإيمان، والحق بالباطل؛ فالحق عنده يتعدد ونسبي، ولا سبيل إلى الوصول إلى الحق المطلق في ديانة، بل ينبغي التحرر من الأديان للوصول إلى الحق المطلق، وهي أن تحب فقط فتصل للعشق الإلهي.

النظرة الجبرية

النظرة الجبرية للكفر والمنكرات، وأن هذا قدر الله على من كفر وعصى وهو يحبه ويرضاه على ذلك، وعدم التفرقة بين المصلح والمفسد، والخلط بين الإرادة الكونية  والإرادة الشرعية.

دين الخرافة والأساطير

     إنشاء دين الخرافة وإحداثه وابتداعه، والأساطير، والإلهامات، والرؤى، والمنامات، والرقص، والموسيقى، والرقص المولوي بالتنورة والتعبُّد بهذا الخطل، والانعزال عن العالم، والخلطة بالمنكر دون إنكاره، ولو اختلط بالناس لا ينكر عليهم حتى لا يثير اختلافًا وبلبلة، وهذا يرسخ السلبية.

خلاصة القول: إنهم يريدون دينًا مهترئًا، لا ضابط له، ولا أحكام، ولا تكليفات، ولا ثواب فيه، ولا عقاب، وهذا أشبه بالإلحاد!

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة