أخبار سريعة
الخميس 24 اكتوبر 2019

مقالات » فكر ابن عربي في الميزان

للكاتب: محمد القاضي

نسخة للطباعة

فكر ابن عربي في الميزان

في الحقيقة الناظر والمتأمل في واقع المسلمين اليوم يرى بوضوح محاولات هنا وهناك لإحياء الفكر الصوفي الفلسفي الممثل في فكر ابن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج، بوصفهم أقطابا لهذه المدرسة، ومعلوم ما يدعو إليه أمثال هؤلاء من وحدة الوجود وعقيدة الحلول والاتحاد، وأن هذه العقيدة الفاسدة فسادها أكبر مِن فساد عقيدة اليهود والنصارى.

     ولكن العجب كل العجب ممَن يقدِّم هؤلاء الفلاسفة على أنهم أولياء لله، وأنهم أصحاب أحوال مع الله وقرب أدى إلى هذه الهرطقة والزندقة التي لا يتصورها مسلم فضلًا عن أن يتصورها عالم بالشريعة والأحكام، فهل يتصور مسلم أن هناك مسلمًا ينطق بمثل: «إن آدم إنّما سمّي إنسانًا؛ لأنه مِن الحق بمنزلة إنسان العين من العين، الذي يكون به النظر»، وقال في موضع آخر: «إن الحقّ المنزّه، هو الخلق المشبّه».

     وقال في قوم نوح: «إنهم لو تركوا عبادتهم لودٍّ وسواعٍ ويغوث ويعوق، لجهلوا مِن الحق أكثر مما تركوا!»، ثم قال: «إن للحقّ في كلّ معبود وجهًا يعرفه مَن يعرفه، ويجهله مَن يجهله، فالعالم يعلم مَن عبد، وفي أي صورة ظهر حين عُبد، وإن التفريق والكثرة، كالأعضاء في الصورة المحسوسة».

     ثم قال في قوم هود: «إنهم حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال به حر جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق، فما أعطاهم هذا الذوقي اللذيذ من جهة المنّة، وإنما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا على صراط مستقيم».

إنكار الوعيد

ثم أنكر حكم الوعيد في حقّ مَن حقّت عليه كلمة العذاب من سائر العبيد (عقيدة ابن عربي وحياته، لتقي الدين الفاسي، ص 15-16)، مع قوله بإيمان فرعون الذي لم يسبقه إليه أحد حتى مِن اليهود والنصارى، فكل مجمع على كفر فرعون!

أقوال الضلال والغواية

     فهذه أقوال الضلال والغواية مِن رجل يعرف ماذا يكتب ويدندن عليه في كتبه سواء في فصوص الظلم (الحِكَم)، أم الفتوح المكية، وغيرها من الكتب، وهناك مَن يعتذر عنه بأنه كان يقول هذا الكلام وهو في حالة الجذب -أي الجنون وفقدان العقل-، لكن التركيز على العقائد بطريقة متكررة يؤكِّد أنه يعتقد، ويدعو إلى ما يعتقد، وقد صرَّح بردته وأنه يقول كلام أكفر مِن كلام اليهود والنصارى كثير من الأئمة.

كتاب الفصوص

     وقال الذهبي -رحمه الله-: «وممَن أفتى بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر: قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وقاضي القضاة سعد الدين مسعود الحارثي، والعلامة زين الدين عمر بن أبي الحزم الكناني، وجماعة سواهم. وقال ابن هشام الأنصاري النحوي: هذا الذي بضلاله ضلت أوائل مع أواخر، مَن ظن فيه غير ذا فلينأ عني فهو كافر، هذا كتاب فصوص الظلم ونقيض الحكم، وضلال الأمم، كتاب يعجز الذام عن وصفه، وقد اكتنفه الباطل مِن بين يديه ومن خلفه، لقد ضل مؤلفه ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا؛ لأنه مخالف لما أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وفطر عليه خليقته؛ وذلك أني لما وقفت على هذا الكتاب وجدته قد عقد لكل نبي من الأنبياء فصًّا، فوقفت على فص نوح -عليه السلام-، فقال فيه: لو قال بدل قوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (نوح:10)، إلى آخر كلامه، ادعوا ربكم ليكشف لكم الحجاب لأجابوه!» (انتهى).

فصوص الحكم

     وقال الذهبي -رحمه الله-: «ومَن أمعن النظر في فصوص الحكم وأنعم التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل مِن ذلك الأقوال والنظائر والأشباه؛ فهو أحد رجلين: إما مِن الاتحادية في الباطن، وإما مِن المؤمنين بالله الذين يعدون هذه النحلة من أكفر الكفر، نسأل الله العافية، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلًا خلف البقر، لا يعرف مِن العلم شيئًا سوى سور مِن القرآن يصلي بها الصلوات، ويؤمن بالله واليوم الآخر خير له بكثير مِن هذا العرفان وهذه الحقائق! ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة. وقد ألف ابن جماعة البقاعي مؤلفًا في تكفير ابن عربي سماه: «تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي»، وابن عربي قائل بوحدة الوجود الكفرية».

صُوفِيَّةِ الْمَلاحِدَةِ

     وقال شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالَهُ وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ مَنَّ الصُّوفِيَّةِ، فَهُمْ مِنْ صُوفِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ الْفَلَاسِفَةِ لَيْسُوا مِنْ صُوفِيَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: كالفضيل بْنِ عِيَاضٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني، وَمَعْرُوفٍ الكرخي، والجنيد بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري، وَأَمْثَالِهِمْ -رضوان الله عليهم أجمعين-».

ولو ذهبنا نستقصى كلام أهل العلم في هذا الرجل، وفي زندقته؛ لطال بنا المقام جدًّا، ولكن الخلاصة: أن هذا الرجل أهل للتهمة في الدين ولا يعذره إلا جاهل بحاله ومقاله، أو موافق له في عقيدته.

مذهب ابن عربي

     ومذهب ابن عربي يتلخص في وحدة الوجود، في إنكاره لعالم الظاهر، وعدم الاعتراف بالوجود الحقيقي إلا لله، فالخلق هم ظل للوجود الحق، فلا موجود إلا الله؛ فهو الوجود الحق، فابن عربي يقرر أنه ليس ثمة فرق بين الخالق والمخلوق، ومِن أقواله التي تدل على ذلك: «سبحان مَن أظهر الأشياء وهو عينها».

ويقول مبينًا وحدة الوجود، وأن الله يحوي في ذاته كل المخلوقات:

يا خالق الأشياء في نـفسه

                            أنـت لـمـا تـخـلق جامع

تـخـلق مـا لا ينتهي كـونـه

                            فيك فأنت الضيق الواسع

     وبناءً على هذا التصور، فليس ثمة خلق ولا موجود من عدم، بل مجرد فيض وتجلٍّ ومادام الأمر كذلك، فلا مجال للحديث عن علة أو غاية، وإنما يسير العالم وفق ضرورة مطلقة ويخضع لحتمية وجبرية صارمة، وهذا العالم لا يتكلم فيه عن خير وشر ولا عن قضاء وقدر، ولا عن حرية أو إرادة، ومِن ثَمَّ لا حساب ولا مسؤولية، ولا ثواب ولا عقاب، بل الجميع في نعيم مقيم، والفرق بين الجنة والنار إنما هو في المرتبة فقط، لا في النوع.

تحريف آيات القرآن

وقد ذهب ابن عربي إلى تحريف آيات القرآن لتوافق مذهبه ومعتقده، فالعذاب عنده من العذوبة، والريح التي دمرت عاد هي من الراحة؛ لأنها أراحتهم من أجسامهم المظلمة، وفي هذه الريح عذاب وهو من العذوبة!

ومما يؤكد على قوله بالجبر الذي هو من نتائج مذهبه الفاسد: الحكم حكم الجبر والاضطرار مـا ثم حكم يقتضي الاختيار، إلا الذي يعزى إلينا فـفي ظاهـره بأنه عن خيار، لو فكر الناظر فـيه رأى بأنه المختار عن اضطرار.

قوله بالجبر

     وإذا كان قد ترتب على قول ابن عربي بوحدة الوجود قوله بالجبر، ونفي الحساب والثواب والعقاب، فإنه ترتب على مذهبه أيضًا قوله بوحدة الأديان؛ فقد أكَّد ابن عربي على أن مَن يعبد الله ومَن يعبد الأحجار والأصنام كلهم سواء؛ لأنهم في الحقيقة ما عبدوا إلا الله؛ إذ ليس ثمة فرق بين خالق ومخلوق!

يقول في ذلك:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة

                            فمرعى لغزلان ودير لـرهبان

وبـيـت لأوثـان وكـعـبة طائف

                            وألواح توراة ومصحف قرآن

فمذهب وحدة الوجود الذي قال به ابن عربي يجعل الخالق والمخلوق وحدة واحدة، سواء بسواء، وقد ترتب على هذا المذهب نتائج باطلة قال بها ابن عربي وأكدها، وهي قوله بالجبر ونفيه الثواب والعقاب، وكذا قوله بوحدة الأديان.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة