أخبار سريعة
الأحد 17 نوفمبر 2019

مقالات » التربية الأخلاقية في مرحلة الطفولة (3) أسس البناء الأخلاقي

للكاتب: عصام حسانين

نسخة للطباعة

التربية الأخلاقية  في مرحلة الطفولة (3) أسس البناء الأخلاقي

 


ما زال الحديث مستمراً حول التربية الأخلاقية في مرحلة الطفولة؛ حيث تحدثنا في المقال السابق عن الأسس الخمسة التي يقوم عليها هذا البناء، وهي الأدب، والصدق، وكتم السر، والأمانة، وسلامة الصدر، وقد فصلنا الحديث عن خلق الأدب، واليوم نتكلم عن خلق الصدق، وخلق الأمانة، وسلامة الصدر.

الأساس الثاني: الصدق

     وهذا أصل من أصول الأخلاق الإسلامية، وهو أساس لما وراءه من الأخلاق؛  فالصدق منجاة، والإنسان الصادق يُهدى ويرشد إلى الخير كله كما قال صلى الله عليه وسلم ؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُور،ِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».رواه مسلم، «وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ» أي: يبالغ فيه ويجتهد»؛ فيعوّد الولد الصدق ، ويربى عليه ، تعليماً وتدريباً واختباراً .

القدوة الحسنة

     وأنجح وسيلة في ذلك القدوة؛ فلصدق الوالدين وصدق البيئة التي يخالطها الطفل أكبر الأثر في تنشئته على الصدق، ومما يقع فيه الوالدان كثيراً: الوعد الكاذب، فإن وعدت فاصدق، وإلا كان كذباً وخلفاً للوعد؛ فعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أنه قال: «دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ في بيتنا؛ فقالت: ها تعال أعطيك؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وما أردت أن تعطيه؟»، قالت: أعطيه تمرا؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليك كذبة» رواه أبو داود .

الأساس الثالث: كتم السر

وهذا مما يجب أن يربى عليه الطفل، تعليماً، وتدريباً، واختباراً؛ لما له من أعظم الأثر في نفس الطفل وصلاحه ومعاملته مع غيره ومجتمعه؛  فإن نشأ الطفل بهذه الصفة، ينشأ قوي الإرادة، حافظاً للسانه لا يتكلم إلا بخير، وينشأ أميناً في كل شيء، ويعوّد أنه إذا خاصم لا يفجر؛ فلا ينشر سر صديقه الذى ائتمنه عليه يوماً ما، ولننظر إلى تربية أم سليم -رضى الله عنها- لابنها أنس رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفظ السر، عن ثابت البناني قال: قال أنس رضي الله عنه : «أتى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان؛ فسلم علينا، فبعثني في حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرنّ بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً»، قال أنس  لثابت : «والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت». رواه مسلم، هكذا فليكن اقتداء الأمهات بأم سليم - رضي الله عنها.

الأساس الرابع: الأمانة

     الأمانة من أعظم الأخلاق، ومما يدل على عظمته أنه أول ما يرفع من الأمة، وأنه يعز وجوده حتى تفتخر القبيلة أن بها رجلاً أميناً، والإنسان الأمين محبوب من الله ورسوله، ومن المؤمنين، بل ومن الناس جميعا، ويكفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفاً بين قريش قبل أن يبعث بالصادق الأمين، بل وبعد بعثته كان المشركون يأتمنونه على أموالهم، وقد أبقى عليّاً في مكة يرد وَدائع المشركين، وهذا الخُلُق العظيم يحتاج إلى حزم وصبر من الوالدين في غرسه في نفوس أطفالهم، مع التدريب والمحاسبة دون ملال، والصلاح من الله -تعالىـ؛ فعليهم بالدعاء.

من أسس الأخلاق

     ومن أسس الأخلاق الانتماء للإسلام، وللوطن الذى يعيش فيه، يحب الإسلام والمسلمين، ويحب الوطن الذى يعيش فيه، ويسعى لحفظه ونفع أبنائه، ودفع الشر عنه، وكذا أوطان المسلمين جميعها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب مكة، ويقول لها: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

المسؤولية الاجتماعية

     وكذا يعلم احترام الآخرين، والتواضع معهم، والعطف والرحمة على الصغير وعلى فقراء المسلمين وضعفائهم، ويُغرس فيه المسؤولية الاجتماعية أنه يعيش في مجتمع وهو مسؤول عن صلاحه؛ فلابد وأن يصلح المكان الذى يعيش فيه ولا يخربه، ويسعى بالنصح الصالح لأبنائه، ويعلم أن أعظم خلق هو المحافظة على الصلاة في وقتها ومكانها؛ فإنها تعلمه حفظ المواعيد، والنظام، والإتقان؛ فإذا شب على ذلك كان حازماً محافظاً، متحملاً للمسؤولية .

ما السبيل؟

وبعد: فقد يكون هذا الكلام مثالياً، والسؤال: ما السبيل إلى تحقيقه؟

     نعم، إن تربية الأطفال تربية سوية وفق الهدي النبوي الشريف وسط مجتمع، تتباين مؤسساته في التربية لأمر شاق، لكن ليس بالصعب ولا المستحيل؛ فلابد من بذل الجهد بصدق وإخلاص، والله -تعالى- يعطي كلاًّ منا على حسب نيته، ومن صدق الله صدقه، وما يتلقاه الطفل في سنواته الأولى يبقى معه حياته كلها، وإن رأى أو سمع خلاف ما تربى عليه؛ فأبشر أيها المربي الفاضل، ولكن عليك بخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وبصدق وإخلاص وبتربية النواحي الإنسانية جميعها في الطفل مع الدعاءِ.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة