أخبار سريعة
الخميس 22 اغسطس 2019

مقالات » في الصميم - خالطهم وزايلهم!

للكاتب: هيام الجاسم

نسخة للطباعة

في الصميم - خالطهم وزايلهم!

خالط الناس وفارقهم في آن واحد، إنها الغربة النفسية تلتحف جلّ أوقاتك، حماية، ووقاية، وعلاجا لك ولغيرك من آفات أنت في غنى عن أن تجعل من نفسك مرتادا لها، لا بل قد تجعل من نفسك مسوّقا لها؛ من حيث استدراجهم لك!

     بعد القراءة والاطلاع على اثنين وعشرين مرجعًا علميًا في قضية (اعتزال الناس ومخالطتهم)، أيهما الأولى في حياة المسلم؟ كانت هذه المقالة سطّرتها بقلمي المتواضع، العزلة أم الخلطة مع الناس؟ عشر آيات وثلاثة وثلاثون حديثا في البخاري ومسلم مع ما اتفقا في رواية بعض منها تتحدث عن العزلة والاعتزال، وضوابطه وأحكامه ومفاهيمه المتعددة بحسب سياق ذكره في الموقف والحدث والآية والحديث، ولسنا بصدد التفصيل في حيثيات العزلة كافة، وإنما الذي يعنينا في هذه المقالة المتواضعة جانب التخفف من الاختلاط بالناس حماية ووقاية وسلامة وتقوية للثبات على الطاعات، وتجنّبا لفعل المعاصي واجتناب مضيعة الوقت، وغبن الصحة والعافية، وأيضا من ناحية أخرى لغايات وفوائد أخرى جمّة، وذلك للتفرغ لنفسه ليقدم لها نصيبها المأمورة به من العبادة لله -تعالى- ولاستثمار الوقت والصحة فيما يرضي الله وليعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، ويسعى في الأرض على كسب رزقه، وليعمل لآخرته كأنه يموت غدا، وغيرها من الفوائد الكثيرة التي منها محاسبة النفس، واستذكار عيوبها؛ لإصلاحها وللتدبروالتفكر في آلاء الله -عز وجل.

لذا يجدر بالمرء اللبيب ألاّ يضيع نفسه من أجل إرضاء المجتمع والتودد لمن يهمّه ترضيتهم حتى بات كثير من الخلطاء يعانون من متلازمة إرضاء الناس!

صلة الأرحام

     صلة الأرحام غير داخلة في دائرة التخفف المنشود؛ فصلات الأرحام ثابت من ثوابت الدين، تتكسّر الأقلام التي تدعو لقطيعة الأرحام ولها الويل والثبور، إنما الذي يعنينا قضية التخفف من الناس في غير حاجة تعبدية لله من خلال مخالطتهم مخالطة توسعيّة لاتضيف للمرء شيئا نافعا، بل أضرار الاحتكاك بالناس واضحة للعيان، بلا هدف مقصود، ولاغاية جليلة، وضرره حتمي، ونفعه زائل؛ فتلك قضية مجتمعية تستحق التوقف عندها، والتطرق لتفاصيل الواقع المجتمعي الذي ينبغي أن نرسم منهجية حياتنا الدنيا عليه.

اختلاف الناس

     ولقد اختلف الناس وتنازعوا في الرأي حولها كثيرًا؛ فمنهم المؤيد للعزلة تمامًا ومنهم المؤيد للاختلاط مع الناس، بعض العلماء السابقين فصلوا بين المتنازعين في ضبط المسألة شرعًا، أمثال شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله تعالى-؛ فقال في الجزء العاشر من مجموع فتاويه ص425 كلامًا طويلا تفصيليا أذكر طرفا منه، ومن أراد فليراجع المسألة في بابها: «هذه المسألة وإن كان يتنازعون فيها، إما نزاعا كليّا، وإما حاليا؛ فحقيقة الأمر أن الخلطة تارة تكون واجبة وتارة مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة وبالانفراد تارة، وجماع ذلك أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى، فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها... إلخ إلخ»، إلى هنا كان النقل من مجموع فتاويه -رحمه الله تعالى- ثم استطرد شارحًا ومفصلا أكثر فأكثر، ومقدمة كلامه في المقدمة هي المانشيت العريض والرئيسي لاستيضاح قضية التخفف أم المخالطة؟ وغيره من أهل العلم أيضا أفردوا أبوابا وفصولا في كتبهم لهذه القضية المهمة؛ لما يترتب عليها من محامد ومفاسد على الوجهين السلب والإيجاب، بما يضر الناس وماينفعهم، ومايحمد للشخص المقبل على المخالطة أو المدبر عنها.

مخالطة الناس

     مخالطة الناس بقدر مافيها من التجارب والخبرات وعلى مافيها من المنافع للمخالط إن كان لهم عمدة حكيمًا راشدا في أسرته وعائلته، أو هو شيخ كبير المقام في العلم والفتوى وهلمّ تترى وجرّا للفوائد الجمّة، إلا أنّ التوسع والبحبوحة في الخلطة والمخالطة له ماله من المضار والسوء في التوسع في المباحات، ناهيك عن التأثر بالسوقية من اللاّ أخلاقيين من الناس، فضلا عن أن الصاحب ساحب، ومنذ نعومة أظفارنا نقرأ ونسمع مصطلح (التقليد الأعمى)، واضطرار المجاملة في المعاصي من القول والفعل؛ فنحن -النساء- كم من مجالس نجلس فيها للاعتبارات الاجتماعية لاتخلو من تفاخر وتباه وتنابز بالألقاب ومضيعة الوقت والحديث فيما لاينفع مطلقا.

خلطة السوء

     نقرأ عن علماء سابقين ومحدثين لم يرضوا لأنفسهم خلطة السوء ولامرافقتهم، وصنّفوا في ذلك، أمثال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في كتاب الرقاق باب 34، (باب العزلة راحة من خلاّط السوء) والروايات تترى عن السابقين كيف كان يقينهم في الحديث النبوي؟ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» رواه البخاري.

صحبة الخير

     ولعبدالله بن المبارك -رحمه الله- سلسلة من المواقف التي يعرف بها بريادته لصحبه في الخير وبذل المعروف واحتواء إخوانه في الله، إلا أنه في المقابل وفي حقبة زمنية أراد لنفسه التخفف من الخلطة الواسعة بالناس! قال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته؛ فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم .

مخمومو القلوب

     فكم من غيبة ونميمة وهمز ولمز وطعن وشتم واحتقار وغيرة وحقد نتعرّض له في يوميات مخالطتنا للناس عامة، تمنعنا من أن نكون مخمومي القلوب، ناهيك عن مجتمعك المحيط بك من معارفك وأصدقائك وزملاء العمل والوظيفة، إن كان مجتمعًا مليئا بالسفهاء والساذجين!

مواقع التواصل الاجتماعي

     مع احتقان وحمأة الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي، صارت الكتابة والتحدث عن شأن التخفف من الخلطة كلاما غريبا، يراه كثير من الناس على أنه لغة سريالية غير مفهومة ولامطروقة، لا في حياتهم ولا على أسماعهم، يستغربون، عن أي تخفّف تتحدثون؟ وعن أي أضرار تحذّرون؟؛ فإن الناس صارت حياتهم معروضة في الشارع، وغسيلهم منشور على السطوح وفي (البلكونات) الشّرفات، أضحى الناس يتفاخرون بكثرة المتابعين، ويتباهون بخوضهم التواصلي مع (الفانزات)، هكذا هم يقولون ويطلعون علينا في الإعلام.

سلامة القلب والعقل

     سلامة قلبك وعقلك من الخوض من الخائضين، رأس مالك وتاج مشرّف على رأسك، لن تسلم من الانحدار مادمت على المواقع التواصيلة قائما ومدمنا، لاتفرّق بين المسموح والمحظور، وإن كان الأوّلون حذّرونا من المخالطة المفضية إلى التوسع في المباحات وارتكاب المحرمات؛ فمن باب أولى حماية أنفسنا من المخالطة الإلكترونية

العزلة في المجالسات

     العجيب الغريب  في هذا العقد من الزمان أن الناس في المجتمعات صارت العزلة في المجالسات تستهويهم، وماعاد أحد ليطيق زيارة أحد إلا مارحم ربي، وضاقت النفوس باللقيا، إلا أنهم بالرغم من العزلة الاختيارية مجتمعيا، إلا أنهم تداخلوا أكثر فأكثر إلكترونيا، وبات الناس مدمنين على الشاشات الإلكترونية، واختلطوا وماجوا في الخلطة عبر فضاء الأقمار الصناعية، وأحجموا عن اللقاءات الأسرية الاجتماعية ذات النفع.

مدمنو الحياة الجماعية

     جولة في علم الفقه الكبير في مجال التخفف من المخالطة لعلها تصل إلى مدمني الحياة الجماعية، سواء عبر مواقع التواصل، أم عبر واقع الجلسات، يقول عبدالله بن مسعود الصحابي رضي الله عنه : «كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سُرُج َالليل، جُدُدَ القلوب خِلْقاَن الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون على أهل الأرض»، ويقول الصحابي أبوالدرداء رضي الله عنه : «نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ فيها بصره ولسانه، وإيّاكم والسوق! فإنها تلهي»، يقول محمد بن الحنفية: وحشة الانفراد أبقى للغر من مؤانسة اللقاء، والغر هو الغافل غير المجرّب الذي من الممكن أن يتعرض للخديعة بسبب سذاجته وقلة خبرته، يقول الماوردي: «إن الصديق يلج في غشيانه لصديقه حتى تراه بعد طول سروره متثاقلا بمكانه».

التخفف من المخالطة

     إن التخفف من المخالطة تكفيك مؤونة التكاليف في الواجبات التي هي حقوق الناس عليك، وتحفظ عليك وقتك لما هو أنفع لك، وتحميك من السقطات في مواقف قد لاتقوى على مجاهدة نفسك بها، وتقيك مما اضطر إليه كثير من الناس  مما انجبروا عليه جبرا مخجلا!

الأصل في المسلم

     الأصل في المسلم أن تكون مخالطته الناس في المجتمع، يحددها مدى المنفعة لنفسه ولغيره، ويدور حيث دار نشر الخير والتعاون على البر والتقوى والطاعة، ونشر العلم وخير العمل والتكافل بين الناس، أما إن دارت الدوائر ووجد جمعا من الناس يأتمرون بالمنكر وينهون عن المعروف؛ فليس له مخالطتهم إلا أن يكون له الريادة والسيادة، وقوله مسموع، وله عندهم اعتبار ومقام اجتماعي، وهيبة ووقار في نفوسهم، فله أن يجلس معهم ويناصحهم لترك المنكرات.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة