أخبار سريعة
الإثنين 23 سبتمبر 2019

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ » هل في القرآن ألفاظ أعجمية؟

للكاتب: محمود طراد

نسخة للطباعة

هل في القرآن ألفاظ أعجمية؟

 

القرآن الكريم كتاب الله -تعالى- نزل بلسان عربي مبين، على النبي العربي الأمين صلى الله عليه وسلم، وقد أوحاه الله -تعالى- بلسان العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكد على عربية القرآن في أكثر من آية؛ فقال -سبحانه-: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين}(الشعراء 192 – 195)، وقال -تعالى-: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}(الزخرف: 3)، وقال -تعالى-: {قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون}(الزمر 28).

     ولأن هذه تصريحات واضحة تؤكد على عربية الكتاب الكريم، بحث المستشرقون ومن نحا نحوهم عن ألفاظ غير عربية تناقض هذه التصريحات؛ فوقعوا في فخ اللغة، وثارت ثائرتهم بأن في القرآن ألفاظاً غير عربية؛ فكيف تقولون إن القرآن عربي؟  هكذا قالوا؛ فهيا بنا أيها القاريء الكريم نناقش تلك القضية.

هل هي أعجمية فعلاً؟

     أكد كثير من العلماء ومنهم الإمام الطبري، والإمام الشافعي -رحمهما الله- على أنه ليس هناك في القرآن ألفاظ أعجمية، واستدلوا بالآيات التي سقناها في مقدمة الكلام، وتعليقاً عليها يقول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: «فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه -جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه؛ فقال -تبارك وتعالى-: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}(النحل: 103)، وقال: {ولو جعلناه أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي}(فصلت: 44)؛ فهو  -رحمه الله- يؤكد على أن تلك الألفاظ المتنازع عليها عربية لا أعجمية، وعلى الباحث حينئذ التنقيب في أصلها واستخداماتها.

رأي معارض

     بينما يؤكد الإمام الشافعي والإمام الطبري وغيرهما على أن تلك الألفاظ ألفاظ عربية المنبع والأصل، نجد آخرين كالإمام السيوطي والمفسر ابن عطية -رحمهما الله- يقولون بوجود بعض الكلمات غير العربية في القرآن؛ إذ القرآن قد نزل إلى الناس كافة، ومن كمال الإعجاز أن نجد بعض الألفاظ التي ينطق بها أولئك الذين أنزل الله -تعالى- إليهم هذا الكتاب، قال -تعالى-: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً}(سبأ: 28)؛ فلم تكن رسالته -عليه الصلاة والسلام- للعرب فقط، بل هي رسالة عالمية للعرب وغيرهم.

رأي ثالث يجمع بين الأولين

     ظهر فريق ثالث من الباحثين يناقش الرأيين السابقين المتعارضين؛ فيقول: إن وجود ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم لا يخرجه عن كونه عربيا، والعبرة بأكثر ما ورد فيه وهو الكلام العربي، وهذه الألفاظ الموجودة إنما هي أعجمية في الأصل، لكن العرب كانوا قد نقلوها وعربوها وأصبحت بينهم مستخدمة بلسانهم بتلك المسميات؛ فنزل القرآن الكريم بما كانوا ينطقون به، وقد عربوه بغض النظر عن أصل تلك الكلمات.

لماذا لم يعترض العرب ؟

     من العجيب أن نجد من يخفى عليه كثير من علوم اللغة ينقل عن المستشرقين تلك الشبهة مقدماً كلامهم على كلام العرب الأقحاح الذين نزل عليهم القرآن، وكان المشركون آنذاك ينتقدون كل كلمة وسلوك يصدران من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما لم يعده العرب خطأ لغوياً، أو تعبيراً أعجمياً، يعده المستشرقون ومن نحا نحوهم خطأ، والإنصاف العلمي يقتضي أن يقدم كلام العرب الذين تحداهم القرآن على كلام غيرهم.

عدد الكلمات المختلف عليها

     بلغت كلمات القرآن الكريم أكثر من سبعة وسبعين ألف كلمة، بينما بلغت الكلمات المختلف فيها على أقصى حد 150 كلمة، وهذا يؤكد لنا على أمرين: الأمر الأول أن مقارنة الكلمات المختلف فيها (150) ب 77000 كلمة، ثم يقال: إن تلك الكلمات تثبت عدم عربية القرآن؛ فإن هذا أمر لا يقبله عقل! فالعدد قليل جدا في كتاب بلغت كلماته 7700 كلمة.

- الأمر الثاني: أن تكرار 150 كلمة أمام العرب دليل على أنهم يستخدمونها بالفعل، وأنها من ألفاظهم واستخداماتهم، وإلا فمن لم يدرك ذلك في المرة الأولى سيدركه في المرة الأخيرة الـ(150)، وهذا الإمام السيوطي -رحمه الله- يؤكد في كتابه: (المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب) أنه لم يجد سوى 125 كلمة، ويقول: «فهذا ما وقفت عليه من الألفاظ المعربة في القرآن بعد الفحص الشديد سنين».

العرب ترد على أصحاب الشبهة

     من خير ما يدل على استخدام العرب لكلمات معربة منقولة من غيرهم ما نجدهم في شعرهم ونثرهم وهم أفصح الناس، ومن ذلك: تضمين كلمة السجنجل في قول امرىء القيس: «مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل»، وكذلك كلمة (الجمان)، وهي كلمة فارسية الأصل تعني الدرة المصوغة من الفضة، وقد جاءت في قول لبيد بن ربيعة في معلقته يقول: «وتضيء في وجه الظلام منيرة كجمانة البحري سل نظامها»، وكذلك كلمة (طنبور وصنج)، اللتان وردتا في قول الأعشى (وطنابير حسان صوتها عند صنج كلما مس أرن)، ومن ذلك أيضاً قول عنترة بن شداد: «ماء الحياة بذلة كجهنم وجهنم بالعز أطيب منزل»، وكلمة جهنم يقول عنها السيوطي: قيل إنها كلمة أعجمية، وقيل: بل فارسية معربة، وقال آخرون: هي تعبير كهنام بالعبرانية، والخلاصة من نقل تلك الكلمات في معلقات العرب وكلامهم أن نقول: لما كانت من استخداماتهم نقلوها في كلامهم وكلمهم القرآن الكريم بها، ولما لم تقدح تلك الكلمات في كون تلك المعلقات عربية بلا شك؛ فكذلك وجود مثلها في القرآن الكريم لا يقال به إن القرآن غير عربي، ولا يقول ذلك إلا قليل البضاعة؛ فالعرب أنفسهم لم يقولوا ذلك.

من الألفاظ المتعلقة بالموضوع

     من الكلمات التي تتعلق بهذه القضية كلمة (استبرق) الغليظ بالفارسية، وكلمة (مرجان) و(طفقا) أي قصدا، و(القسطاس) العدل بالرومية، و(السجل) الكتاب بالفارسية، و(الرقيم) اللوح بالرومية، و(المهل) عكر الزيت بلسان أهل المغرب، و(السندس) الرقيق من الستر بالهندية، و(المشكاة) الكوة بالحبشية،  و(الدري) المضيء بالحبشية، و(الأليم) المؤلم بالعبرانية، و(اليم) البحر بالقبطية (بطائنها) ظواهرها بالقبطية، و(الأب) الحشيش بلغة أهل المغرب، و(إن ناشئة الليل)، قال ابن عباس رضي الله عنه : نشأ أي قام من الليل بلغة أهل الحبشة (كفلين من رحمته) قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ضعفين بلغة الحبشة (القسورة) الأسد بلغة الحبشة.

الخلاصة: اللغات تتداخل تداخلا مألوفا دائماً

     في النهاية نجد أن تلك الشبهة لا تستقيم ولا يستدل بها على أن القرآن غير عربي، بل دلت تلك الكلمات على معنى مهم يؤكده أهل اللغة، وهو أن اللغات تتداخل دائماً تداخلاً مألوفاً؛ فنجد مثلاً أن اللغة العبرية قد استملت على كثير من الكلمات التي ترجع إلى أصل عربي، ومع ذلك لا يقال عن الناطق بها إنه لا يتكلم العبرية الشيء نفسه في اللغة التركية؛ إذ إنها تحتوي على العديد من المفردات التي أصلها عربي، ومع ذلك لا يقال عنها إنها ليست لغة تركية، وأيضاً فإن اللغة السريانية، تعد عند علماء اللسانيات شقيقة اللغة العربية في مجموعة اللغات السامية، وهي تشترك مع العربية في كلمات وعبارات وقواعد واشتقاقات كثيرة، ليس هذا مكان الخوض فيها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يقال في الكلمات المشتركة والمتداخلة بين اللغات: إن لغة ما أخذتها من الأخرى، ومثل هذه الكلمات المشتركة والمتداخلة يوجد الكثير منها في لغات العالم، ولاسيما بين الشعوب المتجاورة، وذات الأصل الواحد القريب، ومنها اللغات: (التركية، والكردية، والفارسية)؛ فلديها كلمات مشتركة كثيرة؛ وكذلك بالنسبة إلى اللغات التي أصلها لاتيني، كاللغة الفرنسية، والإسبانية، واللغات التي أصلها جرماني، كاللغة الإنكليزية والألمانية. 

 

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة